تقدم القراءة:

على مأدبة الله ٣

الخميس 2 يونيو 2011مساءًالخميس

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(2)

على مأدبة الله -٣ الكون يدار بالرحمة

يستمر حديثنا حول تفسير سورة طه، وقبل استكمال البحث نورد هذه المقولة التي وردت في وصايا العلامة صاحب الميزان رحمه الله نقلاً عن أستاذه السيد الإمام (قده) يقول فيها: إن الآيات الست الأوائل في سورة طه هي الآيات التي يرتاض بها المرتاضون ليتمكنوا من طي الأرض.

ولاشك أن هذه المعاني عندما يتنور بها العقل ويشفى بها الصدر وتتحول إلى سلوك بعد تمكنها في وعي الإنسان فإن لها أثر عظيم في إعادة بناء الإنسان وسلامة مبدئه ومنتهاه في دنياه وأخراه.

مع الآيات:

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ طه: 5.

هناك نكات عديدة في الآية سنتطرق لها بما يسمح به المجال:

ماهو العرش؟

العرش -وبشكل إجمالي- ليس جسما، وليس مقاما ماديا، فقد ورد في الرواية إن قوائم العرش الأربع هي (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فلا يمكن لموجود مادي أن يُحمل بهذه القوائم، وإنما العرش هو مقام التدبير وصدور الأوامر الإلهية، وإدارة مصالح الموجودات وأرزاقهم المادية والمعنوية، ومصدر القضاء والقدر الإلهي وبعثة الرسل والأنبياء، وأمور الهداية والضلال والتوفيق … كل هذا يدار من تحت العرش.

مامعنى (استوى)؟

عبرّت الآية بالاستواء وهو بمعنى السيطرة عوضا عن كلمة الاستيلاء، لتلفت إلى ما يتناسب ورحمانية الله فهو يدير الكون برحمته (الرحمن على العرش استوى).

ويجدر أن نشير هنا إلى نكتة دقيقة وهي أن كل الموجودات متساوية في القرب من رحمة الله ولطفه، ولكي نستوعب ذلك لابد من التفريق بين القرب المادي والمعنوي:

لا يشترط تساوي المسافة بين الطرفين في القرب المعنوي بعكس القرب المادي، ولتوضيح ذلك: يمكننا في مقام القرب المادي أن نتصور تساوي النسبة بين الطرفين، فحين تجلس بقرب أحدهم في مجلس ما، فالمسافة بينك وبين من يجلس بقربك تساوي المسافة بينك وبينه بلا فرق، أما معنويا فقد تكون قريبا من شخص لكنه لا يبادلك ذلك القرب فلا يشترط في الأمور المعنوية أن تتساوى النسبة بين الطرفين.

فيما يخص رحمة الله -التي هي أمر معنوي- نرى أن رحمة الله متساوية بالنسبة للجميع حيث يتعامل الله في إدارة شؤون الناس وأرزاقهم المادية والمعنوية والاهتمام بمصالحهم من منطلق أن الخلق كلهم عياله، فهم متساوون عنده، ولكن الخلق هم من يختلفون ويتفاوتون في تعاطيهم مع رحمة الله سبحانه بحسب معرفتهم لهذه الرحمة.

وفي هذا الوجود لا يوجد من أدرك رحمانية الله أكثر من رسول الله (ص)، لذا فإن هذا التعب الذي أتعب نفسه به، وهذا المقدار من الاهتمام لحال الناس بحيث يكاد يهلك نفسه حسرات؛ ما هو إلا لأنه يعلم أن من استوى على العرش هو (الرحمن) وهذا الكون يدار بالرحمة، ولا يحسن أن تقابل الرحمة بالصدود والإعراض.

كيف يدار الكون بالرحمة؟

عندما نقول أن الله أجرى رحمانيته في كل هذا النظام الكوني وأن الرحمة هي الأصل في كل هذا الوجود فلنا أن نتساءل: كيف يدير الله هذه  الرحمانية في هذا الوجود؟

في مقام الجواب فإننا نورد مثالين تتجلى فيهم الرحمة الإلهية: 

  1. رحمة الله في التعاطي مع عباده من خلال دعاء الإمام زين العابدين (ع).
  2. رحمة الله المتجلية في صفات الجنة والنار في القرآن الكريم.

المثال الأول رحمة الله في التعاطي مع عباده من خلال دعاء الإمام زين العابدين (ع).

يشرح الإمام زين العابدين (ع) في دعاء (وداع شهر رمضان) بعض أبعاد ومظاهر هذه الإدارة الرحمانية في علاقة الله بعباده، فيقول عليه السلام: “..وَأَنْتَ الَّذِي زِدْتَ فِي السَّوْمِ عَلَى نَفْسِكَ لِعِبَادِكَ، تُرِيدُ رِبْحَهُمْ فِي مُتَاجَرَتِهِمْ لَكَ، وَفَوْزَهُمْ بِالْوِفَادَةِ عَلَيْكَ، وَالزِّيَادَةِ مِنْكَ، فَقُلْتَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَيْتَ: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا.. وَقُلْتَ: ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء … وَقُلْتَ: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وما أنزلت من نظائرهن فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَضَاعِيفِ الْحَسَنَاتِ، وَأَنْتَ الَّذِي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ وَتَرْغِيْبِكَ الَّذِي فِيهِ حَظُّهُمْ عَلَى مَا لَوْ سَتَرْتَهُ عَنْهُمْ لَمْ تَلْحَقْـهُ أَوْهَامُهُمْ”

لاحظوا هذا التعبير الملفت من الإمام: (وَأَنْتَ الَّذِي زِدْتَ فِي السَّوْمِ عَلَى نَفْسِكَ لِعِبَادِكَ)، في اللغة: سَامَ السِّلْعَةَ: طَلَبَ ثَمَنَهَا، وسَامَ البَائِعُ البِضَاعَةَ: عَرَضَهَا لِلْبَيْعِ وَذَكَرَ ثَمَنَهَا، من المعروف في عالم السوق والتجارة أن البائع يسوم لأنه يريد أن يبيع بأعلى ثمن والمشتري يسوم لأنه يريد أن يأخذ أحسن سلعة بأرخص ثمن، ولكن المعادلة مع الله بالعكس تماما.. فالله مع أنه المشتري إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ التوبة: 111 إلا أنه يزيد السعر للسلعة (وهي نفس الإنسان) وذلك لرغبة المشتري في السلعة لأن فيها نفخة من روحه سبحانه، ولأنه خلقها بكلتا يديه. في مقام الرحمة الإلهية يزيد الله السوم على نفسه ليربح عبادُه.

ثم إنه سبحانه هو أيضا مقترض ﴿مَنْ ذَا الَّذِيْ يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَنَا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ البقرة: 245 والمقترض في عالم السوق هو الذي يقترض البضاعة على نحو المضاربة لذا فهو يرجع الأصل وزيادة. إذن كل هذه الآيات تبين رحمة الله في تعاطيه مع عباده.  ويعلق أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي على هذا المقطع بقوله: “لو لم يقرأها الإمام بهذه الطريقة لم نعرف ترتيبها”(1)

ثم في لفتة أخرى، لنتأمل في قول الإمام (ع): “تُرِيدُ رِبْحَهُمْ فِي مُتَاجَرَتِهِمْ لَكَ، وَفَوْزَهُمْ بِالْوِفَادَةِ عَلَيْكَ وَالزِّيادَةِ مِنْكَ” لنرى أن الله لا يريدنا  أن نأتي له فرادى بل وفوداً. وللتقريب بمثال عرفي: إذا التحق طالب جديد بالحوزة يذهب للمرجع وفد مع الطالب إكرامًا للطالب وليس للمرجع.

المثال الثانيإدارة رحمة الله من خلال أوصاف الجنة والنار في القرآن

لاحظوا حين يتكلم القرآن عن الجنة والنار نجد توسط اللطف الإلهي، ولبيان ذلك سنستعرض أولا بعض الفروقات بين الجنة والنار:

  • يقول القرآن في مقام الحديث عن الجنة وأهل الجنة: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ ص: 50 بينما يقول عن جهنم: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ الهمزة: 8-9 وجاء في معنى هذه الآية أن أبواب جهنم مغلقة بعمود طولي أي أنها مغلقة طولا من كل الجهات(2).​


  • جهنم عالم ضيق، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ق: 30 ويقول تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ص: 85 لأنها ضيقة فهي تمتلئ. بالتأمل في ذلك نجد أن الله خلق جهنم ضيقة حتى لا يرغب أحد في الدخول إليها، بل إن إمكانية الوصول والدخول فيها صعب، لذلك يخاطب المؤمنون سكّان النار بقولهم: “ماسلككم في سقر؟” فالطريق للنار ليس سالكا، ودربها ليس معبدا للسير فيه، فمالذي أوصلكم إلى هناك؟؟ بينما  حين يتحدث عن الجنة، فهو يتحدث عن عالم متسع ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران: 133.
  • حين يتكلم القرآن عن وفد المؤمنين الداخلين إلى الجنة وزمر الكافرين الداخلين إلى جهنم، يقول عن الكافرين: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الزمر: 71 بدون عطف وتقول عن المؤمنين ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الزمر: 73  بواو العطف، وفي ذلك نكتة لطيفة:

بالنسبة للمؤمنين جاءت واو العطف لتدل على أن دخولهم إلى الجنة كان بواسطة شيء آخر (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) فهناك شفعاء تدخلوا وتوسطوا لهم ليدخلوا ، لذلك نحن في زيارة الرسول والأمير نقول: (السلام عليك يامفتاح البركة والخير) وورد أن أول من يفتح الجنة هو محمد ابن عبد الله (ص). ثم هذه الواو تفيد الاهتمام بهذا الوفد وكرامته، فالأبواب تفتح لهم قبل قدومهم، أما بالنسبة لأهل جهنم، فلم يتوسط أحد في دخولهم للنار، بل هم ذهبوا وسلكوا الطريق وحدهم، هؤلاء لا تفتح لهم الأبواب قبل وصولهم، فلا كرامة لهم ولا اهتمام بقدومهم.

  • ورد في الروايات أن أبواب النار سبعة، وهذا يعني أن الطرق لها محدودة بينما الجنة لها من الأبواب ما لا يعد، هذا لأن المعاصي أقل بكثير من الطاعات.

من هنا، وبعد هذه  الإطلالة على رحمانية الله في هذا الوجود، ألا يحق لمن من يرى رحمة الله المنتشرة في  كل أرجاء القرآن، بل في كل تفاصيل الوجود أن يتعب نفسه من أجل إيصال الناس لها؟

كل هذه المعاني في إدارة رحمة الله تنكشف للنبي (ص) بكل بتفاصيلها فيرى أن المستوي على العرش ليس هو الإله القادر والحكيم -وإن كان الله حكيما وقادر- بل هو الرحمن استوى برحمانيته، الذي يعي قلبه هذه الحقائق كيف يتحمل أن يرى الناس بعيدة؟ وهو “بالمؤمنين رؤوف رحيم”؟

إلا يحق لمحمد بن عبد الله (ص) الذي يرى ويبصر ويدرك كل هذه الرحمة أن يهلك نفسه من أجل أن يربط الناس بالله؟ الذي يرى هذه الرحمة الإلهية كيف يرضى للإنسان أن يبيع نفسه بالدنيا؟!!  

إلا يحق له أن يذيب نفسه الشريفة على الناس الذين انحصر به طريق هدايتهم؟ ورد عن الصادق (ع): (بلية الناس عظيمة إن دعوناهم لم يجيبونا وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا) (3).

هذا وللحديث تتمة

والحمد لله رب العالمين.


1. من الملاحظ تزايد العطاء الإلهي من خلال ترتيب الآيات

2. الكثيرون حين يقرأون عن نعيم الجنة يقولون أننا سنشعر بالملل في نعيم أبدي.. ولكن هذا ينم عن عدم إدراك نوع النعيم هناك، فالثبات على الحق يجعل الحياة نابضة ومتجددة وفيها ترق مستمر لأن الحركة العلمية في الجنة لا تتوقف. ففي الجنة هناك تزايد للعلم والحب والعشق والمعرفة لذلك أهل الجنة لا يبغون عنه حولا (خالدين فيها لايبغون عنها حولا) الكهف: 108..

3. أمالي الصدوق، ص:363

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬058 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها