تقدم القراءة:

الدور الاجتماعي للسيدة زينب (ع) رؤية قرآنية ٦

السبت 15 محرم 1444صباحًاالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أنصار الحسين.

أعظم الله أجورنا وأجوركن بمصاب سيدنا ومولانا أبي عبد الحسين ﴿؏﴾، والثلة الطيبة الخيرة من آل بيته وأصحابه، وجعلنا الله وإياكن من الطالبين بثأره.

الدفاع عن التوحيد من أعظم الفاعليات الاجتماعية

كربلاء ليست مجرد واقعة قُتل فيها إنسان مظلوم، أو حرّ يسعى نحو الكرامة فحسب، أو مصلح اجتماعيٌّ يطالب بالعدالة في توزيع الحقوق المالية، بل ولا حتى مجرد مرشد روحيّ يريد هداية النّاس؛ فكل هذا وإن كان ضياء وإضافة، ولكن قتل الحسين ﴿؏﴾، واجتماع كلمة الأمة على قتله وسفك دماءه الزاكية؛ هو أشبه ما يكون بما أجمعت عليه اليهود من التشكيك في التوحيد حيث قالت عزير ابن الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ التوبة:30، أو كما أجمعت النصارى على أن الله ﷻ ثالث ثلاثة، بادعاءهم أن المسيح ابن الله ﷻ: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ المائدة:73.

وكما جاء في الخبر؛(1) فبعد أن ضيّقوا الخناق على الإمام الحسين ﴿؏﴾ وأهل بيته أصحابه حتى بلغ منهم العطش مبلغه، قام متكئًا على قائم سيفه، ونادى بأعلى صوته، وناشدهم قائلًا: “أنشدكم الله هل تعرفونني؟” ثم كرر ذلك، ويقرهم بشأن نسبه وما يتقلده، فقال ﴿؏﴾: “أنشدكم الله هل تعلمون إن جديّ رسول الله، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن أبي علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن أمي فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء الأمة إسلامًا؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم هل تعلمون إن حمزة سيد الشهداء عمّ أبى؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جعفر الطيّار في الجنة عمي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: هل تعلمون إن هذا سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا متقلده؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن هذه عمامة رسول الله”.

وبعد أن أقروا منه كل ذلك، سألهم: “فبم تستحلون دمي؟ وأبي ﴿؏﴾ الذائد عن الحوض يذود عنه رجالًا كما يذاد البعير الصادر عن الماء، ولواء الحمد في يد أبى يوم القيامة، قالوا: قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشا”.

 فاقتتلوا ساعة من النهار حملة حملة، حتى قتل من أصحاب الحسين ﴿؏﴾ جماعة، أخذ الإمام ﴿؏﴾ بيده إلى لحيته وجعل يقول: “اشتد غضب الله -تعالى- على اليهود إذ جعلوا له ولدًا، واشتد غضب الله تعالى على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم. أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله تعالى وأنا مخضب بدمي”.

وقد زاد ابن طاووس“فلما خطب هذه الخطبة وسمع بناته وأخته زينب كلامه بَكين وندبن ولطمن وارتفعت أصواتهن”.

وعلى ما يبدو فقد بان لهنّ عظم المصاب، وأنه ليست صرف مظلومية الإمام الحسين ﴿؏﴾ بما هو طالب للحق وإقامة للعدل؛ وإنما هي إرادة لإمحاء التوحيد الممتزج بدم الحسين ﴿؏﴾ ولحمه وعظمه، وهذا مما لا شك فيه محاداة ومعاداة لله ﷻ ولرسوله ﷺ وآله، (٢)ومن يحادّ الله ويرى نفسه شريكًا لله ﷻ في الحكم فيضع الحدود، ويحكم فوق أحكام الله ﷻ؛ سيرتكب كل موبقة، ولن يتورّع أن يفتري عن الله ﷻ كذبًا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا۞ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا۞ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ مريم:88-90، فهذا كان الوضع الفكري والثقافي، والذهني، والروحي، والفردي، وعلى هذا فقد عَلِمت بنات النبوة أن عليهنّ الدفاع عن الإمام الحسين ﴿؏﴾، ولو أدى ذلك إلى سبيهنّ؛ فهذا الدفاع عن التوحيد والمتمثل في الإمام الحسين ﴿؏﴾ لهو من أعظم الفاعليات الاجتماعية الكبيرة.

مستويات الدفاع “الجهاد”

كتاب الجهاد في الفقه -وكما هو معلوم- من أقلّ كتب الفقه اتساعًا وبحثًا وتفصيلًا وتحقيقًا وشرحًا من بقية الفصول والكتب، كونه لم يكن مورد ابتلاء.

ولكن مؤخرًا، وفي السنوات الأخيرة، ونتيجةً لتغير الأوضاع وتوسعها، فقد تقدمت الأبحاث العلمية على جميع الأصعدة، وبالأخص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعليم، والتوجيه، ومنها البحث عن (الدفاع) والمسمّى بكتاب الجهاد؛ فتوسع في هذا البحث، ونُقّح  تنقيحًا مفصلًا.

وكما ذكر في كتب التفسير، ومن رسائل بعض مراجعنا العظام، إن الجهاد والدفاع عن الدّين، يتصور في ثلاث مستويات: دفاع أصغر، ودفاع أكبر، ودفاع كبير، وهو في الحقيقة والعمق (جهاد دفاعي).

الجهاد الأصغر: وهو معروف وواضح  ومدوَّن في مصادرنا الروائية والفقهية، وهو الجهاد بالسلاح، لمقارعة الظلم، ودفع العدو الذي يريد القضاء على حياة الإنسان أو يهدد وجوده المادي، أو الديني أو المعنوي(٣).

وهذا الجهاد ساقط تكليفه عن المرأة -في الأعمّ الأغلب- إلا في بعض الظروف الاستثنائية جدًا، والذي حددها الشارع المقدّس، وقد بحثت في محلها في كتب الفقه، وهذا الجهاد ليس مورد بحثنا.

 الجهاد الأكبر: وكما هو معلوم لدى الكثير، هو جهاد النفس، بإصلاحها وتهذيبها وتعليمها، وإعلاء درجات معالجة أخطائها بالتوبة والأوبة، وعلى كل مكلف سواءً كان رجلًا أم امرأةً مسؤول عن جهاد نفسه بحكم العقل، وكذلك بحكم الأدلة الشرعية الأخرى.

 الجهاد الكبير: وهذا الجهاد المراد منه بيان الحق مقابل الباطل، وإظهار الحقائق بالقول والفعل، وهذا النوع من الجهاد قد طُرِح ونُقِّح مؤخرًا تنقيحًا حتى توسعت تفرعاته المتعلقة به، وهو مستوى مهم من الجهاد، وهذه التسمية ليست جزافية، بل هي مستنبطة من قول الله ﷻ في حقّ تعليم القرآن الكريم وتبيين الحقائق: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ الفرقان: ٥٢.

يذكر العلّامة صاحب الميزان في سياق هذه الآية الكريمة عن معنى الجهاد الكبير فيقول:

ضمير ﴿بِهِ﴾ للقرآن الكريم وذلك بشهادة سياق الآيات، والجهاد والمجاهدة يكون ببذل الجهد والطاقة في مدافعة العدو، وإذا كان القرآن الكريم؛ فالمراد بتلاوته عليهم، وبيان حقائقه وإتمام الحجج عليهم.

 فمحصّل ومضمون الآية الكريمة أنه إذا كان الأمر مثل الرسالة الإلهية في رفع حجاب الجهل والغفلة المضروب على قلوب النّاس بإظهار الحق لهم وإتمام الحجة عليهم مثل الشمس في الدلالة على الظل الممدود ونسخه بأمر الله، ومثل النهار بالنسبة إلى الليل وسبته، ومثل المطر بالنسبة إلى الأرض الميتة والأنعام والأناسي الظامئة، وقد بعثناك لتكون نذيرًا لأهل القرى؛ فلا تطع الكافرين لأن طاعتهم تبطل هذا الناموس العام المضروب للهداية، وابذل مبلغ جهدك ووسعك في تبليغ رسالتك وإتمام حجتك بالقرآن المشتمل على الدعوة الحقة، وجاهدهم به مجاهدة كبيرة.(٤)

إذن فهذا الجهاد والمسمّى (بالجهاد الكبير)؛ هو مجاهدة العدو الخارجي دفاعًا عن المعتقدات والمفاهيم، والقيم، وهو جهاد من أجل إيضاح الحقائق، وبيان العقائد، ورفع كل مسألة باطلة، وكل جهل، بالعلم والمعرفة.

ولا شك إن هذا الجهاد يحتاج إلى جهدٍ ونشاط ٍعقلي وقدرة علمية، ومعرفية، ودراسة، وتدريس، بإقامة البراهين، والمناظرات مع أهل الباطل، لكشف واكتشاف الأباطيل والزيغ، بالخصوص مع النظرة السطحية السائدة في مجتمعات اليوم، وتنوع أشكال الجهل والتجهيل، فكل يوم يغدو له ثوب ولون وصبغة جديدة.

وهذا النوع من الجهاد فيه تشخيص للأمور والمفاهيم، وحكم على الأشياء من الداخل، فلا يوجد  فيه مواجهة بالقوى البدنية؛ بل هي قوى تحارب الفكر والعقيدة والمفاهيم، فغالبية النّاس تكون  نظرتهم سطحية، إذ لا يرون إلا الظاهر فقط، ولا يفكرون في الباطل، وغالبًا ما يحكمون على الأمور بمضاداتها، فليس لديهم مانع بتسمية الشجاعة تهورًا، والجبن حلمًا، والتكبر أنفة ووقار، والإدّهان حكمة، والرشوة من الطغاة مكرمة، وقد يعتبرون التلقينات والمزخرفات علوم ومعارف؛ إذن فتشخيص الحقّ بحاجة إلى تحقيق وتدقيق.

منطلق ومنشأ مستويات الجهاد

الجهاد الأصغر: إذ لا شك إن الإنسان بحاجة فيه إلى إيمان، وتعقل، ولكن الطاقة التي تُبذَل فيه هي في الواقع من بدن الإنسان؛ وهو الأدنى من مراتب وجود الإنسان ولذلك سمّي بالجهاد بالأصغر.

الجهاد الأكبر: منشأه معالجة الروح، والروح الأعلى مرتبة، وقيمة ونورانية من بدن الإنسان، فالمنطلق والمبدأ الذي تتحرك منه في عملية الجهاد هو روح الإنسان، وهو الأعلى مستوى؛ لذا فإن مجاهدتها تكون بالجهاد الأكبر.

وأما الجهاد الكبير: فإنه مبدأه ومنشأه من مرتبة العقل وفي مرحلة التعقل، لذلك سمّي بالجهاد الكبير.

ولذا نجد أن حيثية التقسيم، وبالتبع التسمية؛ وفق المرتبة التي ينطلق منها(٥).

كلمة الحقّ عند سلطان جائر هو جهاد كبير

روي عن رسول الله (ص) أنه قال: “إن أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر”(٦)

هذه الرواية حسب تصورنا فيها حيثيتان، أو تمرّ بمرحلتين:

الأولى: التحقيق، كونه شرطًا لقول الإنسان كلمة الحقّ، لذا وعليه؛ يجب أن يمرّ -الحقّ والحكم والعدل- بمرحلة الإدراك والفهم أولًا، ليصبح هناك وضوح وجلاء في العقل، وهذا الأمر يحتاج بطبيعة الحال إلى تحقيق وتشخيص.

فليس كل ما يقرأ وينقل ويدرج في المجتمع يُعدّ حقًا، بل يلزم أن يثبت بالدليل والحجج والبراهين كي نعلم يقينًا أنه الحقّ؛ وعلى ذلك وجب أن لا تُقال كلمة الحقّ إلا بعد التحقق منها، ولا تقال كلمة العدل إلا بعد تشخصها وتميزها عن كلمة الظلم، ومن ثم لا تطلق الأحكام جزافًا دون معرفة مناط الحكم وحقيقته، فنجد البعض وللأسف يحكم على هذا وذاك دون تثبت وتمحيص، وهذه مشكلة يلزم أن ينظر فيها وتعالج.

الثانية: في هذه المرحلة النطق بكلمة الحق وإعلاءها؛ وكونها ستنطق في وجه سلطان جائر في سلوكه وعمله وفهمه عن معرفة وإدراك الحقّ، فهذا لا شك فيه يحتاج إلى شجاعة فريدة، ولكن ليست صرف شجاعة فحسب، بل -وكما أسلفنا- تحتاج إلى تجرد وتنور في العقل، كما وتحتاج إلى تشخيص الحقّ والتفريق بينه وبين والباطل، ليغدو واضحًا وجليًا ومن ثم معرفة الحكم المناط به.

من هنا نتصور أن هذه الرواية تتحدث عن الجهاد الكبير، وليس الجهاد الأكبر.

أهمية وموقع الجهاد الكبير

إن الدفاع أو الجهاد الكبير، والذي نعني به الجهاد العلمي والفكري وتحمّل خدمة الدّين في تبيان الحقائق -كما تبين-، بات مورد ابتلاء، خصوصًا في يومنا هذا؛ فمع هذا التوسع والإنفتاح في العالم حيث بات كقرية صغيرة، وهذا الزخم المعلوماتي وهذه النوافذ الكثيرة والأبواب المشرّعة والأفكار الدخيلة؛ قد حرفت الفكر والعقل عن بوصلته وأضاعت الحقيقة، فبتنا نرى ما هو دخيل، يلبس بلباس الأصيل، والأصيل يلف بلباس الدخيل، وبات فن الكثير التلاعب بالمصطلحات والألفاظ وبنحو عجيب؛ ولذلك فإن هذا الجهاد -الكبير- مهم للغاية، وفي الواقع يُعدّ الأهمّ بل الأسبق منهم جميعًا، -وإن كل دفاع في مكانه بالطبع هو مهم ولازم-، فإن أحد أسباب نهضة الإمام الحسين ﴿؏﴾ هو إخراج العباد من الجهالة وحيرة الضلالة.(٧)

يذكر أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي: إن لهذا الجهاد الكبير أهمية خاصة، ويحتاج إلى ميزان حقّ.

اليوم، وقد أضحى للجميع أجهزة ذكية ينفذ منها للعالم إما عبر الشبكة العنكبوتية أو برامج التواصل الاجتماعي، والتي من خلالها يقرأ ويتصفح ويطالع، ظنًا منه أنها مواطن نقية لتلقي العلم والمعرفة الحقّة، بات التبيان ضرورة وجهاد كبير؛ وله تبعاته حتمًا؛ فإذا ما أراد شخص ما قول كلمة الحقّ، أو سعى لتصحيح بعض من تلك الأفكار المغلوطة والخاطئة والتي يروج لها في وسائل الإعلام ليلًا نهارًا جهارًا وخفاءً؛ فهذا مما لا شك فيه سيدخله في الكثير من الخلافات والمشاكل بما يُعدّ مواجهة مع فرد أو قبالة مجتمع بأكمله، وحتمًا تحمّل ذلك جهاد، والقليل ممن يقدر عليه.

ويمكننا القول هنا: بأن موقع هذا الجهاد وساحاته الكلمة والموعظة والإرشاد والتربية والتعليم، المحاضرات، الكتب، وتأسيس الحسينيات، وهو أول ما يجب على الفرد الاتيان به، فلو عجز بعد ذلك عن إيقاع تأثير الكلمة، تأتي بعد ذلك مرحلة الجهاد الأصغر.

يضرب أستاذنا الشيخ جوادي الآملي لذلك مثالًا لطيفًا جدًا، ويشبه الحال بعصا نبي الله موسى ﴿؏﴾ فيقول:

عندما بعثه اللهﷻ إلى فرعون وملأه، كانت العصا في ذلك الوقت نوع من السلاح، ولكن عصا موسى ﴿؏﴾ كان لها تأثير أكبر من أيّ سلاح آخر، إذ كانت آية.

ويقول: إن الله ﷻ لم يأمر نبي الله موسى وأخاه هارون ﴿؏﴾ بمواجهة فرعون إبتداءً؛ بل أمرهما بالعمل على معالجة قلبه،بتعليمه ووعظه وإرشاده وتبيان الحقائق له، والاستدلال على وحدانية الله ﷻ بالدليل والبرهان، يقول ﷻ: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ طه: 44؛ ولكن دون المجاملة، وأما ﴿قَوْلًا لَّيِّنًا﴾؛ فالقول اللين لا يعني إلباس الحقّ لباس الباطل، أو إلباس الباطل لباس الحقّ البتة، وليس هو منطق الضعيف كما يتصور، والدليل قوله ﷻ: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ طه: 42؛ أيّ لا مجاملة في بيان الحقّ، ولا تساهل في أحكام الله ﷻ وحدوده.

فبعد القول اللين، فإذا كان هناك اقتدار على الاستدلال والحجة والبرهان الوحياني والقويّ، وكان هناك حلمٌ وشرح صدر وإيصال للحقائق، فإن لم يقبل تلك الحجج والبراهين، يأتي دور العصا، -وكما يقال: العصا لمن عصى-، ألقِ عصاك يا موسى ﴿؏﴾ لتصبح حيّة، ولكنها لا تحيا إلا بعد تلك المقدمات اللازمة.

بل يؤكد أستاذنا الشيخ جوادي الآملي:

إن هذا النمط من التوجيه والتعليم والدفاع عن النفس والحقائق والدّين الإلهي، هو سنة الهداية الإلهية مع كل الأنبياء والرسل ﴿؏﴾، يقول ﷻ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحديد: 25.

فإنزال الحديد والذي فيه بأس شديد، جاء متأخرًا عن إنزال البينات، فالله ﷻ أولًا يرسل الرسل ومعهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط، وتبيان الحقائق، فإذا لم تنفع معهم البينات، ولم تؤثر فيهم الكتب، وأصبح التعدي لا على العقيدة فحسب، بل وطال الحقوق المدنية، إذ ليس من المنطق والانصاف الاكتفاء بالتفرج على المعتدي وهو يمارس الاعتداء؛ حين ذلك تأتي المواجهة بالحديد ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾؛ ولهذا يقول ﷻ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾.

النموذج الأكمل لجهاد التبيين

إن أكمل أنموذجين لمرحلة الجهاد الدفاعي والبياني والتبييني، والعلمي والفكري، والروحي والعرفاني والتربوي والوعظي والإرشادي؛ هما الصدّيقة الزهراء والسيّدة زينب ﴿؏﴾، فما قامتا به من ممارسة لدور اجتماعي أساسي وعميق ومهم للغاية، يّعدّ في الحقيقة هو الأنموذج الأتمّ والأكمل لما يمكن أن نتصوره لجهاد البيان والدفاع عن عرى الدّين وحياض الإسلام، والدولة الإلهية التي أسسها رسول الله ﷺ، وعن الإمامة الولاية، والإمام علي والإمام الحسين (ع)، بخطاب وبيان عالمي بمقدار وسعة واتساع الولاية، فولاية الإمام ﴿؏﴾ عالمية؛ وقد تحدثتا ﴿؏﴾ باتساع تلك الدائرة، وبذات العمق والخصوصية.

الشخصية المؤثرة هي المنسجمة مع حقيقتها وذاتها

البيان والدفاع إنما يكون أثره بالغًا؛ كلما برزت وكثرت أوصاف صاحب الدعوة والرسالة وتناسقت مع حقيقته وواقعه، عند ذلك فحسب سيصبح كلامه أكثر وقعًا وجمالًا، وأشد قوةً وتأثيرًا.

والمُبلِّغ بالجهاد الكبير، يجب أن يراعي مقبولية النّاس عمومًا؛ فهناك شخص يحاول أن يراعي ذلك وقد لا يستطيع، ولكن هناك شخص حقيقة ذاته متسقة مع أقواله، فهما شيء واحد -أيّ تبيينه وبيانه مع شخصه شيءٌ واحد-، خُلق تكوينًا وحقيقة هكذا؛ بحيث يصبح له تأثيره على النّاس، فلا يجد السامع في حديثه أدنى تناقض.

ونضرب لذلك مثالًا؛ صفات المتقين والتي بيّنها أمير المؤمنين ﴿؏﴾ (في خطبة المتقين) لهمام ومن معه (٨)؛ والتي رسم فيها الإمام ﴿؏﴾ شخصيًّة المُتقي المتناسقة مع حقيقته؛ فليله عبادة، ونهاره علم وعمل، يتحلى بالحلم ويتصف التقوى والزهد، فهذه الصفات المتناسقة والمنسجمة هو ما يجعل من الشخصية مؤثرة وصانعة ومغيرة.

المرأة في ميدان العمل الاجتماعي والإصلاحي:

هناك قسمان من النساء:

  • امرأة محجبة وقد تمارس عملها الاجتماعي، بل وربما عملها الإصلاحي أيضًا، وتُدرِّس العلوم العقلية والرياضية، فهذه العلوم ليست من الإلهيات، أو العرفان -ولو خلت من السلبيات-؛ فهي بالتالي لا تعالج القلوب، وعلى ذلك فهذا الدور ليس له علاقة أو ارتباط بكونها خفرة، وليس لها اتصال بالرجال(٩).
  • وهناك امرأة تمارس دورها الإصلاحي وهي خفرة؛ في إحياء القلوب وتحريكها باتجاه الإيمان؛ فليزم أن يكون هذا الحجاب وهذه الخفارة متسقة مع ذاتها ومشروعها الإصلاحي الذي تدعو له.

السيّدة زينب ﴿؏﴾ وسرّ المقبولية هو الانسجام التام بين خطابها مع حقيقتها وخفارتها

عندما تخطب عقيلة الطالبين ﴿؏﴾ في مجلس الطاغية، وهي كما وُصِفت (١٠) كانت خفرة -والخفارة شدّة الاحتجاب والكمون- (١١)؛ توبخ، وتُعلّم وتُرشد، وتُعيد بناء القلوب، وصناعة وصياغة النفوس وإحياءها من جديد، وهي بتمام خفارتها؛ دال على أن تلك الخفارة منسجمة ومتناسقة مع ذاتها وحقيقتها ومع ما تقوله تمامًا.

وذلك كونها ﴿؏﴾ كانت تريد أن تُأجج المشاعر وتستثير القلوب وتبعث فيها الحياة من جديد، وتحركها باتجاه الإيمان والتقوى، باتجاه الله ﷻ ورسوله ﷺ وآله، والإمام الحسين ﴿؏﴾؛ ولكي يكون لخطابها كل ذاك الوقع في النفوس، وكل ذاك التأثير؛ لزم أن يتلاءم مع تمام حقيقتها وخفارتها، وأن لا تعكس للقوم الرجال إلا الخفارة.

وكون العمل الاجتماعي -كما أسلفنا ذلك- (١٢)مشروط بأن يراقب العامل فيه حضور الله ﷻ ورسوله ﷺ والأئمة ﴿؏﴾ والمؤمنين، ويدرك حقًا أنهم يرونه ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ التوبة: 105؛ فإن طبيعة ونوع وحجم وتأثير العمل والقدرة على أدائه ستختلف؛ ولذلك كونها ﴿؏﴾ كانت خفرة؛ فهي بهذه الخفارة تُراعي حضور الله ﷻ ورسول الله ﷺ وأمير المؤمنين والإمام الحسين ﴿؏﴾؛ لذلك فهي تستطيع أن تبين ما يريده الله ﷻ ورسوله ﷺ، وهذا ما لا يستطيع أيّ أحد من القيام به.

إن هذا المقدار من الخفارة منسجم مع هذا المقدار الكبير من مراعاة الوضع الاجتماعي والذي تحدثنا عنه مراع فيه ظرفية النّاس أيضًا، لأنهم حاضرين وناظرين ومدركين أيضًا.

لذا نرى أن القوم قد قبِلوا من السيّدة زينب ﴿؏﴾ ذاك البيان، وهذه مسألة هامة.

لقد كان أهل الكوفة يعيشون حالة من التناقض -والتي يكون فيها قلب الشخص باتجاه، ولسانه وعمله باتجاه آخر- حيث كانوا وكما عبّر عنهم؛ قلوبهم مع الحسين ﴿؏﴾ وسيوفهم عليه؛ (١٣) والسيّدة زينب ﴿؏﴾ والتي كانت تتحدث من موقع الإصلاح والإحياء والمعالجة لحالة التناقض تلك؛ لذا فهي توبخهم متعجبة ومستنكرة عليهم بكاؤهم فتقول: يا أهل الكوفة أتبكون وتنتحبون؟!

وهذه نكتة دقيقة وهامة؛ كون السيّدة زينب ﴿؏﴾ دخلت مجلس يزيد -عليه لعائن الله- سبيّة وليست أسيرة، فالأسير له حقوق وخصوصيات، وأما السبايا فلا حقوق لهم، مجردين من كل حقّ، وهذا مما يجعل من الموقفين -البكاء ودخولهم إلى مجلس يزيد سبايا- متضاربين ومتعارضين؛ لذا فحالة التناقض بيّنة في تصرفاتهم.

وكأنها ﴿؏﴾ تقول لهم إن هذا البكاء والنحيب لا ينسجم مع موقعنا -ونحن بنات الرسالة ومخدرات علي وفاطمة ﴿؏﴾- نساق إلى مجلس يزيد -عليه لعائن الله- سبايا، بعدما قتلتم سبط الرسول ﷺ وآله وأولاده وأصحابه؛ فهذا عين التناقض! (١٤)

وعليه نجد: إن جهاد السيّدة زينب ﴿؏﴾ الكبير -جهاد التبيين- لا يمكن أن يتأتى إلا من ربيبة علي وفاطمة ﴿؏﴾.


  1. اللهوف في قتلى الطفوف، السيّد ابن طاووس، ص52.
  2. إشارة لقوله ﷻ:﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ التوبة:63.
  3. وعلى الإنسان في هذا الجهاد أن يراقب عدوه، ويدافع عن نفسه، ودينه، وبيته، وماله، وعرضه وبلده المسلم، وهذا كله بالطبع يحتاج إلى قوة بدنية وشجاعة، ومراقبة ظاهرية للعدو الخارجي، وعدة خصوصيات أخرى لا مجال لطرحها هنا.
  4.  تفسير الميزان، العلّامة الطباطبائي، ج15، ص228.
  5. ولا شك أن الغرض من هذا الفصل في مستويات الجهاد، ليس فصل وانفصال ترتبي من الواحد حتى  الثلاثة، بل المراد والمقصود بيان وإيضاح المبدأ الذي تنطلق منه.
  6. ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1، ص656.
  7. “فَأعذَرَ في الدُّعاءِ وَمَنَحَ النَّصِيحَةَ وَبَذَلَ مُهجَتَهُ فِيكَ حَتّى استَنقَذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيرَةِ الضَّلالَةِ”، [مفاتيح الجنان، الخامسة: زيارة الإمام الحسين ﴿؏﴾ في عيدي الفطر والأضحى].
  8. خطبة المتقين، هي إحدى خطب الإمام أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة، خطبها (ع) حين طلب منه همّام، وهو على ما يقال كان من خلص الشيعة وعبّادهم أن يصف المتقين، فأجابه الإمام، فبدأ بوصف سلوكهم الفردي والاجتماعي والعبادي، وما إن تم الإمام خطبته حتى خر صريعًا لشدة تأثره بالخطبة، ومما جاء فيها: “(…) أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، (…)، وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ…..” [شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج10، ص133].
  9. بغض النظر عن الرأي في هذه العلوم العقلية فما يهمنا هنا مجرد استعراض للفكرة.
  10. ينقل التاريخ عن حذيم بن بشير الأسدي قوله وهو يحكي حال عقيلة الهاشميين (ع) في السبي وأثناء خطبتها في الكوفة : “لَمْ أَرَ خَفِرَةً قَطُّ أَنْطَقَ مِنْهَا، كَأَنَّهَا تُفْرِغُ‏ عَنْ‏ لِسَانِ‏ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (ع) وَقَدْ أَوْمَأَتْ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَارْتَدَّتِ الْأَنْفَاسُ وَ سَكَتَتِ الْأَصْوَات. [الأمالي، الشيخ الطوسي، ص92‌‏]، [الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج2، ص29].
  11. الخفر: شدة الحياء، وامرأة خفرة: حيية متخفرة، وخفير القوم: مجيرهم الذي هم في ضمانه. [كتاب العين، الخليل الفراهيدي، ج4، ص253].
  12. بالإمكان مراجعة المحاضرة الرابعة في هذه السلسلة البحثية.
  13.  ينسب للفرزدق حين سأله الإمام الحسين ﴿؏﴾ عن أحوالهم. قال أبو مخنف؛ عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري قالا: أقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسينا فقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب، فقال له الحسين: بين لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: من الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء؛ فقال له الحسين: صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعماءه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته،… [موسوعة شهادة المعصومين (ع) ج٢، ص١٣٧].
  14. يمكن مراجعة نص خطبة السيّدة زينب (ع) في الكوفة، [الاحتجاج، الشيخ الطبرسي،ج2، ص29] ، [بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج45، ص109].

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 75٬036 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 0 (0)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (1)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 0 (0)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها