تقدم القراءة:

الدور الاجتماعي للسيدة زينب (ع) رؤية قرآنية ٥

الخميس 13 محرم 1444صباحًاالخميس

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

بسم الله الرحمن الرحيم

أعظَمَ اللهُ اُجورَنا بِمُصابِنا بِالحُسَينِ ﴿؏﴾، وَجَعَلَنا وَإياكُم مِن الطَّالِبينَ بِثأرِهِ مَعَ وَليِّهِ الإمام المَهديّ مِن آلِ مُحَمَّدٍ ﴿؏﴾.

إن نهضة الإمام الحسين (ع) لم تكن حركة شخصية ولا ظاهرة فردية، ولا هي ثارٌ من ثارات بني طالب من بني أمية إطلاقًا؛ والطالب “بِذُحُولِ الأنبياءِ وَأبناءِ الأنبياءِ، أينَ الطَّالِبُ بِدَمِ المَقتُولِ بِكَربَلاءَ”؛ هو آخر المصلحين، وعلي وفاطمة والحسنين ﴿؏﴾ هم ثار الله ﷻ، والله ﷻ وهو الطالب بثأرهم.

فنهضة الإمام (ع) هي نهضة إلهية عالمية، تشريعية، فكرية، وتاريخية، ولا يمكن أن يحمل رسالتها والتبليغ بها إلا من كان مؤهلًا لذلك؛ ومن الأقدر غير رسول الحسين ﴿؏﴾، وخليفته في الركب الحُسيني، شريكته وشقيقته من أمه وأبيه، من دوحة العصمة، زينب بنت أمير المؤمنين (ع).

الدورالاجتماعي وفق رؤية قرآنية

الحديث في هذه السلسلة حول (الدور الاجتماعي للسيدة زينب رؤية قرآنية)، فما معنى الرؤية قرآنية وكيف يكون الدور الاجتماعي وفق رؤية قرآنية؟

وللحديث عن ذلك بحاجة لبيان عدة مقدمات

العمل والدور الاجتماعي بين العلوم الإنسانية والرؤية القرآنية:

عُرِّف الدور والعمل الاجتماعي -بتعريف مختصر وشبه اصطلاحي- في علم الاجتماع؛ بأنه العمل الذي يرتبط بوجود شخص آخر مدرك  وهو الإنسان.

فعمل المؤسسات، كالمدارس والمستشفيات والمؤسسات التعاونية، وغيرهم؛ يُعدّ عملًا اجتماعيًا وفق العلوم الاجتماعية الإنسانية؛ كونه ناظر لوجود سلوك اجتماعي؛ يراعي فيه وجود إنسان آخر -ولو كان هذا الإنسان الآخر فردًا واحدًا-؛ فسعة دائرته تكون أوسع من الفرد نفسه، ولكن كون هذا السلوك ناظر وملاحظ ٌ فيه وجود وحضور واتصال وارتباط  بآخر أو آخرين، مجرد حضورهم أو وجودهم يؤثر في تغيير سلوك الإنسان الفردي.

هناك معنى آخر للسلوك والعمل الاجتماعي وفق الرؤية القرآنية، وهو سلوك يراعي فيه الإنسان العامل حضور ووجود ناظر آخر، ويكون له تأثير على نحو سلوكه كذلك، ولكن لا يشترط أن يكون هذا المدرك والحاضر إنسانًا، وهو كحضور الملائكة؛ فهي موجودات نورانية مدركة، ترى الإنسان وتشهد عمله، يقول ﷻ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۞ كِرَامًا كَاتِبِينَ ۞ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ الإنفطار:١٠-١٢؛ فمجرد مراعاة الإنسان لهذا الحضور والشهود أثناء قيامه بالعمل، يُعدّ عملًا اجتماعيًّا، وبهذا يكون العمل الاجتماعي وفق الرؤية القرآنية أوسع دائرة.

السيّد ابن طاووس -وهو أحد علمائنا المتعبدين والمتبتلين المنقطعين لله ﷻ- قد أقام لنفسه احتفالًا في اليوم الذي بلغ فيه إلى مبلغ التكليف، حيث يذكر؛ أنه وقد حان الوقت الذي يتحدث فيه الله ﷻ معه بنحو خاص وجاد، وأصبح مخاطبًا بمسؤوليات من قبله ﷻ، وبالتالي سيكون ﷻ ناظر فيه لأعماله بعناية واهتمام؛ فهي مخاطبة قيّمة، وتشريف جدير بالاحتفال.

فإذا ما قيّد الإنسان عمله بحضور الله ﷻ، والملائكة، وحضور الأئمة ﴿؏﴾ -فحسب معتقدنا هم ينظرون لأعمالنا، كما ويجب مراعاة هذا الحضور-؛ فإن هذا الحضور سوف يحدث تغييرًا أساسيًا في سلوكه.

ولذا نجد أن الإنسان كمثال لا يقدم أو يتجنب فعل المحرم أثناء تواجده في المسجد، كونه يعلم أن هذا محضر الله ﷻ، وبيت من بيوته ﷻ، فهذا المحضر يغير من نمط وسلوك وإخلاص الإنسان، بل ونوعية العمل وهدفه؛ بل وسيتجنب بعض الأعمال كونه مدرك حضور ورؤية الله ﷻ، ورؤية رسوله والأئمة (ع)، يقول الله ﷻ: ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ التوبة:١٠٥، و﴿ٱعْمَلُواْ﴾ فالأمر بالعمل هنا لا يراد منه التوقف، بل الاستمرار، والمخاطب هنا الجميع الصالح والطالح، وهناك من لن يخفى عليه عملكم ﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ظاهركم وباطنكم، وبنحو مطلق.

وهو خلاف الأمر ﴿ٱعْمَلُواْ﴾ في قول ﷻ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فصلت: ٤٠، فهو أمر مجازي؛ حيث الغرض منه التهديد، فالمخاطب به المنافقون، وقوله ﷻ ﴿مَا شِئْتُمْ ۖ﴾ كونه لم يعدّ لعملكم قيمة، ولم يعدّ هناك مجال للإصلاح، وقوله ﷻ: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أيّ ما عملتم من شيء؛ فتأكدوا أن الله ﷻ حاضر وناظر ومراقب.

رؤية المعصوم ﴿؏﴾ ورؤية غير المعصوم

إن رؤية المعصوم تختلف عن نحو رؤية الإنسان العادي الذي لا يقدر على رؤية الباطن، لذا يبقى إدراكه وفهمه لما يراه ويسمعه قاصرًا.

وهذا بخلاف رؤية المعصوم ﴿؏﴾ هي رؤية إلهية معصومة بالتبع؛ فظاهر وباطن عمل الإنسان مكشوف لله ﷻ، كما هو مكشوف لرسوله وللكمّل من المؤمنين وهم الأئمة ﴿؏﴾ ، فالمعصوم ﴿؏﴾ كما أنه يرى الجانب الحسيّ، فهويرى كل ما يتعلق بالعلم مطلقًا، ﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فالرؤية هنا مطلقة، كذلك العمل بنحو مطلق؛ فهو ﴿؏﴾ يرى العمل الجوارحي والجوانحي، والعقائد القلبية، والبواعث الباطنية، والملكات النفسية.

لذلك فالقول بأن تدوين القرآن الكريم كان على يد أمير المؤمنين (ع) له أهميته البالغة؛ إذ لو لم يكن الكاتب معصومًا، لكان النسيان وحصول الخطأ أمر وارد، وإن لم يكن بإرادته، فالحواس قد تخطأ، أضف إلى ذلك أنه لا يرى إلا الجانب الحسيّ من العمل.

الأثر المترتب على رؤية وحضور الله ﷻ ورسوله والمؤمنين ﴿؏﴾

عندما  يقول الله ﷻ ﴿ٱعْمَلُواْ﴾، فهو ليس عمل بلا شرط؛ بل بشرط أن يتغير نحو هذا السلوك وكيفه، بمراعاة رؤية الله ﷻ ورسوله ﷺ والمؤمنين، أيّ هي دعوة لتغيير ونظم السلوك والعمل؛ فلو لم يكن هناك فارق أو أثر لعلمنا بحقيقة حضور الله ﷻ ورسوله ﷺ والأئمة ﴿؏﴾ وعدمه، وأن ذلك لن يغير في العمل شيء؛ فلماذا يخبرنا أنه ﷻ ورسوله ﷺ والمؤمنين ﴿؏﴾ يرون أعمال العباد؛ بل نجد أن القرآن الكريم يعالج هذا التوهم والتفكيرالخاطيء بطريقة مضادة فيقول ﷻ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ۞ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ إبراهيم: ٤٢-٤٣، أيّ لا تتوهم وتتصور بأن الله ﷻ ورسوله ﷺ غافلون، فهذا التفكير الخاطئ سيجعل من طبيعة ونوعية العمل  فاسدة وغير صحيحة، وفي دائرة ضيقة؛ ولذا فعندما تريد القيام بعمل ما، لا بدّ وأن يراعى فيه حيثية وجود ونظر الله ﷻ وسوله ﷺ؛ ليتغير العمل، ويتحول من عمل  فردي إلى عمل اجتماعي.

إن الله ﷻ يرى ويعلم بعمل العبد في ذات وقت قيامه بالعمل، وليس بعد القيام به، وكذلك رسوله ﷺ وآله وبعض المؤمنين -ممن حصل لهم الكشف- يستطيعون رؤية العمل وقت القيام به، وأما في يوم القيامة فيقول ﷻ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الجمعة: ٨، فذلك أمر آخر.

فعلم الإنسان اليقيني بأن الله ﷻ يراه، وكذلك رسوله ﷺ وآله والمؤمنون؛ من الطبيعي سيترتب على ذلك آثار وتأثيرات وتغيير في طبيعة العمل والسلوك، ووفق تعريف علماء الاجتماع للعمل الاجتماعي -كما أشرنا- هو ما سيؤخذ فيه اعتبار وجود مدرك يرى، وبالتالي يؤدي إلى تغيير طبيعة وجوهر العمل.

ولذلك فمن أهمّ المقولات الأساسي للسيّد الإمام -قدس الله سره- قوله: (العَالَم في محضر الله، فلا تعصوا الله في محضره). (١)

وكما يشير صاحب تفسير الميزان (قدس) بأنه لا يوجد لدينا في الشريعة البتة عمل لا يكون له بُعد اجتماعي.

وفي ذلك يقول:

(ليس في الإسلام أيّ عبادة فردية؛ بل إن الإسلام هو الدين الذي توسع في شأن التشريعات وأعطاها كلها بعد ًا اجتماعيًّا، كالصلاة، والصوم، والحج).

ارتباط الحكم التشريعي بالدور الاجتماعي، الوضوء أنموذجًا

نجد في بعض الروايات تنبيهًا على أن بعض الأعمال، ليست فردية كما يتصور منها كالوضوء مثالًا

وبحسب ما نسب للإمام  الصادق (ع) في الرواية قوله:”إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم  الماء تقدمك إلى رحمة الله تعالى، فإن الله  قد جعل الماء مفتاح قربته و مناجاته. ودليلًا إلى بساط خدمته، وكما أن رحمة الله تطهر ذنوب العباد، كذلك النجاسات  الظاهرة يطهرها الماء لا غير، قال الله تعالى: (وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا) الفرقان – ٤٨. وقال تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) الأنبياء – ٣٠

إن الإمام (ع)  يعلل هذا الوضوء الذي نتصوره عملًا فرديًا  فيقول: فكما أحيا به كل شيء من نعيم الدنيا، كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب والطاعات والتفكر في صفاء الماء ورقته وطهره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء واستعماله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، و تعبدك بأدائها في فرائضه وسننه ، فإن تحت واحدة منها فوائد كثيرة، فإذا استعملها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن كل قريب ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء يؤدي كل شيء حقه ولا يتغير معناه، معتبرًا لقول رسول الله ﷺ وآله: (مثل المؤمن المخلص كمثل الماء) ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعاتك كصفوت الماء حين أنزله الله من السماء وسماه طهورًا،  وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء”(٢)

فهذا الطهور -وهو الوضوء- والذي  قد نظن ونتصور أنه عمل فردي فحسب، يقوم به الفرد لإيتاء الصلاة أو بغية الطهارة، لكن لو تأملنا فيه لرأينا أثره اجتماعيًّا، وهو -حسب ما جاء في الرواية- معاشرة الناس بلطف ونقاء وصفاء كالماء المطهِّرالذي هو ألطف الموجودات الحسية.

ينقل عن بعض أساتذتنا (٣) أن بعض العلماء الأجلاء كالعلّامة صاحب الميزان لم يكن ليأكل الفاكهة قبل أن يتأمل فيها؛ كونه يراها آية من آيات الله ﷻ، ونعمة من نعمه ﷻ؛ ومن ثم فهو يعاشر النّاس من خلال تلك الرؤية؛ فالمؤمن الذي يعتقد بأن الله ﷻ ورسوله﴿ص﴾ والمؤمنين حاضرون في كل شيء، فلن يغفل وسيراعي بالتالي حقوق النّاس.

النظر لحضور وعلم الله ﷻ لا يكفي عن النظر للنّاس

يتصور البعض بأن القول بحضور ورؤية وعلم الله ﷻ والمعصوم ﴿؏﴾ بعمل العباد؛ سيغني النّاس عن التعاطي مع بعضهم بعضًا، ومداراة بعضهم بعضًا؛ ومداراة مصالحهم؛ ولكن الأمر في واقعه عكس ذلك تمامًا، فإن الروايات الشريفة تؤكد على أن تلك الرؤية وإدراك حضور الله ﷻ، والمعصوم ﴿؏﴾ سيغير من طبيعة العمل حتى في الأعمال التي يراد منها مراعاة ومداراة خلق الله ﷻ، ومصالح عياله وعباده، فالله ﷻ حاضر وناظر، ومصالح النّاس موجودة ومؤمّن عليها في البين أيضًا.

فالفصل بين مراعاة مصلحة النّاس والمصالح الدينية كما يتصور البعض أمرغير صحيح وخلاف مقاصد الشريعة؛ فالإنسان الرسالي يهمه رأي النّاس، وهو يزن كل عمل وفق ذلك، ولذا نجد أن الأنبياء ﴿؏﴾ كان هدفهم النّاس، وهمّهم أن يأخذوا بأيديهم نحو الهداية والرشد والكمال؛ يقول ﷻ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سبأ:٢٨، فعندما يصف الله ﷻ في الآية الكريمة بأن ﴿ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ وذلك لأن الكثير منهم يتصور بنحو خاطئ أن المطلوب هو ذلك الفصل.

فهؤلاء يتصورون -وللأسف- أن الله ﷻ والرسول ﷺ أو التشيع ملكًا لهم حصرًا دون غيرهم، ولا يكترثون لما يقوله النّاس أو سيظنونه، أو ما قد يحدثه الأمر من فتنة؛ فهذا ليس بموضع اهتمامهم، فهم على استعداد للقيام بأيّ عملٍ وإن كان مؤداه الفتنة والفرقة بين المسلمين أو تشويه صورة الإسلام، ولو بلغ الأمر لإراقة الدماء؛ بدون اهتمام لرأي أحدٍ من العلماء،بحيث تتهيج فيه المشاعر وتتأجج فرقة على أخرى؛ كإنتاج فيلمٍ عن أهل البيت ﴿؏﴾ أو عن الزهراء (ع) كمثال وعرضه للعالم؛ فهذه أعمال لها أبعاد عالمية، وهي مضرة بالإسلام والمسلمين وتؤثرعلى هداية للنّاس وإرشادهم، وقد تؤثر على انقلاب البعض ونظرتهم للدين ككل.

وعلى ذلك فليس في الإسلام عمل وتفكير فردي؛ بل عمل اجتماعي يراعي فيه الإنسان محضر الله ﷻ فيرحم النّاس ويهديهم أكثر، ويرشدهم ويوجههم عن بصيرة وعلم ومعرفة ووعي بظروفهم مع مراعاة الله ﷻ، وإلا فما هي كربلاء؟ أو ليست إعادة تصنيع وصياغة النّاس وإرجاعهم إلى الله ﷻ؟! (٤)؛ فقول السيّدة زينب (ع) في خطبتها ليزيد -عليه لعائن الله: “فوالله  لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا”؛ توثيق بحار الأنوار ج45 ص135 فأفعالهم (ع) لا يمكن إدراكها، فهي واصلة إلى الله ﷻ وناظرة فيها لحضور الله ﷻ.

ويمكن أن نخلص هنا وبعد كل تلك المقدمات إلى نتيجة؛ بأن العمل والدور الاجتماعي الذي نتحدث عنه، وننسبه للسيّدة زينب (ع) مُراعىً فيه محضر الله ﷻ، ورسول الله ﷺ وآله، والصدّيقة الزهراء (ع)، وأمير المؤمنين والحسن والحسين (ع)، وصالح المؤمنين، وهو العمل الذي يراعى فيه المصلحة الاجتماعية بتمامها، ويراقب فيه الوضع الاجتماعي؛ فإن أصعب الفعاليات التي قامت بها زينب بنت أمير المؤمنين (ع) كانت بنظر من الله ﷻ، وهي الأحق والأقدر والأجدر بأن نطلق على أفعالها بأن لها دور اجتماعي، فمن أراد إدراك أعمال السيّدة زينب (ع) وبعضًا من حقيقتها وبواطنها يتعين عليه أن يعرف حضور الله ﷻ بنحو تام وكامل في كل الدور الاجتماعي الذي قامت به.

إذن، فإذا ما تحدثنا عن دور السيّدة زينب (ع) الاجتماعي وفق رؤية قرآنية، فنحن نتحدث عن العمل الاجتماعي الذي يشمل حضور الله ﷻ بحيث يتغير نمط العمل والسلوك الإنساني، كما يشمل مراقبة رسول الله ﷺ وآله، والعلم بكونه حاضرًا؛ بحيث يتغير العمل ويتأثر برؤيته، وإدراك كونه ﷺ وآله شاهدًا على ذلك العمل.

وكما يقول أصحاب العلوم الإنسانية، فإن العمل الاجتماعي هو الذي يكون فيه مدرك وحاضر ومؤثر لوجود الإنسان الآخر، أما وفق الرؤية القرآنية فمع وجود سعة إطلاق كلمة المدرك.

وعندما تقول السيّدة (ع) “لا تدرك أمدنا”؛ فينبغي أن نتسائل إلى أين تصل آثار هذا العمل، وكيف تصل؟ (٥)ومع علمنا بأن ما وصل إليه الضمير والوجدان الاجتماعي المتصل بالسيّدة زينب (ع)، والمنفعل المتأثر بها، فهذه المعاني كلها تكون حاضرة في الوجدان عند المؤمنين والموالين بنحو خاص.


  1. مقولة اشتهرت عن السيّد الإمام روح الله الموسوي الخميني
  2. مصباح الشريعة، المنسوب للإمام الصادق (ع)، ص ١٢٨
  3. ينسب لأستاذنا الشيخ جوادي الآملي
  4. للاستزادة يمكن مراجعة بحث (كربلاء تصنعنا عرفاء)
  5. للاستزادة  يمكن مراجعة المحاضرة الأولى من هذا البحث

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 75٬036 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 0 (0)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (1)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 0 (0)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها