ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الأشهر الفضيلة ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 تفسير سورة الغاشية ٢

تقدم القراءة:

تفسير سورة الغاشية ٢

الثلاثاء 1 رجب 1433مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(2)

وصلنا إلى قوله تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4)  

قلنا أن الغاشية أحد أسماء يوم القيامة لأنها تغشي الإنسان وتحيط به من كلّ جهة، ولأن القرآن يتكلّم عن مصير الإنسان وعن ما سوف يؤول إليه وضعه فقد بيّن كيفيّة ونحو ذلك اليوم بتعبير الغاشية. وحتّى نقرّب معنى الغاشية  أكثر لنضرب هذا المثال: الإنسان يتلقّى خبرا يفرحه أو خبرا يحزنه فيغشاه هذا الخبر بمعنى يستولي على كلّ كيانه، ويتسلّط على كلّ وجوده، ويهيمن عليه بشكل كامل. الغاشية كذلك فهي تغشى الانسان في كلّ أبعاده الحسيّة والروحيّة والإدراكية، لا أنها تتملّك جانبا واحدا من حيثيات الإنسان،  ليس جوارحه فقط، ليس مشاعره فقط، بل كلّ حيثيّاته فيعيشها بكلّه لا كما يعيش ألم إصابة في أحد أعضائه، هذا النوع من  الألم لا يغشاه في نفسه وروحه وإدراكه، فهو لا يزال يفكّرويدرك مع وجود الألم  في حين أن  الألم والوجع الذي يسيطر على الإنسان في يوم القيامة يغشيّ ويغطّي كل جوانبه .

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ 

 الآية تبيّن نافذة تعريف الغاشية، وهي أنها سوف تظهر على الوجوه. فإذا قلنا أن المراد بكلمة (وجوه)  وجوه القوم والثلّة الذين كان لهم تأثير في تحريك الناس نحو الباطل . واستحقوا  بذلك الاختصاص في ذلك اليوم بظهور ما غشاهم من العذاب على وجوههم. ويقابلهم  أناس لهم موقع ووجاهة في جانب الخير والتحريك نحوه فاستحقوا ظهور النعيم على وجوههم .  

هذا الفهم مقبول وليس ببعيد، والسرّ في ذلك أنه إذا أكرم أو أهين رموز قوم فقد أهين كلّ القوم. أضرب لكم مثالا:  لو حدث انتصار في إيران ورأينا السيّد القائد مسرورا مبتسما فسنشاركه جميعا  السرور والابتسام لأنه وجهنا، وسعادته سعادتنا. في ذلك العالم تظهر وتبرز الروابط الواقعية، إكرام الرموز أو إذلالها هو إكرام أو إذلال للأتباع وذلك لأنها غاشية، ولا تدع أحدا، وما يفعل بأحد الوجوه سوف يؤثر على بقيّة أتباعه، كما أنه إذا غشي النعيم  أو الشقاء وجوه قوم فسوف يظهر على وجوه المرتبطين بهم. إذن فحديث الغاشية حديث متجدّد ومتطوّر وحادث ومؤثر ومحرّك ويشرق على النفس إشراقة جديدة، لأنه في الحقيقة كلام حول أهمّ ما يطلبه الإنسان وهو سعادته، وأهمّ ما يفرّ منه الإنسان وهو شقاؤه، فإذا ذلّت وجوه قوم وسيئت وظهرت عليها معالم الخشوع فقد شملت جميع اتباعهم.

قد يقال أن الخشوع شيء إيجابي فكي يوصف به المجرمون؟ والحال أنه ليس كذلك. الخشوع يكون للمحبّة ، والتعلق، والعشق، والولَه. ورد في أدعية السحر لشهر رمضان (اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ خُشُوعَ الإيمانِ) لاحظوا خشوع  الطفل إذا أراد التقرّب لأمّه وأبيه، الطالب إذا أراد التقرّب لأستاذه، ترون الخشوع في وجهه، فالخشوع يكون عند إرادة التقرّب من شخص رفيع وفي أيّ علاقة طوليّة.  لكن الخشوع الذي تتكلّم عنه الآية هو خشوع الذلّة والمهانة.

﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ

هذه الآية تبين سبب خشوع تلك الوجوه ، فلماذا تخشع هذه الوجوه ؟ هل لأنها تركت العمل وأهملت في هذه الدنيا؟ الصحيح هو العكس..  لأنها عاملة! هذه الذلّة التي تعتري تلك الوجوه، وهذا الخشوع الذي يغشاهم من كلّ حيث في جوارحهم ،أرواحهم، إدراكهم، فكرهم .. سببه ليس أنهم لم يعملوا بل بالعكس لأنهم عملوالكن عملوا ضدّ الحق .  والروايات كثيرة عن الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام في أن هذه الآية نزلت فيمن بدّل واستبدل و نصب العداء لعليّ عليه السلام وأتباعه . ورد في الكافي عن الصادق عليه السلام في نفسير قوله تعالى (هل أتيك حديث الغاشية) قال:  يغشاهم القائم عليه السلام بالسيف .( خاشعة ) قال:  لا تطيق الامتناع . (عاملة ) قال : عملت بغير ما أنزل الله. ( ناصبة)  قال:  نصبت غير ولاة أمر الله . (تصلى نارا حامية) قال : تصلى نار الحرب في الدنيا على أهل القائم عليه السلام وفي الاخرة نار جهنم .

 
هناك رابط بين (عاملة) و (ناصبة) : الإنسان الذي يعارض الحقّ في هذا الكون وينصّب نفسه بديلا لأهل الحقّ،لكي يحافظ على موقعه ، عليه دائما أن يعارض الحقّ وأهله وبشكل مستمرّ، ويبذل كلّ ما بوسعه من طاقات وجهود لمواراة الحقّ وإخماده.  العلاّمةصاحب الميزان عنده نكتة لطيفة تتعلّق بقصة إخوان يوسف، يقول: أن إخوان يوسف لما جاؤوا وقالوا أن يوسف أكله الذئب كانت هذه كذبة واحدة، هذه الكذبة جرّت وراءها عمرا من الكذب، لأن الناس سيسألونهم كيف أكل الذئب يوسف؟ وسيحتاجون لكذبة ثانية، ثم سيسألونهم: أين كنتم حين أكله الذئب؟ وسيكذبون ثالثة، وهل دافع أحد منكم عنه؟ وسيخترعون كذبة رابعة،وهكذا ..  من يكذب كذبة واحدة سيبقى يكذب إلى ما لا نهاية، من يأتي بدعوى باطلة سيضطرّ أن يأتي بدعاوى باطلة بلا حدّ ليرفدها ويسندها، وسيؤدّي به ذلك للانحراف عن الحقّة .

ولصاحب الميزان نظرية رائعة. يقول:  أن هذا الكون قائم على سلاسل مترابطة من الحقّ، ومن يقوم بحرف حلقة من حلقات الحقّ فهو يحرف معها حلقات السلسلة كلّها، لأن هذا الكون متّصل مترابط. والإنسان الذي ينحرف عن الحقّ إلى الباطل سيجد نفسه مضطرّا لكي يعيش أن يدعم الباطل ضدّ الحقّ طوال حياته.  ولذلك كانت هذه الوجوه عاملة، يستحيل أن تترك العمل،لأنها ما أن تغفل أو تترك العمل حتّى ينكشف للناس أنها باطل، فكلّ حقيقة تجرّ إلى حقيقة، وكلّ باطل يجرّ إلى باطل والكون قائم على هذا النظام.

 الإنسان الذي يدور الحقّ معه أينما دار هل يمكن أن يعترف مخالفه بحقيقة واحدة؟ أين يدور هذا الذي يخالف شخصا يدور الحقّ معه حيثما دار؟  يجب أن يخترع له باطلا يدور حوله، ويصطنع له باطلا بعد باطل، وسيكدح ويتعب في سبيل ذلك..  سيفتح المؤسسات والمدارس ويدفع الأموال ويلقي الخطابات، فهو مضطرّ للعمل ليسدّ الثغرات والفجوات، لذلك هذه الوجوه خاشعه لأنها عاملة وما عملته أدّى إلى ذلّتها . فلو أنها أهملت ولم تعمل لما كان الكلام عن النواصب. الناس الذين لا يعرفون الحقّ من الباطل؛ ولا نصبوا العداء لأمير المؤمنين لا هم سنّة ولا شيعة، لا موالين ولا غير موالين، هؤلاء الذين يأكلون ويتمتّعون كما تتمتع الأنعام – أعلى الله مقامكم-  في النهاية الله سيقرّر مصيرهم،ولا شأن لنا بهم، ويمكن أن نتعايش ونتعامل معهم . أما الذين يشوّشون ويفسدون الواقع هم العاملة.

المعنيون في الآية هم النواصب الذين يعملون ضد مشروع الولاية فهم ليسوا ناصبة فقط بل عاملة ناصبة . هذا الناصب سيصلّي أكثر منك، لأنه يدّعي أن الصلاته هي الصحيحة,  وسيحفظ القرآن ويقيم دور التحفيظ وسيأتي بكل أعمالك مضاعفة لأنه يصطدم مع الحقّ، ولا يريد أن يكتشف الآخرون أنه على باطل ففهو مضطر أن يزيد في العمل، يبالغ في المظاهر والادعاءات، ينفق كلّ طاقته، لذلك كانت الصيغة مستمرة (عاملة) فكلّ شؤونه عمل،لأنه لا يريد ترك ثغرة لأهل الحقّ يمكن أن يظهروا منها. مثله مثل المرابط على جبهة الباطل، ويتصدّى لمواجهة الحقّ، هذا بشكل دائم يجب أن يخترع خططا جديدة، فنون جديدة، باطلا جديدا،  وعبر التاريخ يزداد هذا الباطل ويشتدّ.

مثل هذا الإنسان نسميه (عامل) لكن عمله ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، والروايات في ذلك كثيرة . (روي بالإسناد عن المعلى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : يا معلى لو أن عبداً عبد الله مأة عام بين الركن والمقام يصوم نهاراً ويقوم ليلاً حتى يسقط حاجباه على عينيه ويلتقي تراقيه هرماً جاهلاً بحقنا لم يكن له ثواب ) (1) وفي حديث قال الصادق (عليه السلام) : ( ان أول ما يُسئل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جلّ جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض وعن ولايتنا أهل البيت ، فان أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلواته وصومه وزكاته وحجه ، وان لم يقر بولايتنا بين يدي الله جلّ جلاله لم يقبل الله عز وجلّ منه شيئاًمن اعماله) (2) إنه نفس معنى الآية لكن بلفظ بشريّ .

أعمال هؤلاء ستعود ذلة وعذابا لأنهم انحرفوا عن الحقّ في محور أساسي . هم مضطرّون لأن يقوموا بأعمال كثيرة وينفقوا أموالا كثيرة، لأنه في كلّ فجوة ليس لهم فيها عمل سوف يظهر حقّ. هؤلاء مع كلّ ما عملوه من أعمال ظاهرها وقشرها موافق للدين وللشريعة. هذه الأعمال من حيث الباطن سوف تؤدّي إلى إذلالهم و سيغشاهم العذاب من كلّ جهة، والوصف الإلهيّ المناسب لأعمال هؤلاء أنها لا تسمن ولا تغني من جوع.

 الآية دقيقة . لاحظوا أنه يوجد طعام لا يسمن لكنه يغني من الجوع، تعبير لا يسمن ولا يغني من جوع فلسف أعمال هؤلاء . ومع هذه النتيجة المرعبة فهم يكدحون ويعملون هي ناصبة لاترتاح من العمل وجعلت نفسها دائما في مورد المتابعة والملاحقة والمراقبة، وهي مضطرّة أنها تعادي وتبغض كلّ حقيقة في هذا الكون. الناصب لا يكره مرة ويحبّ مرة بل هو لا يستطيع أن لا يكره، لا يقدر أن لا يسخط، هو دائما لا بدّ أن يزيد على هذه النار الموجودة في قلبه، لا بدّ له أن يصبّ عليها الزيت ليعيش.

 ﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً 

وهذا الذي يسقي باستمرار شجرة البغض في نفسه، سيكون جزاؤه متناسبا مع عمله وهو نار حامية . ولكن قد يتبادر سؤال : كلّ نار حامية، فما الداعي لوصفها بالحامية؟  والجواب : لأنه يريد أن يقول هذه النار التي ترونها حامية ليست بحامية، هذه النار في الحقيقة نار مُلكية، النار الحامية هي النار الملكوتية التي تغشى الأفئدة، و تصطلي بها الفطرة.  الإنسان مهما قام بالمعاصي يبقى عنده مؤشر في الداخل يدعوه للحق . والذي ينصب العداء لأمير المؤمنين عليه السلام هو يخنق فطرته مع فطرته تأبى هذ الحقد ولا تقبله، لكنه يضع الزيت على النار لكي تزداد اشتعالا لذا سوف يلقى نارا حامية.

أختم بهذه الرواية عن علل الشرائع، عن أبي إسحاق أحد أصحاب الإمام الباقر (ع)، يقول للإمام الباقر أنا أجد في أعدائكم ومبغضيكم وناصبيكم من يكثر من الصلاة والصيام، ويخرج الزكاة، ويتابع بين الحجّ والعمرة، ويحضّ على الجهاد، وعلى البرّ وصلة الرحم، وقضاء حقوق الإخوان، ومواساتهم في ماله، ويتجنّب شرب الخمر وسائر الفواحش، الإمام يجيب أبا إسحاق إن ناصبا بالمواصفات التي ذكرت لو أعطي ما بين المشرق والمغرب ذهبا وفضّة على أن يزول عن محبة الطواغيت ما زال عن محبّتهم،لاحظوا الإمام ماذا يطلب؟ يطلب أشرف شيء في الإنسان.. قلبه، أشرف شئ يعالج ما هو أدون في الشرافة، أنت تريد أن تعالج قلبه، تعطيه كلّ شيء حتّى تحرف قلبه من موالاة الطواغيت إلى موالاة المعصومين لكنه لا يفعل ولا يرتدع ولا يرجع ولو ضربت خياشيمه بالسيف، وإذا سمع أحدهم منقبة في أمير المؤمنين (ع) أو في شيعته اشمئزّ من ذلك وتغيّر لونه، وشوهد كراهية ذلك في وجهه، بغضا لأولياء الله، ومحبّة لأعداء الله. ثم تبسّم الباقر (ع) و قال: هيهات يا إبراهيم.. هلكت العاملة الناصبة، تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية).

_____________________________________

(1) المحاسن : 90 ، عقاب الأعمال : 197

(2) أمالي الصدوق : 154

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 56٬867 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٣ 5 (1)

إن ولاية الله ﷻ منحصرة، وليس لأحد أن يأخذها إلا من نصّبه الله ﷻ، فهي مرتبة من مراتب الوجود الإلهي؛ ولها ذات الخصائص والصفات لولاية الله ﷻ، ولها ذات أحكامها؛ لأنها ممتدة ومتفرعة من الولاية الذاتية لله ﷻ، فهذه الولاية لله ﷻ بالذات، ولأمير المؤمين ﴿؏﴾ بالواسطة وبالتبع.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٢ 5 (2)

كل الأعمال، العبادة والجهاد تصبح لغوًا، ما لم تبلغ الولاية موقعها الذي جعله الله ﷻ لها، فإذا وصلنا إلى هذه المعرفة، عرفنا معنى علي ﴿؏﴾ وأدركنا حقيقة ومعنى فقد علي ﴿؏﴾ الذي أظهره الله ﷻ وجلّاه وبيّنه.