تقدم القراءة:

عارفًا بحقها

الأثنين 6 يونيو 2022صباحًاالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

لرسول الله (ص) وللأئمة المعصومين (ع) سيما خاتمهم، مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، للمؤمنين وللمؤمنات أسمى آيات التبريك بحلول أول الأشهر الحرم شهر ذي القعدة، وحلول عشرة الكرامة بين كرامة ميلاد السيدة المعصومة (ع) وأخيها الرضا (ع).

إن أغلب ما سنذكره هو  بالاعتماد على المأثور والمنثور والمتبعثر من آراء أستاذنا الشيخ جوادي آملي أو كثير أو بعض مما ذكره، وسوف يكون مضمون الحديث في هذه الآيات الشريفة

(وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِٱلَّذِينَ يسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥۤ أُولَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُولَـٰۤىِٕكَ هُمۡ أُولُوا ٱلۡأَلۡبَـٰبِ) الزمر:١٧/١٨

(لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ) الزمر: ٢٠ ومن خلال مفاد الآيات والروايات سيكون الحديث تحت عنوان (عارفًا بحقها)

عشرة الكرامة

اتفق على تسمية الأيام من أول ذي القعدة إلى اليوم الحادي عشر بأيام الكرامة حيث توافق كرامة ميلاد السيدة المعصومة وميلاد الإمام الرضا (ع) ومع أن السيدة المعصومة (ع) لها أكثر من أخت ولربما عدها بعض العلماء والمؤرخين ثلاث أخوات فواطم؛ الكبرى والصغرى والوسطى في حين عدها البعض أربعة دون ضم قيود التسمية .

وقد ولدت -سلام الله عليها- بالمدينة، وعاشت فيها ثلاثة عشر عامًا، كما ورد في بعض التحقيقات العلمية، حيث أن بعضها يفيد الترديد في معرفة يوم ولادتها، وكيف جاءت إلى قم وإلى من و مع من جاءت، فهذا كله غير معلوم تحديدًا، ومن يتحدث عن ذلك فقد يعتمد على اجتهادات شخصية، وبالرغم من اختلاف الآراء فيما سبق من سيرتها إلا أن المؤرخين يتفقون على أنها بقيت في قم أيامًا قلائل؛ إذ ينقل أنها بقيت في قم سبعة أيام.

عارفًا بحقها

ورد في الروايات الموثقة والمتواترة من حيث المعنى واللفظ، والمتضافرة عن المعصومين (ع)؛ مما روي عن الإمام الرضا (ع)، وعن الإمام الجواد (ع)، وعن الإمام الصادق (ع)، والبعض يضيف أنها رويت عن الإمام الكاظم (ع) معنىً مشترك وهو قول الأئمة (ع) “من زارها عارفًا بحقها وجبت له الجنة” (١)

وبناءً على هذه الروايات الموثقة فلا شك أن السيدة المعصومة (ع) لها خصوصية تستحق التكريم والتعظيم، رغم وجود العديد من القبور لأبناء الأئمة (ع) في مدينة قم، لذلك وكما أشار بعض مراجعنا؛ إن اتخاذ هذا اليوم ميلادًا للسيدة المعصومة (ع) – وإن كان مختلفًا فيه وليس معلومًا على وجه التحديد- من باب التكريم والتعظيم.

ومايلفتنا في هذه الروايات هو موضوع “عرفان حقها” فهو مما يستحق منا التأمل والوقوف عنده؛ حيث تطالعنا عدة أمور:

 أولًا: (تعدد المطلوب ووحدة الطلب)

قد يقال أن الأئمة (ع) يريدون زيارتها ولكن ذلك ليس مرادًا ومقصودًا بذاته؛ بل في واقع الأمر وفي حقيقته هم (ع) يريدون الدعوة لمعرفة حقها؛ فمعرفة حقها هو في ضمن الدعوة لزيارتها، ويوجد في الأصول قاعدة في المندوبات، تفيدنا في بيان وإيضاح هذا المقام حيث يمكن أن يتعدد المطلوب إلا إذا دل دليل في الخارج على عدم تعدده.

