تقدم القراءة:

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ٧

الثلاثاء 18 محرم 1444مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

بسم الله الرحمن الرحيم

عظم الله أجورنا وأجوركم بشهادة سيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين والثلة الطيبة الخيرة من أهل بيته وأصحابه وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره.

خصائص الجهاد الكبير (التبييني) (١)

إن حركة الإمام الحسين ﴿؏﴾؛ كانت في واقعها جهادًا دفاعيًّا كبيرًا، وهذا الجهاد الدفاعي الكبير-وكما تقدم ذكره في البحث السابق- واجب على كل مميز عاقل وقادر على البيان بالبرهان والحجة، من خلال كشف الواقع وتبيانه لمحاربة الضال الجائر ومقارعته، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، أو بين الكهل والفتى، كما أنه لا يختص بزمان دون آخر.

وكلما كان الإنسان أقدر وأعقل وذو بصيرة أقوى وأنفذ، يتحلى بمعالي ومكارم الأخلاق؛ كان التكليف عليه أوجب! لأن منشأ هذا الجهاد -كما أسلفنا- هو العقل والتفكر والفهم والبصيرة.

وفيما يلي سنستعرض بعض خصائص هذا النوع من الجهاد:

الجهاد الكبير بيان وإيضاح ذو سعة كبيرة

عندما نقول الجهاد الكبير، نحن لا نقصد به أنحاء التعليم المختلفة للجاهل أو الضال، أو نحو التربية والإرشاد والتوجيه، كما لا نقصد به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو بيان وإيضاح في دائرة مختلفة.

  • فتعليم الجاهل يشترط فيه أمر واحد: أن يكون الإنسان مؤمنًا، وليس بعالم بالحكم، وهذا التعليم لا يُعدّ جهادًا، ولا يدخل في دائرة الجهاد البتة.

نعم، إذا كان هذا الجاهل مضاف إلى جهله كونه ظالمًا، ولبيان هذا الظلم سيؤدي إلى نشوب نحو من المواجهة مع هذا الجاهل الظالم، حينها سيدخل في دائرة الجهاد.

  • أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيشترط الفقهاء في تعين وجوبه؛ أن يكون (المأمور به) عالمًا بذلك الأمر الواجب أداءه كونه معروفًا، والمنهي عنه كونه منكرًا، كما ويشترط في (الآمر) أن لا يحتمل وقوع الضرر، فإذا ما احتمل ذلك سقط عنه التكليف بالوجوب.

فالأحاديث التي تذكر في المنابر والمواسم وفي جلسات الوعظ والارشاد حول الزواج أو أهمية التكافل الاجتماعي أو عن الأوضاع الاقتصادية؛ فهذه المواضيع الاجتماعية، والعناوين الفقهية تدخل ضمن ارشاد الضال، وتعليم الجاهل، أو في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنها لا تدخل ضمن الجهاد البياني، أو الجهاد بالكلمة، والذي هو مدار حديثنا.

  • الجهاد بالتبيين والتوضيح والبرهان والحجة والدليل غالبًا يصطحبه مقارعة للعدو، وحيثياته كثيرة في أبواب الفقه، كما لايؤخذ فيه -لا يُشترط- الأمن من الضرر، بل غالبًا هناك مواجهة، وطبيعة المواجهة تلحق الضرر! ولكنه مع ذلك لا يسقط التكليف.

الجهاد الكبير أهمّ من الجهاد بالسلاح

وعلى ذلك يمكن القول؛ أن الجهاد البياني في الحقيقة هو أهمّ من الجهاد بالسلاح! ويمكن أن يكون في واقعه مصداق للرواية الشريفة “مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء” (٢)؛ فالشهيد يُقتَل كي يدفع بدمائه الطاهرة الظلم، والظالم والمتعدي والمتجاوز، وكما جاء في الرواية “فوق كل ذي برٍّ بر، حتى يُقتل المرء في سبيل الله، فليس فوق ذلك من برّ”(٣)، ولذا فقد قيل: إذا سقط دم الشهيد فبيد الله يسقط!

ولكن الكتابة والتأليف والمحاضرة والجهاد بالكلمة التي ينتنصر بها للحقّ، ويماط بها اللثام عن الباطل، ويزال بها الغموض والإبهام، ويكشف بها عن الزيغ الذي يضيع فيه كثير من النّاس، ويرفع بها الغموض الذي يخلقه الظالم كي يطمس على عين الحقيقة، لا شك أن أثرها أكثر من دماء الشهداء؛ فالجهاد التوضيحي أو ما يسمى بجهاد الكلمة أو جهاد البيان هو في الحقيقة ما يظهر ويجلي التوحيد الخالص في القلب.

وهو بالضبط ما مارسه رسول الله ﷺ وآله ومارسه كل الأئمة ﴿؏﴾ في كل أدوار حياتهم بنحو قد يشتد ويضعف وفق معطيات الوضع الخارجي القائم.

الجهاد الكبير هو بروزالعقل في قبال الهوى

يقول أستاذنا الشيخ جوادي الآملي في توضيح هذا المعنى:

“إن متعلق الجهاد في كربلاء ليس مجرد استرداد الأرض أو المال أوالمعادن، وإنما هو الحكومة والوجاهة الدينية والموقع الديني، والولاية”

ولا شك أن كل ذلك مأخوذ وهو بعين الاعتبار ومراد ومقصود، ولكن المنازعة وإرادة أخذ الحقّ فيهم يُعدّ جهادًا أصغرًا؛ أما الخلافة والولاية والوجاهة والموقع الديني وتبيان الحقائق، فهذا جهاد كبير يؤخذ بالعقل!

فالعدو الأصيل في تلك المواجهات همّ حكام الظلم والجور ممن أستولى على تلك المقامات الإلهية بالمكر والخديعة والحيلة، ونشر الأباطيل وخلق المغالطات وإشاعة الثقافات المنحرفة؛ والتي تدعو النّاس للاستسلام لأمثال تلك القيادات والحكومات الباطلة.

والعدو الذي يراد مبارزته ومقارعته هو الهوى والهوس والنفس المنغمسة في ملذات الدنيا، وإن كان الهوى شيء مجرد -فهو ليس كالبدن- يريد أن يأكل ويشرب ويسكن؛ لكنه يطلب الإدارة والقيادة، وينازع على الحكومة والمقام والمنصب، فإذا ما تحول-الهوى- إلى قوى، فإنه سوف يمحو الحقّ؛ ولذلك فإن تحطيمه وإزالته وردعه يُعدّ جهادًا!

وبالنتيجة فإن الجهاد في واقعه جهاد ضد أهواء حكام الظلم والجور والمستبدين وسارقي تلك المقامات.

والأصل في المواجهة إنما يكون بالعلم، وتبيان الحقائق، وإعادة الإدارة والحكومة الإلهية والقيادة الربّانية إلى مكانها، ولكن إذا ما برزت على نحو صراع بالسلاح؛ فستُقابل بالسلاح بكل تأكيد.

وما يقابل الهوى: يكون العقل، والذي يريده الموحدون والمؤمنون بالله ﷻ بالدفاع عنه؛ فالروح الطاهرة الموحدة، تُظهر هذاالتعقل بالبرهان والحجة والتحليل والدليل، وتحوِّل ما تؤمن به إلى بينات وحجج، فتنشأ من هذا التقابل المواجهة، فتدور الحرب بينهما!

وكلّ منهما يدفع الثاني عن مكانه، ليأخذ ذلك المكان وذلك الموقع.

حاجة الجهاد الكبير إلى الجد والعزم والإرادة

ومثال ذلك؛ لو أراد أستاذ ما الإعلان عن الطالب المتفوق والذي حصل على المركز الأول، وكان جادًا ومريدًا وعازمًا في أمره، وليس خائفًا من بيان تلك الحقيقة، لكنه قبال ذلك يعلم يقينًا أن هناك من يرفض ذاك الحقّ ويتربص به ويعاديه، مما قد يؤدي إلى أن يمكر بهذا الطالب، ويغتصب منه هذا المنصب؛ يتعين عند ذلك على الأستاذ الأخذ بيد الطالب المتفوق ورفعها بقوة وعزم وإرادة وأمام مرأى الجميع، مع تحمّل تبعات ذلك الإعلان، وفي سبيل ذلك التبيان، فهذا الدليل على جديّة مراده سيشهده الجميع، وكل من قد تسول له نفسه بالمكر والانكار.

فواقعة الغدير والتي هي بالأصل تنصيب وحياني إلهي، أمَر الله ﷻ رسوله ﷺ وآله ببيان ذلك؛ حيث قال ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ المائدة: ٦٧؛ أيّ هو أمر له ﷺ وآله بجهاد البيان والتبليغ، إن هذا التنصيب للإمام علي ﴿؏﴾ في يوم غدير خمّ وإن كان وحي السماء، ولكنه عمل العقل! فالوحي تحدث ببيان ومنطق عقلي.

فالجهاد الكبير العقلي هو جهادٌ جاد، فيه مواجهة مباشرة مع العدو، يتعين على الفرد حتى مع احتماله وقوع الضرر! ولذا قال ﷻ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ كون هذا التنصيب فيه تهديد لحياة رسول الله ﷺ وآله، فليس معنى ذلك أن النّاس لن تسعى لتقتله ﷺ وآله، بل إن الله ﷻ عاصم هذا الدين المحمدي.

وقد حلل البعض فعل النبي ﷺ وآله في يوم الغدير تحليلًا عقليًا فقال؛ عندما أخذ ﷺ وآله بيد علي ﴿؏﴾، ورفعها نحو السماء حتى بان بياض إبطيهما؛ وقالها بضرسٍ قاطع: “من كنت مولاه، فهذا علي مولاه” (4) لهو دليل على جدية هذا العمل، فالعقل إذا ما أتخذ قرارًا؛ يكون في غاية الجدّ والعزم، كما وأنه فيه دلالة على قوة العزم والإرادة.

الوعي على التوحيد وعدم الخلط فيه مبرر الدفاع عنه

أستاذنا الشيخ جوادي الآملي له كلمة مهمة، يقول فيها: حيث يحكم عالم اليوم من الجانب الفكري والثقافي ثلاث أضلع:

الأول: الملحدون والشيوعيون واللادينيون.

الثاني: الموحدون بمختلف دياناتهم السماوية

الثالث: أديان مخترعة ذات دعاوي وأباطيل منحرفة، فيها بعد روحاني وطقوس زائفة، كالبوذية.

ويرى الشيخ الأستاذ أن الضلع الأول -والمتمثل بالشيوعية والإلحاد- لا خوف منه، فسرعان ما سيتبين للّناس فساد تلك المعتقدات وبطلانها، إذ ليس لها القدرة ذاتًا على البقاء ولا الاستدامة، بل هي في الحقيقة تنهار من داخلها ولو بعد حين، ومصيرها الزوال لا محالة، فذات تلك الدعاوي الباطلة دلالة على أنها لا تملك منطقًا كما أن مخالفتها لثوابت العقل بيّنة.

إن أكثر ما يُخاف على الإسلام في يومنا هذا انفتاح الدين الإسلامي الإلهي، والتوحيد الواقعي على تلك الأديان المخترعة -الضلع الفكري الثالث- كونها ذات بعد روحاني زائف! والذي يُشبع الجانب العبودي لدى الإنسان -وإن كان شبع كاذب بطبيعة الحال- فهي مكمن التحدي الفعلي! والمواجهة الأساس بين التوحيد الخالص والأديان المخترعة وتلك الطقوس المزيفة.

إن سريان أمثال تلك الثقافات في المجتمعات الإسلامية والإيمانية بنحو خاص، وامتزاجها بالتوحيد مما قد يؤدي إلى ضياعه! لذا كان لزامًا على المؤمن مراقبة تلك الأفكار الدخيلة والتي تصور للنّاس أن الأهم هو التضرع والعبادة من خلال ممارسة أمثال تلك الطقوس، والتي حسب دعواهم فإنها تؤدي إلى تصفية النفس وتطهيرها، وأن هذه الإرتياضات الروحية هي نحو من مجاهدة النفس، وهو ما يروج له وللأسف وبنحو حثيث، وهذا في الواقع خلط وعبثٌ بالتوحيد الإلهي الخالص!

بمعنى أن العالم اليوم يقف بين البوذية والهندوسية والديانات الإلهية الحقّة والمنحصرة في التوحيد الإسلامي.

إن التعرف على أسس ثقافة العدو، وإدراك قدرته على التلاعب بالكلمات والمصطلحات، وعمده إلى نشر منظومته الثقافية الهزيلة، وترويجه إلى نمط حياته والذي ثبت بالتجربة فساده، وإغراقه الساحة الفكرية بالأفكار المسمومة والمغلوطة، وقدرته على إدارة شبكات الإعلام وتجييرها لصالحه بالمكر والزيف والكذب، وإثارته للشبهات، وتغليب ثقافة الانحطاط سواء من خلال الملبس أو المشرب أو نمط الحياة ككل؛ فهو بذلك يريد القضاء على الدين والعقيدة الحقة والثقافة الإيمانية المترسخة في سويداء القلب، ويختطف الإيمان من قلوب الشباب المؤمن؛ وهذا يستلزم مواجهة عقلية وفكرية لمحق تلك الدعاوى والانحرافات، وتبيين زيفها.

فعندما يرصد العقل العدو، ويتولى مراقبته ببصيرة ونفاذ، عندها فقط سيقضي على آلاته الفكرية وإعلامه الفاسد، وهذا هو حقيقة جهاد التبيين.

العقيلة ﴿؏﴾ هي السلاح الذي أذهب الوهم ومحق الهوى

فعندما يندفع الهوى سيظهر في الخارج على نحو جهالات وأباطيل؛ فكان ولا بدّ وفي مثل هذا الموقع أن يظهر العقل كاملًا بأنموذج العقيلة ﴿؏﴾ إذ كانت هي السلاح الذي يُذهِب الوهم ويصرف الخيال، ويميت الهوى ويبدد تلك الأكاذيب، وهذا هو ذات سلاح رسول الله ﷺ وآله في إظهار الرسالة والوحيّ والبلاغ، سيّما في المسائل الحساسة كولاية أمير المؤمنين ﴿؏﴾.

فأصحاب السقيفة كمثال حين قالوا بعبارة صريحة: “منا أمير ومنكم أمير”(٥) فلم يخجلوا من فعلهم وجهالاتهم، مدّعين بذلك الإجماع والذي لا يزالون يتعبدون به! وكأن الإمارة ألعوبة ومهزلة تعطى لهذا أو ذلك! وليست شأن ربّاني وجعل إلهي!

فلولا نهضة الإمام الحسين ﴿؏﴾ وقيامه بهذا الدور وهذا الجهاد الكبير، فلربما وقع ذاك الإجماع على شرعية حكم الطاغية يزيد -عليه لعائن الله- وهو أمر غير محال! أو أدّعوه على أقل تقدير.

ولذا فإن قيام السيّدة زينب ﴿؏﴾ بعد شهادة الإمام الحسين ﴿؏﴾ هو فعل أشبه بالمواجهة المسلحة ببيانها أن الخلافة والولاية لا تكون ليزيد وأمثاله، فهو لا يستحقها، بل هو أدنى من أن يُقَرَّع حتى، وأقل من أن يُخَاطب “إني لأستكثر توبيخك”(٦).

وهنا نقول؛ فإن الدور الاجتماعي والإصلاحي، والتبليغ بالكلمة، والجهاد بالتبين، والإيضاح، وإقامة الحجج الذي قامت بها السيّدة زينب ﴿؏﴾ هو نوع من المواجهة والتحديّ الفكري! رغم إحرازها وقوع الضرر! وهذا هو الفارق بين هذا النوع من الجهاد وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

العباس وزينب ﴿؏﴾: شاهدان كاملان وبينات ساطعة في الجهاد التبييني

 جاء في الرواية: “أن زينب ﴿؏﴾ كانت جالسة في حجر أمير المؤمنين ﴿؏﴾، وهي صبية وعلي ﴿؏﴾  يضع الكلام ويلقيه على لسانها فقال لها: “بنية قولي واحد، قالت: واحد،  فقال لها: قولي اثنين، قالت: أبتاه ما أقول اثنين بلسان أجريته بالواحد فقبلها أمير المؤمنين﴿؏﴾ “(٧) ، وكأنها ﴿؏﴾ تقول: لا يوجد ثانٍ كي أعدّه، فكل هذا الوجود واحد، إن هذا هو التوحيد المحض والخالص، هو نفس قاعدة بسط الحقيقة التي يقول بها الفلاسفة؛ وهذا الوعي على كنه حقيقة التوحيد هو ما أعطى السيّدة زينب ﴿؏﴾ القدرة على الدفاع عن حياض التوحيد وأنها شاهد صدق على دعوة الإمام الحسين الخالصة وذبه عن حياض التوحيد .

إن من أوضح الدلائل والبراهين الساطعات على صدق دعوة الإمام الحسين ﴿؏﴾ في مبادئه وشعاراته، تلك القرابين التي قدمها بين يديّ الله ﷻ، بكل رضًا وتسليم واطمئنان بما عند الله ﷻ خير وأبقى، وكما روي عنه ﴿؏﴾ أنه قال: “رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه، وتنجز لهم وعده”(٨)، فتلك القرابين شُهَّدٌ على عظمة موقف الإمام الحسين ﴿؏﴾، ولكن هناك شاهدَين أوضح  من غيرهما في الحجة والدلالة، كونهما كاملَين عادلَين ولهما حيثيات وعناصر مشتركة في الشهادة والقيمة؛ هما قمر العشيرة العباس بن أمير المؤمنين ﴿؏﴾، وأخته فخر المخدرات العقيلة زينب ﴿؏﴾.

١. العباس بن أمير المؤمنين ﴿؏﴾؛ والذي شهد له المعصوم ﴿؏﴾ ببذله غاية المجهود، والتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي ﷺ وآله -كما تشير زيارته لذلك- وقد كان العباس شاهدًا على حقانية الإمام الحسين (ع) ببصيرته ومواقفه، ويوم نزوله الميدان وهو واحدٌ بين ألوف مؤلفة؛ فما فرَّ ولا ارتاب ولا ضَعُف ولا هان، ولا خارت قواه أو تزلزل برهة، وشاهدًا لحظة بلوغه المشرعة وكبده تتلظى من الظمأ، فما هشَّت نفسه للماء ولا هفت ولا ضَعُفت.

فكل عضو من أعضاء أبي الفضل ﴿؏﴾ هو شاهدُ عدلٍ على صدق وحقَّانية دعوة الإمام الحسين ﴿؏﴾، وكفى به شاهدًا ومصدقًا، كما كان أبوه أمير المؤمنين ﴿؏﴾ شاهدًا على صدق رسالة رسول الله ﷺ وآله، وكفى به شاهدًا، حيث قال الله ﷻ: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾  هود: 17.

٢. العقيلة زينب ﴿؏﴾ شهدت للإمام الحسين ﴿؏﴾ في مواقف جمّة قولًا وفعلًا، في دورها الاجتماعي والتبليغي والإصلاحي، وفي جهادها -التبييني الكبير- بل وفي كل مجلس دخلته، وبكل كلمة ألقتها، وبكل عناءٍ وجهدٍ وجهادٍ وصبرٍ، كانت شاهدة صدق بكل ما للشهادة من معنى، بل وبكل رملةٍ وطأتها بناقتها العجفاء، والتي كانت تضبح(٩) بأنفاس زينب ﴿؏﴾ الملتهبة، فتحرق بلهيبها عروش الظالمين والجبابرة، وترمي ببني أمية بأجيج نيرانها المستعرة، وهي توري وتقدح بإرادة زينب ﴿؏﴾ وعزمها وصبرها ونواياها.

فالدور الذي قامت به عقيلة الطالبيين ﴿؏﴾، والذي يتمظهر في جهادها الكبير في تبيان الحقائق، وهو ذات الدور الذي قام به العباس بن أمير المؤمنين (ع)، لدفع بني أمية عن الخلافة، وعن الإنسان الكامل المنصّب من قبل السماء.


  1. الجهاد الأصغر دائمًا يكون هو الجهاد الابتدائي، وهو يختلف عن الجهاد الكبير وله أحكام فقهية خاصة ففي الجهاد الابتدائي تختلف أحكام الرجال عن أحكام النساء، إذ لا تشارك المرأة فيه، وهو لا يجب إلا على المستطيع البالغ. 
  2. ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج٣، ص ٢٠٦٧
  3. الكافي، الشيخ الكليني، ج٥، ص٥٣.
  4. من خطبة الغدير، وهي الخطبة التي خطبها النبي الأكرم (ص) في ١٨ من ذي الحجة من السنة ١٠ھ،  بعد حجة الوداع في منطقة يقال لها غدير خمّ. وقد تناقلتها المصادر الإسلامية السنية و الشيعية على حدّ سواء في كتب التفسير والحديث والتاريخ والكلام وغيرها بصيغ مختلفة وفي الكتب المعتبرة المعتمدة؛ كالاحتجاج للطبرسي، المناقب لابن شهر آشوب، الاختصاص للشيخ المفيد، أمالي الشيخ الصدوق، وأمالي الشيخ الطوسي، علل الشرائع وعيون اخبار الرضا للصدوق وغيرها من كتب الشيعة. ومن السنة، أسد الغابة، والبداية والنهاية لابن كثير، والإصابة لابن حجر العسقلاني. ويعتبر علماء الشيعة واقعة غدير خمّ عامة وهذه الخطبة خاصة من أهم الأدلة لإثبات ولاية الإمام علي ﴿؏﴾ وخلافته للنبي الأكرم (ص) مستندين في ذلك على مجموعة من القرائن، يمكن مراجعه موسوعة الغدير، للعلّامة الأميني، حيث رصد تلك القرآئن، كما ذكر رواة الحديث في القرون الأربعة عشر من الصحابة والتابعين من الفريقين، كما ذكر من صرح بتواتر الحديث. يمكن مراجعة نص الخطبة من الشيعة [بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٣٧،  ص ١٢٦] – [الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج ١، ص ١٩٦] ، ومن المصادر السنية [أسد الغابة، ابن الأثير، ج ٤، ص ٢٨].
  5. وهو رأي أقترحت نفر من الأنصار والذين كانوا قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بعد رحيل النبي الأكرم ﷺ وآله، ثم التحق بهم نفر من المهاجرين، ولم يحضره بنو هاشم لا نشغالهم بتجهيز وتوديع رسول الله ﷺ وآله، وقد أراد الأنصار من هذا المقترح أن يأخذوا شيئًا من السلطة بعد رأوا أن الحزب القرشي اخذ يسيطر على زمام الأمور. هذا وقد عدت واقعة السقيفة نقطة تحول تاريخي في حياة الإسلام لا زالت ترخي بظلالها على العالم الإسلامي، لأنها طرحت قضية من له أحقية خلافة المسلمين بعد رسول الله (ص)، قد ذكرت حادثة السقيفة في الكثير من مصادر الفريقين؛ فقد ذكرها الشريف الرضي في كتابه [الشافي في الإمامة، ج٣، ص ١٨٤] نقلًا عن أبو جعفر محمد بن جرير في كتابه التاريخ. كما نقلها العلّامة المجلسي في كتابه [البحار، ج ٢٨، ص ٣٣٠]، نقلًا عن علم الهدى، ونقلها في [الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج ١، ص ٩١].
  6. من خطبة مشهورة ألقتها السيدة زينب (ع) فی الشام بعد واقعة الطف في مجلس يزيد بن معاوية، وذلك عندما اُخذت مع سبايا كربلا إلى الشام عام ٦١ للهجرة النبوية، حيث جيء برأس الحسين (ع) ووضع بين يديه في طشت وأخذ ينكث ثناياه الشريفة بقضيب في يده، فقامت ﴿؏﴾ وخطبت خطبة هي من أبلغ الخطب وأفصحها، عليها أنوار الخطب  العلوية. مما جاء فيها “ولئن جرَّت علي الدواهي مخاطبتك، إنّي لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى”، وقد رواها جماعة من العلماء في مصنفاتهم منهم السيد بن طاووس، في كتابه [اللهوف في قتلى الطفوف، ص ١٠٧].
  7. شجرة طوبى، الشيخ محمد مهدي الحائري، ج٢، ص ٣٩٢.
  8. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٤٤، ص٣٦٧.
  9.  إشارة لسورة العاديات والتي نزلت في أمير المؤمنين ﴿؏﴾.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 75٬037 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 0 (0)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (1)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 0 (0)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها