ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الأشهر الفضيلة ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 على مأدبة الله ١

تقدم القراءة:

على مأدبة الله ١

الخميس 30 جمادى الآخرة 1432مساءًالخميس

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

قال رسول الله (ص): (إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع)

القرآن مأدبة الله*

يصف رسول الله صلى الله عليه وآله القرآن الكريم بأنه مأدبة الله. والمأدبة في كلام العرب هي: الطعام يصنعه الرجل ويدعو إليه الناس، وإطعام الله للإنسان هو إطعام من نوع آخر يؤدبه على إنسانيته. وقد ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”(1) وقوله: “أنا أديب ربي وعلي أديبي”(2) وقد سئلت أم المؤمنين عائشة عن أخلاق الرسول وطلب منها الإجمال فقالت: “كان خلقه القرآن”.

والأدب والتأدب إما أن يُفرض على الإنسان من الخارج، وإما أن ينبع عن شعور ذاتي. وحينما تنكشف للإنسان عظمة الله وجلاله من خلال آياته التي هي مرايا عظمته، فإنه – وبنحو تلقائي – سوف يقنت ويخضع لله. فحينما تنفتح بصيرتك وتكتشف عظمة عظيم ما فإنك وبفطرتك تتأدب معه دونما الحاجة إلى مشرّع أو قانون ملزِم. ونحن في شهر رمضان مدعوون إلى مأدبة الله، بمعنى أن يكون هذا الحس من القنوت والخشوع والتأدب بين يدي الله مقتضى طبيعيا لانكشاف ووضوح الجمال والجلال أمام الإعجاز القرآني.

القرآن مأدبة الله، وطعام الإنسان منه هو الإخبات والخضوع والقنوت .. وهذه الخصال دواء الإنسان وشفاؤه من كل ضعف وسلامته من كل آفة، ولذلك هو شفاء لما في الصدور. ليس القرآن دواء كسائر ما نتداوى به مما قد يحصل به الشفاء وقد لا يحصل، بل القرآن شفاء، والشفاء والعافية – بلا شك – مطلب العاقل.


للضيافة مستويات ودرجات متفاوتة، غير أن الله يتعامل مع الجميع بمنطق (والخلق كلهم عيالك)
(3) وفق دعوة عامة من غير تفاوت: (أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة،… هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله…) فنحن في هذا الشهر العظيم أمام مأدبة القرآن التي يغمرنا فيها القنوت لله فيغرقنا في توحيد الله وجلاله ومعرفته، وتلك هي الثمرة الطبيعية للتأدب.

شهر رمضان شهر الصيام لا الصوم 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183 ليس شهر رمضان – وفقا للآية – بشهر للصوم بل هو شهر للصيام، وهناك فرق بين الصوم والصيام.

وردت لفظة الصوم في القرآن مرة واحدة على لسان مريم ابنة عمران، عندما أحيطت بالتشكيك والاتهام في أمر ولادة النبي عيسى عليه السلام، فأمرها الله أن تصوم صوم الصمت ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ مريم: 26، وكان نتيجة هذا الإمساك والصوم والصبر دفاعا عن رسالة التوحيد وديمومتها حدوث معجز كلام عيسى في مهده ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ..﴾ مريم: 30 

ووفق القاعدة اللغوية التي تقول:  “كثرة المباني تدل على كثرة المعاني” ذُكرت هذه الآراء في الفرق بين الصوم والصيام: 

  • إن الفرق يكمن في  العدد. فحين أمسكت مريم عن شيء واحد قيل عنه صوم. أما الصيام فهو الإمساك عن أشياء كثيرة، كما نمسك نحن المسلمين عن مجموعة من المفطرات.
  • وقال آخرون إن الفرق بين الصوم والصيام هو فرق في النوع، فالصوم: إمساك، سواء عن شيء واحد أو أكثر، أما الصيام فهو: تأثير فعل الصوم، والأثر الذي يتركه الإمساك في النفس والروح. ولذا جاءت مفردة الصوم مرة واحدة في القرآن، في حين جاءت مفردة الصيام سبعا.

والتركيز على أثر الصوم لأن القرآن شفاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ يونس: 57، وما جاء إلّا ليعالج أمورا واقعية، لاتقتصر على الإمساك عن الطعام والشراب والكذب على الله ورسوله، أو غيرها من المفطرات الفقهية، فهذه مجرد مقدمات، مثلها مثل الوضوء، واستقبال القبلة، ولبس الساتر قبل الصلاة، فليس الإمساك عن المفطرات العشر إلا شرط لحصول حالة روحية اسمها (الصيام) وهي تختلف عن الإمساك الذي يسمى بالصوم.

وإذا أردنا تبيان آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُم ُالصِّيَامُ) لوجدناها في ظل دائرة معارف كبيرة، تبدأ من عالم الذر(4) إلى أن ألزم الله بني آدم تكليفهم، فكان الإلزام كاشف عن عناية وتقدير خاصين. وما الصيام كحكم من الأحكام العامة التي ألزم بها كل الأديان وخص بها الإسلام، إلا بقاء واتصال بحبل الربوبية مع الله.  

يحكي أهل البيت عليهم السلام هذا الوجه من علاقة الإنسان بالله خصوصا في شهر رمضان المبارك بما يظهرون في أدعيته من مفاهيم ومعانٍ عظيمة في التوحيد والإلهيات والفلسفة، والأخلاق والتاريخ. في دعاء  أبي حمزة الثمالي – مثلا – من المعاني ما ينضجك بسرعة على معارف حارة ومعانٍ تغلي بالعبودية والربوبية، فتطوي بك حتى ترى نفسك في أحضان الرحمة الإلهية، وتلك دلالة على أن قائل هذه المعاني هو واسطة حقيقية وواقعية بين الله تعالى وبين الإنسان. وإنما يتناسب ذلك الطي والنقلة الروحية السريعة مع مفهوم الصيام لا الصوم الذي هو الإمساك.

سورة (طه) رسم للوحدانية المطلقة

إن أعلى مرتبة في الضيافة وأشدها تأدبا هو أن يتعرف الضيف على المضيِّف، وأفضل ما نخرج به في شهر رمضان ومن ضيافة الله هو التعرف أكثر على الله.

سنشرع في هذا الموسم بشرح سورة طه، وهي – وإن اشتركت مع سور القرآن في تسليط الضوء على التوحيد بالدرجة الأولى – تتميز بأنها تغط الإنسان في التوحيد غطا وتغرقه في الوحدانية، بحيث لا يرى غير جمال الله وعظمته.


(طه) قيل إنه اسم من أسماء الرسول نظرا لأن الخطاب بعدها للنبي: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ طه: 1_2 وهي مثل يس ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ *إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ يس:1_3  أما باقي الحروف المقطعة فيعقب حروفها المقطعة حديث عن القرآن الكريم: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) الزّخرف:1-2، ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ الجاثـية: 1-2، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ إبراهيم:1. 

الحروف المقطعة في القرآن ليس لها معنى وضعي في اللغة، وهي نوع من الأسرار بين الله وبين رسوله (ص). وطه ومثلها يس هي أيضا من الأسرار بين الله ورسوله، وليست من أسماء الرسول، وهي خصوصية تتميز بها السورتان عن سائر السور، فالمعنى المرموز إليه راجع إلى شخصه صلوات الله عليه وآله فإذا خوطب بطه ويس صارت كأنها علما له بكثرة الاستعمال.

تأتي تتمة البحث، والحمد لله رب العالمين

___________________________________________

* البحث شرح لسورة طه ضمن البرنامج الرمضاني القرآني لعام 1431هـ 

1. بحار الأنوار 68 / 342

2. بحار الأنوار: 16 / 231

3. دعاء أبي حمزة

4. شرح أحد الفضلاء ذلك في قصة صاغها على نحو أنه أول ما خلق الله الأرواح في عالم الذر، نظرت في حقيقة ذاتها، (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ) الأعراف:172، فشاهدوا في حقيقة أنفسهم شيئا واحدا، وهو أنه ربهم، ورأوا حقيقة كونهم أمشاجا روحية ممتزجة بربهم. فلما أراد أن ينقلهم من عالم الذر إلى هذه النشأة وجدوا أن وسائط كثيرة ستشغلهم عن ربهم، فلاذوا بالعرش يصيحون: إلهنا وسيدنا ليست حقيقتنا إلا الارتباط والتعلق بك. فأجابهن أنه لا بد من النزول إلى عالم الطبيعة. فلاذوا به ثانية طالبين التكليف حتى تبقى هذه العلاقة، فعدم التكليف يعني الإهمال وانقطاع العلاقة والغرق في عالم الظلمات، وهم الفقراء المحتاجون للغني المحض وهو الله الحميد الذي لا تزيده طاعة من أطاعه ولا ينقصه عصيان من عصاه. فأشار إليهم أنه إذا كلفتكم فإن جهلكم سيخلق عندكم شبهة الحاجة لكم. إلا أنهم برؤيتهم فقرهم وكبير ارتباطهم بربهم عرفوا أن لا طاقة لهم بالعيش بلا تكليف، بل وزادوا بأن طلبوا منه تعالى أن يكتبه عليهم ويلزمهم به.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 59٬640 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ذلك القريب مني 5 (2)

عندما نزور أضرحة الأئمة ﴿؏﴾؛ نحاول أن ندنو إلى أقرب نقطة من الضريح، وهذه المسألة ليست خاطئة؛ فقرب الإنسان من الضريح أمرٌ حسنٌ في حدّ نفسه؛ ولكن الحديث هنا ليس كيف نكون قريبين بدنيًا وروحيًا من الإمام ﴿؏﴾؛ بل كيف يكون الإمام ﴿؏﴾ قريبًا منّا

عارفًا بحقها 5 (1)

إن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.