ولبيان معنى تعدد المطلوب ووحدة الطلب نضرب أمثلة لذلك:

 من بين ما ورد استحباب إحياء ليلة القدر بالصلاة مائة ركعة، ولكن إن تعسر ذلك ولم يستطع الشخص أن يأتي بها؛ يقال له لا يسقط المعسور بالميسور، وما أتى به فهو محسوب له.

 وكذلك الحال في النوافل اليومية(٢)؛ ففي كل هذه الموارد إذا تعذر على الإنسان أن يأتي بالجميع؛  فلا يسقط الأمر بالنوافل، بل يكتفى بالأمر الواحد ويكون مرادًا ومطلوبًا في حد نفسه، ولو استطاع الإنسان أن يأتي بجزء فقط؛ ِلتعذر الأمر عن الإتيان بالمعسور، فيكفي لقاعدة الميسور أن يأتي بذلك الجزء إذا كان مستحبًا، وهذا تقريبًا مما اتفق عليه في المستحبات، أما في الواجبات فالأصل فيها وحدة المطلوب إلا إذا جاء دليل على تعدد المطلوب، والاتفاق على أنه في موارد المستحبات تتعدد المطلوبات.

وبناءً على ذلك يمكن القول أن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها(٣)؛ لأن التعرف على مقامها هو الذي يؤدي إلى معرفة حقها ” من زارها عارفًا بحقها”.

وللتوسع في هذا المطلب يمكن الرجوع إلى رسالة الحقوق إلى الإمام زين العابدين (ع) وسوف يتبين لنا أن الحقوق تترتب على المقامات، فمثلًا عندنا حقوق للمؤمن ولأن تلك الحقوق قُيدت بالمؤمن نعرف أن مقتضى الإيمان يلزمنا بحقوق معينة، لا كونه قريب رحم لنا، فهناك أسباب تتولد عنها حقوق؛ ولكن الإيمان بنفسه مقام؛ فإذا كان الإنسان مؤمن فتجب له مقامات، وعليه فإن من يريد معرفة حق السيدة المعصومة (ع) يجب أن يعرف مقاماتها أولًا ليعرف حقها؛ “من زارها عارفا بحقها وجبت له الجنة”

 ولا بد في الخطوة الأولى أن نتعرف على مقاماتها؛ فالإنسان لا يمكن أن يعرف حق أحد ما لم يعرف مقامه.

ثانيًا: معرفة مقاماتها

1- (عرّف الله بيننا وبينكم في الجنة)

 إن أول مقام ذكر للسيدة المعصومة نجده في زيارتها (ع) وهو كونها تشترك مع أهل البيت (ع) في نفس المكان في الجنة، حيث نقول في زيارتها (عرّف الله بيننا وبينكم في الجنة)(٤)

فالظاهر من هذه العبارة أنها وأهل بيتها المعصومين (ع) وعلى رأسهم رسول الله (ص) والصديقة الزهراء (ع) والأئمة المعصومين من أولادها في مكان واحد، وعندما نقول: (عرّف الله بيننا وبينكم في الجنة) فنحن ندخلها ضمن هؤلاء الأربعة عشر معصوم (ع).

 بين المكان في الدنيا والمكانة في الجنة

إن المكان في الجنة ليس مثل المكان الذي في الدنيا، فالإنسان مختار في الدنيا أن يتحرك ويذهب من مكان إلى مكان آخر، وهذا لا ارتباط له بمقامات الإنسان، ولكن في الآخرة هناك ارتباط بين المكان والمكانة التي للإنسان؛ بمعنى أن مقام الإنسان هو علة لتحديد مكان الإنسان.

ففي الدنيا الإنسان له الاختيار أن يكون حيثما يريد؛ فالحركة البدنية هي التي تحدد للإنسان أين يريد أن يكون، بينما في الآخرة تتحدد درجته في الجنة بناءً على درجة الإيمان والعلم والمعرفة، فهي التي تحدد كينونة الإنسان في الجنة، فبقدر ملكات الإنسان العلمية وبقدر تمكنه من الطاعات والعبادات والتقوى يكون مكان الإنسان في الجنة؛ ولذا فقد ورد في الرواية أنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: “أقرأ وارق”(٥) فبقدر ما يعرف من القرآن وعلومه هو يرقى في الجنة، فالجنة درجات؛ يقول الله سبحانه وتعالى: (أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الأنفال: ٤.

(من لهم درجات) في ضيافة (من هم درجات)

لا شك أن هناك قرائن لبية تفيد أن النبي (ص) والصديقة الزهراء (ع) والمعصومين من أولادها (ع) لا يضاهيهم أحد، ولا يشترك معهم أحد في الحقوق، ولكن هناك من يكون في ضيافة هؤلاء المعصومين (ع) الذين لهم أعالي الدرجات بل هم أنفسهم وذواتهم درجات، كما يعبر أستاذنا الشيخ جوادي آملي فتلاميذهم الذين وصلوا إلى الحقائق يكونون معهم، ولذلك فالدرجات تكون لهم (ع) بالذات كما أنهم (ع) درجات؛ هناك فرق بين هم درجات وبين ولهم درجات(٦).

فهم درجات لأنهم اتحدوا مع كل الحقائق فأصبحوا مدارًا للحق، الحق يدور مدارهم، بينما الإنسان السالك الذي لم يصل لهذه المقامات والدرجات العالية، فله درجات بمقدار ما ارتبط واتصل بالحقيقة ووصل في طريقه للبحث عن الحقيقة لمرحلة من المراحل.

إننا عندما نطلب من الله- سبحانه- أن نكون معهم (ع) في الجنة، فمعنى ذلك أن المعصومة (ع) مع أهل البيت في هذا المقام، لهم (ع) الأصل وهي الفرع، هم لهم بالذات، وهي لها بالعرض، وهذه مسألة ثانية تختلف عن كلامنا حول الدرجات؛ ولذلك نجد أن القرآن الكريم يؤكد أن الجنة هي غرفات (لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ (20)) سورة الزمر ففي الجنة توجد غرفات، والغرف جمع غرفة وهي بمعنى المنزلة الرفيعة، وعندما نطلب أن نكون معهم في الجنة أو أن يوفقنا الله بأن يُعرّف بيننا وبينهم في الجنة، فهذا أمر له ارتباط بالمقامات والدرجات العليا فهو لا يتحقق لنا، لأن الداني لا يصعد للعالي؛ إنما العالي ينزل للداني؛ فلا يمكن لصاحب الدرجة الأدنى أن يصل لصاحب الدرجة الواقعية العالية والمقام العالي الحقيقي؛ فليس لديه إمكانية ولا قدرة.

 إنّ الله -تعالى- يعرف بيننا وبينهم في الجنة بأن يتفضلوا علينا و يزورونا (ع) حيث نكون في الجنة، ينزلون حيث مراتبنا، وزيارتهم لنا لها علاقة وتأثير كبير على علمنا ومعرفتنا وإدراكنا لفضائلهم.

 2- (وأوردنا حوض نبيكم)

  وفي الحديث عن المقام الآخر نجد أننا في الزيارة لها (ع) نطلب طلبًا (وأوردنا حوض نبيكم)(٧)

فكيف يمكن أن يوردنا الله تعالى حوض النبي (ص)؟ و كيف نمشي في الجنة إلى أن نرد حوض النبي (ص)؟

ليس المراد بأن نمشي بأقدامنا بل المراد أن نصل لمقام حتى نرد الحوض.

إن حوض النبي (ص) لا يصل إليه الإنسان إلا بمعرفة القرآن والعترة فهما الموصلان للحوض و لن يفترقا حتى يردا على رسول الله (ص) الحوض، ومن تركهما ضل الحوض ومن تمسك بهما وصل إلى حوض رسول الله (ص)، وفي الزيارة عندما نقول: “وأوردنا حوض نبيكم”  فالإنسان لا يرد حوض النبي ما لم يتمسك بالقرآن والعترة  فلا يرد على الحوض تاركٌ للقرآن والعترة(٨).

يقول رسول الله (ص): (إني تارك فيكم الثقلين مالم تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(٩) وهذا الحديث من أقوى الأحاديث سندًا وبالخصوص عند أهل السنة.

إذن المقدمات الواقعية تقول لنا عندما نطلب الورود لحوض النبي (ص) علينا أن نسلك طريق القرآن والعترة؛ وهنا يمكن أن نطبق مسألة في الواقع الخارجي فإذا قرأنا تاريخ قم، عرفنا من جهة أن قم أصبحت قم بالسيدة المعصومة (ع)، ومن جهة ثانية إذا درسنا تاريخ انتشار معارف القرآن والعترة لا يمكن أن نتجاهل (أي نغمض العين ونغض الطرف) عن الحركة العلمية في قم وانتشار المعارف القرآنية ومعارف العترة الذين نطلب في الزيارة أن يوردونا على الحوض (وأوردنا حوض نبيكم).

بركات وجود السيدة المعصومة (ع) على قم

 لا يمكن أن نقرأ الحركة العلمية والمعرفية والدينية والتطبيقية المنتشرة بعيدًا عن قم، وقم أصبحت بهذه المكانة ببركة وجود السيدة المعصومة (ع)، فوجود السيدة وتمركزها فيها كان له أثر كبير في الحركة العلمية والفكرية والعملية لانتشار الإسلام والدين والمذهب.

وإذا أنشأنا خارطة واعتمدنا حركة الفقهاء وحركة الكتب والتأليف والتدريس سوف نجد أن قم لها حصة أساسية من المبدأ في التأصيل والتأسيس للمذهب، لقد رَقّم بعض المراجع الحركة العلمية لانتشار المذهب في قم، فكان أول كتاب في الفقه الشيعي التأسيسي للمحدثين  في قم؛ وإن أول الكتب التي كتبت وألفت ودرست في قم كتاب نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمي، ثم بعد ذلك كتاب بصائر الدرجات لأبي جعفر محمد بن حسن، ثم كتاب علل الشرائع  للصدوق القمي، ثم إذا تتبعنا ورأينا حركة الصدوق القمي حيث ذهب إلى بغداد التي كانت في تلك الفترة حاضرة من الحواضر الشيعية، عند ذلك درّس الشيخ المفيد، وغير خافٍ علينا من هو الشيخ المفيد ومن هم تلامذته الكثر الذين نشروا المذهب.

 إذن فقم حاضرة مركزية بالنسبة لمعارف القران والعترة، مع أنها بالقياس للمدن التي حولها، ليست بأفضل منها من حيث الطبيعة، الماء، الهواء، ومن حيث أمور كثيرة، فما الذي يجعل الآلاف من الطلاب المحققين الباحثين عن الحقيقة والمعرفة يغضون الطرف عن هذه النقائص ويسكنون قم لطلب العلم، لا لشيء زائد فيها إلا المعرفة، والتي تجعل الإنسان بسهولة لا يرى تلك النواقص، لأن فيها زيادة واقعية وهي زيادة في العقل والعلم والمعرفة.

  فبالالتصاق بالأمور الروحية ، فإن هؤلاء الذين يأتون إلى قم يستمعون للمعارف ويتبعون أحسنها، إن المحور في ذلك هو وجود السيدة المعصومة (ع)، فهناك هدف عالٍ يدفعهم بالرغم من آلاف المشاكل؛ وهو البحث عن أحسن القول واتباعه، وهذا يجعل الإنسان لا يلتفت إلى هذه النقائص لأن قم لها موقعية فكرية عالمية ولذلك فالجميع ينهل منها.

إن معرفة مقام السيدة المعصومة (ع) والمرتبط بحقها،  يجعل حركة الإنسان ملتصقة بالحركة العلمية وبالتوسع في انتشار المعرفة القرآنية ومعرفة العترة والامتزاج مع الولاية.

اتباع الأحسن طريق الشفاعة

إذا عرف الإنسان هذه المقامات وأصبح عارفًا بحقها، وأدى حقها (ع)؛ فهذا نتيجة التمسك بالقرآن والعترة ونتيجة معرفة المقامات العالية والاعتقاد بها حينها ينال الشفاعة، فالشفاعة قد تنال بالعمل الصالح؛ ولكن أعلى مراتب الشفاعة ما تنال بالعقيدة الصالحة والمعارف الحقة؛ لأن الشفاعة تنال بالدين المرضي المقبول من الله -تعالى – فعلو المعارف هي أرضية لعلو وارتفاع العمل، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ) فاطر: 10.

الكلم هو العقيدة والتوحيد؛ والعمل الصالح يرفعه فلو طبقنا المعاني الواردة في الزيارة على الآية التي افتتح بها الحديث والتي تصف الباحثين عن الحقيقة بأولي الألباب وتبشرهم بالسرور والفرج وبأن لهم البشرى (فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) يستمع القول أي يستمع كل الأقوال فهناك حرية في الرأي، وحرية في الفتوى، فتستمع لكل المناهج الكلامية والعقائدية والتفسير والفقه ثم تعرف كيف تنتخب أحسنه، وهذه هداية من الله-تعالى-ۤ “أُولَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُولَـٰۤىِٕكَ هُمۡ أُولُوا ٱلۡأَلۡبَـٰبِ” “لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ”

 فنحن عندما نطلب من الله – تعالى – في زيارتها (ع) أن نكون عارفين بحقها وأن يعرّف الله – تعالى- في الجنة بيننا وبين محمد وآل محمد- صلوات الله عليهم وعندما نطلب من الله أن يوردنا حوض نبيه (ص) فلا يمكن أن نرده ونحن جهلاء، فالجهل وإنكار الحقائق وعدم البحث عن حقائق القرآن لا يُورد أحدًا الحوض؛ ولو افترضنا أن هذه الزيارة موضوعة، وقد وضعها أحد العلماء، فإن الواقع الخارجي يؤكد على هذا المعنى .

إذا عرف الإنسان هذه المقامات وعرف مسؤوليته تجاهها فلا شك أن هذا الإنسان سوف ينال الشفاعة، وكم فارق بين أن يأتي الإنسان يوم القيامة فردًا، أي لوحده ومن يأتي الله -تعالى – مع شفيع “وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا” مريم: 95، “يا فاطمة اشفعي لي في الجنة فإن عندك من الله شأن”(١٠) فلا عمل الإنسان  يدفع عنه النار، ولا عقيدته، فإذا أفرد نفسه باتجاه عدل الله تعالى واتجاه قدرته يهلك “لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا “ مريم:87 فمن اتخذ عند الرحمن عهدًا وصلح دينه وعقيدته، فهذا لا يأتي الرحمن فردًا؛ وإنما يأتيه مع شفيع(١١).

 إن مقام الشفاعة هو بالأصل لله- تعالى- إنما يكون الإنسان شفيع عندما يظهر فيه فعل الله فمن اتخذ عند الرحمن عهدا، ملك الشفاعة بعهد من الله، والله لا يخلف الميعاد وهذا العهد معطى للمقربين من الله -تعالى- “وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ” الزخرف: 86.

إذا استطعنا ان نزور السيدة (ع) عن قرب أو عن بعد، سواءً كنا في قم أو خارجها، ففي الحالين مطلوب منّا أن نتعرف على حقها صلوات الله عليها؛ لأنه بمعرفة هذا الحق وهذه المقامات التي لها؛ يهبنا الله -تعالى- الجنة؛ ومعرفتها تتوقف على الالتزام بالثقلين واتباعهما لنكون مصداقًا لمن يتبع أحسن القول لكي يرد الإنسان على الله -تعالى- الحوض ويُسقى بكأس جدها (ص).

نسأل الله -تعالى-  أن يرزقنا في الدنيا زيارتها، وفي الآخرة شفاعتها.

والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


  1. عَنِ الصَّادِقِ ع قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ حَرَماً وَ هُوَ مَكَّةُ وَ لِرَسُولِهِ حَرَماً وَ هُوَ الْمَدِينَةُ وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَماً وَ هُوَ الْكُوفَةُ وَ لَنَا حَرَماً وَ هُوَ قُمُّ وَ سَتُدْفَنُ فِيهِ امْرَأَةٌ مِنْ وُلْدِي تُسَمَّى فَاطِمَةَ مَنْ زَارَهَا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ [المجلسي،  بحار الأنوار ، ج ٩٩، ص ٢٦٧]  -عن عَلِي بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا ع عَنْ زِيارَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع فَقَالَ مَنْ‏ زَارَهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ. [القمي، ابي جعفر الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج١، ص ٢٢٩]  -عَنِ ابْنِ الرِّضَا ع قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرَ عَمَّتِي بِقُمَ‏ فَلَهُ‏ الْجَنَّة. [القمي، أبي القاسم بن قولويه، كامل الزيارات، ص ٥٣٦].
  2. كنافلة الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو كنافلة صلاة الليل وهي إحدى عشرة ركعة، ثمان منها صلاة أو نافلة الليل، ثم ركعتان صلاة الشفع، ثم ركعة صلاة الوتر وفيها استغفار(70) مرة، و(300) العفو، أو كصيام  ثلاثة أيام من كل شهر.
  3. هناك خطاب وهناك توجيه لمعرفة حقها، فلا يُعرف حقها (ع) إلا بمعرفة مقامها؛ لأن الحقوق تتولد عن معرفة المقامات.
  4. المجلسي، بحار الأنوار، ج٩٩، ص٢٦٦.
  5. -عن رجل عن حفص بن غياث قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول للرجل: أتحب البقاء في الدنيا فال نعم قال ولم؟ قال لقراءة قل هو الله فسكت عنه ثم قال من بعد ساعة يا حفص من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع الله به درجته فان درجات الجنة على قدر عدد آيات القرآن فيقال لقارئ القرآن اقرأ وارق. [ثواب الأعمال – الشيخ الصدوق – الصفحة ١٢٩].  -عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تعلّموا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة صاحبَه في صورة شابّ جميل شاحب اللون فيقول له القرآن: أنا الّذي كنت أسهرت ليلك وأظمأت هواجرك وأجففت ريقك وأسلت دمعتك أؤول معك حيثما ألت… فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويُعطى الأمان بيمينه والخلد في الجنان بيساره ويُكسى حلّتين ثمّ يقال له: اقرأ وارق، فكلّما قرء آية صعد درجة ويكسى أبواه حلّتين إن كانا مؤمنين ثمّ يقال لهما: هذا لما علّمتماه القرآن” [الشيخ الكليني- الكافي-ج٢، ص٦٠٣].
  6. توجد أكثر من محاضرة للأستاذة الفاضلة تم فيها إيضاح وشرح هذا المعنى.
  7. المجلسي، بحار الأنوار، ج٩٩، ص٢٦٦.
  8. إن الإنسان إذا توسعت مداركه وتعرف على القرآن والعترة وتمسك بالقرآن والعترة علمًا وعملًا، فإنه لن يضل وسوف يرد على رسول الله (ص) الحوض ومن ترك القرآن والعترة فمحال أن يرد الحوض.
  9. “حديث الثقلين” من الأحاديث المشهورة والمعروفة بين علماء السنة والشيعة، الحديث روته مصادر أهل السنة المعتبرة، مثل “صحيح الترمذي” و”النسائي” و”مسند احمد” و “كنز العمال” و”مستدرك الحاكم” وغيرهم وكما ينقل صاحب السيرة الحلبية، ج٣٣، ص٣٠٨ أن الحديث نقله عدد كبير من الصحابة لا يقلون عن ثلاثين من أصحاب رسول الله(ص)
  10. المجلسي، بحار الأنوار، ج٩٩، ص٢٦٦.
  11. روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : إن لله حرما وهو مكة ، ألا إن لرسول الله حرما وهو المدينة ، ألا وإن لأمير المؤمنين حرما وهو الكوفة ، ألا وإن قم الكوفة الصغيرة . ألا إن للجنة ثمانية أبواب ثلاثة منها إلى قم ، تقبض فيها امرأة من ولدي اسمها فاطمة بنت موسى ، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم. [التستري، مجالس المؤمنين، ج١، ص١٦٨].

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬124 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها