تقدم القراءة:

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٢

الأحد 24 أبريل 2022مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(2)

 بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا رسول الله وعلى الصدّيقة الطاهرة، وعلى الأئمة المعصومين، عظم الله لك الأجر يا رسول الله، عظم الله لكِ الأجر يا مولاتي يا فاطمة الزهراء، عظم الله لكم الأجر أئمتي وسادتي ﴿؏﴾، لمراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، الشيعة المؤمنين حار العزاء، في سيدهم ومولاهم أمير المؤمنين ﴿؏﴾

عالم الوجود وألم الفقد العظيم

في هذه الليلة موجودات العالم كلها تضج بنداء، تهدمت والله أركان الهدى، وانفصمت العروة الوثقى(1)، ووحده الإنسان الظلوم والجهول بشأن الولاية، النائمٌ في غفلته، لا يسمع هذا النداء، أمّا الموالي الواعي واليقظ فهو يشارك عالم الموجودات الألم والحسرة على فقد أمير المؤمنين ومولى الموحدين ﴿؏﴾.

لقد أنقذ علي ﴿؏﴾ الوجود بأسره من حضيض الفقر والحاجة، ومن شفا جرف الهلكات، وضرب عليهم خيمة الرحمة المطلقة، وأعاد مسيرة الوجود والإنسانية من غربة الجهل، إلى مواطن المعرفة؛ فهو الحافظ لهذا الوجود، من كل شر وضر؛ وعندما يفقد فجأة؛ فإنّ كل بيت الوجود تصدع وكما تحدثنا في الليلة السابقة حول المشرعة الأولى وأنها معرفة أسماء الله وبيّنّا أهمية رؤية أسماء الله بالقلب وأن ذلك مما يطهر القلب ويزيل الرين ويغرق العبد في التوحيد في هذه الليلة نكمل بالحديث عن المشرعة الثانية للتوبة والتحصين بالتوحيد وهي معرفة وتولي ذلك الولي الذي يظهر ويجلي تلك الأسماء الإلهية.

وما دمنا نتحدث عن عظمة هذا الفقد وألم المصاب فقد ترد على الذهن شبهة، تجعل الإنسان لا يرى عظمة هذا المصاب الجلل، وهي وجود الحسن والحسين ﴿؏﴾ بعد أبيهما؛ ولكن الحقيقة؛ إنّ عليًا شيْ آخر، فهو معلمهما ومرجعهما، ولا غنى لهما عنه.

في هذه الليلة تذهب بهما وبالبيت العلويّ الهموم مذاهبها، فقد ورد في الرواية عن ذكر حالهم عند حمله لمصلاه ﴿؏﴾ في المنزل: “وهم في أمر عظيم باكين محزونين، قد أشرفوا على الهلاك من شدة البكاء والنحيب، ثم التفت إليه الحسين ﴿؏﴾ وهو يبكي. فقال له: يا أبتاه من لنا بعدك؟ لا كيومك إلا يوم رسول الله -ص- من أجلك تعلمت البكاء، يعز والله علي أن أراك هكذا، فناداه ﴿؏﴾ فقال: يا حسين،  يا أبا عبد الله ادن مني، فدنا منه وقد قرحت أجفان عينيه من البكاء، فمسح الدموع من عينيه ووضع يده على قلبه وقال له: يا بني ربط الله قلبك بالصبر، وأجزل لك ولإخوتك عظيم الأجر، فسكن روعتك واهدأ من بكائك، فإن الله قد آجرك “(2)

بين رباط العلماء على الثغور ورباط علي ﴿؏﴾

ولتقريب صورة ذلك الفقد العظيم لأمير المؤمنين ﴿؏﴾؛ يمكن أن نعرض تجربتنا الروحية كمتدينين هو وجود المراجع العظام والعلماء في حياتنا ونضعها تحت المجهر؛ فقد كان وما زال لعلمائنا الربّانيين دور أساس وريادي، -على الأقل- في دفع الضر والشر عن الأمة، وكما ورد عن صادق العترة ﴿؏﴾: “علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن أبدانهم”(3)

وهذه الرواية رائعة، حيث تصف العلماء بكونهم المرابطين، والجندي المرابط في الثغر لا يترك موقعه(4)، فهم مرابطون في موقع عفاريت وشياطين الإنس والجن، وهم يسعون بنحو دائمٍ لدفع الشبهات التي يلقيها الشياطين لأوليائهم، يقول الله ﷻ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ الأنعام: 121
فهو كالإلهام؛ فالشياطين يلهمون أوليائهم كما الملائكة تلهم المؤمنين، وبنحو واسع، حيث إن طمعهم لا يتوقف عند حد، فعمل الشيطان إلقاء الشبهات، حيث يتدرّج، فيكون طمعه بادئ ذي بدء بحرف عقيدة الإنسان المؤمن، فيشككه بدايةً في التوحيد فإن لم يستطع ففي أسماء الله وصفاته ﷻ، ثم العدل والنبوة، وفي باقي عقائده، فإذا عجز عن التأثير في خدش أو الاقتصاص من عقيدة الإنسان، نزل إلى ساحة فكره، ليعمل في ذهن الإنسان، فيحرف أفكاره وتصوراته، كي لا يعيش وهج العقيدة، فيوسوس له، ويلقي حبائله من الأوهام؛ فلا يصبح الإنسان مثابًا على عقائده وأفكاره النظيفة.

فإذا عجز عن السيطرة عمن هم في الدائرة المحصنة بالحكمة والمعرفة والولاية، ذهب لساحة أنزل وأدون منها، ودخل للجانب الأخلاقي، وسعى لإشغال الإنسان عن محاسن الأخلاق وفضائلها، فقد يكون الإنسان عالمًا، ولكنه يستخف ويشكك بنوايا الآخرين.
فإن لم يستطع أن يحول دون تكامل الإنسان بحرفه أخلاقيًا، نزل لساحة ذاته واستمال جانب غروره، ثم ينزل إلى الهمز واللمز والنفث، وهكذا ينزل بالإنسان إلى أسفل سافلين، والغرض منه إضعاف همته وتعجيزه وتثبيطه عن إتخاذ المواقف وأداء التكليف؛ فأولياء الشيطان وعفاريته من الجن والإنس كثيرة، وتعمل في مختلف الأودية، في العقائد، وفي الفكر، وفي السياسة، وغيرها من الساحات؛ لذلك نقرأ في الأدعية النهارية لشهر رمضان المبارك “وأعذني فيه من الشيطان الرجيم، وهمزه ولمزه، ونفثه ونفخه، ووسوسته وتثبيطه وبطشه، وكيده ومكره، وحبائله وخدعه وأمانيه وغروره، وفتنته وشركه، وأحزابه وأتباعه وأشياعه، وأوليائه وشركائه، وجميع مكائده”(5)، وهذه المعاني ليست مترادفة، ففي كل موقع للشيطان وجود.

إنّ من يدفع عنا الشيطان، والوساوس، والشبهات، هم العلماء الربّانيون والمرابطون في الثغور؛ الذين يقومون بدورهم في بناء العقيدة والحكمة، والوعظ والإرشاد، وشحذ الهمم.
لو افترضنا أن هؤلاء العلماء والمفكرين والمرجعيات من المؤمنين والمرابطين في الثغور والمدافعين عنا في قبال العدو الذي يريد إغراقنا في مشاريعه المنحرفة قد تمت مداهمتهم والقضاء عليهم جميعًا في ليلة واحدة؛ حتمًا ستكون كارثة يصعب تصورها؛ فهم السدّ المنيع والمعين على العيش في هذه الدنيا الدنية.
فكيف لنا أن نتصور عمق فاجعة فقد أمير المؤمنين ﴿؏﴾، فهو ليس صرف عالم، أو مجرد حكيم، أو مجاهد، ولا ركن من أركان الهدى؛ بل هو كل أركان الهدى، فقد تحمل تربيتنا وتعليمنا، وتوجيهنا وتنويرنا، كما قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وحارب وطرد شياطين الجن والإنس عنا، وقطع قدرتهم على الوسوسة والنفث والتثبيط، كما ورد في بعض الروايات، وهو قليل مما علمنا.

أمير المؤمنين ﴿؏﴾ مظهر تجلي فاعلية ربوبية الله

كما تجلّت في رسول الله m؛ تجلّت في أمير المؤمنين ﴿؏﴾ فاعلية ربوبية الله ﷻ، وحقيقة التوحيد، وربط كل الكائنات بربها وبارئها، من خلال موقعه، وبيانه، وجهاده، وتضحياته، وهذا ما لم يتجلى في غيره من نبي أو وصي.

فأمير المؤمنين ﴿؏﴾ ليس مظهرًا لأسماء الله ﷻ فحسب؛ بل هو مظهر لتعادل أسمائه الإلهية الجمالية والجلالية؛ فعليٌ ﴿؏﴾ كما تجلّى فيه اسم القابض تجلّى فيه اسم الباسط، وكما هو المنتقم من الكافرين، هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهو الإسم الإلهي رمضان كما بيننا ذلك في الدروس السابقة(6)  ، وهو الممسك والمعطي، فكل الأسماء الإلهية في علي ﴿؏﴾ في موقع  الكامل العدل.

ولا تكلف في هذا القول بارتباط الوجود العلويّ بأسماء الله ﷻ، كما أنّ هناك نصوص وأدلة كلامية تثبت ذلك.

فأسماء الله ﷻ تعود إلى عين ذاته، والعدل بالنسبة لله ﷻ هو مقتضى الذات الإلهية، وليس وصفًا طارئًا أو بمقتضى علّة خارجية، لأنه ليس هناك أحد يؤثر على الله ﷻ ليكون عادلًا، فالذات الإلهية له ﷻ هي المؤثرة على كل ما في الوجود؛ وعندما نقول إن الله ﷻ عدل، أيّ إنه ﷻ مصدر العدل.

 الكمالات صفات ذاتية في علي ﴿؏﴾ والجميع يفتقر إليه

أحسن صفات الإنسان غالبًا ما تكون عارضة ومضافة بالنسبة إليه، قد جاءته من الخارج؛ فعندما يقرر أن لا يظلم مثلًا؛ ذلك لوجود ما يخافه ويخشى عقابه -خارجًا- من قوة أو سلطة في حال صدور فعل الظلم منه.

فالذي يردع الإنسان المؤمن بالله ﷻ مثلًا عن اقتراف الظلم؛ هو إيمانه باليوم الآخر، وخشيته من عذاب الله ﷻ على أقل تقدير، ومن الخذلان يوم القيامة، يقول الله ﷻ: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يوسف: 23، ويقول ﷻ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ طه: 111؛ لذا فهو يتقي ويخشى العذاب ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ الزمر: 24، وفي رتبة أعلى؛ قد يكون دافعه نحو العدل هو الطمع في الجنة؛ فالمؤمن بالله ﷻ قد يتعامل بالعدل -على أحسن التقادير- لكن اتصافه بالعدل ليس ذاتيًا، فإن يصبح من العدول، وتتولد لديه الرغبة في مرضاة الله ﷻ؛ ذلك كونه يخاف النار ويريد الجنة(7) وبالعموم فإن ما قد يدفع الإنسان نحو العدل ملايين البواعث والدوافع الخارجية.

فمن يدّعي أنّه أصبح عادلًا بذاته بعيدًا عن تلك العوامل والمؤثرات الخارجية، وليس بسبب ضغط خارجي، أو أنه لم يتعلم العدل من أحدٍ كي يصبح عادلًا، فهذا مدّعى كبير ليس عليه دليل.

عندما يقول رسول الله m: “أقضاكم علي”(8)؛ فهو بذلك يعلمنا أنّ علي ﴿؏﴾ كامل، وغيره ناقص، وعندما يقول m: “علي أعلمكم علمًا”(9) “واعدلكم في الرعية”(10)

فهو من جانب يُبين مقامات أمير المؤمنين ﴿؏﴾، وغناه عن الجميع غير الله ﷻ؛ إذ ليس هناك من هو أقضى، ولا أعلم، ولا أعدل من علي ﴿؏﴾ إلا الله ﷻ، ومن جانب آخر؛ هو يجلّي لنا حقيقة علي ﴿؏﴾، كما ويكشف لنا ذواتنا ويبين لنا مواقعنا، ويضع أيدينا على حقيقة نقصنا.

فعدالتنا -إن وجدت- هي ليست صفة ذاتية؛ بل طارئة علينا، إذ لا يمكن أن نكون عدلاء بالذات ما دمنا نحتاج إلى من هو أعدل منا في الخارج لندرك حقيقة ومعنى العدل ، كما لا يمكن أن نغدو علماء بالذات؛ وهناك من نحن بحاجة إليه وإلى علمه، فنحن لسنا أعلم النّاس ولا أعدل الناس ولا أفقه النّاس؛ طالما العامل الخارجي هو السبب الذي قد يجعل منا عدولا أو يصنعنا علماء أو فقهاء أو زهاد.

لقد خلق  الإنسان من ضعف، يحتاج إلى من يرشده ويزهده في هذه الدنيا ويفتح عينيه على قبائحها، يحتاج إلى من يؤثر فيه ويصنعه، فالعوامل والمؤثرات الخارجية أقوى منه، وهي التي تصنع وتوجه قناعاته وأفكاره وتبني عقيدته، يحتاج العادل والعالم بالذات؛ أعدل النّاس، وأعلم النّاس، الذي لا يحتاج إلى غيره أو أيّ عامل خارجي ككتابٍ أو معلمٍ كي يعلمه أو يهديه أو يرشده ليصبح عادلًا أو عالمًا، فهو يحتاج إلى الإنسان الكامل كي يصنعه، يحتاج إلى علي ﴿؏﴾.

الآيات المكية والمدنية مقدمات لآية الولاية

كان التدرج في نزول الآيات مقتضى حكمة الله ﷻ في بيان من هو علي ﴿؏﴾ وكي تستطيع الأمة أداء حق موالاته.

بدايةً أرسل الله ﷻ محمدًا m بالدعوة للتوحيد، ومن الشعارات التي رفعها رسول الله m -إمّا بالمضمون أو بالقول-: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”(11)، ثم بعد ذلك نزلت الآيات بالتدريج في التوحيد والعقائد، والأسماء والصفات الإلهية، ثم الآيات التي توضح حقيقة النبوة ومكانتها، واليوم الآخر، فالسور المكية جاءت لتؤسس للعقائد عمومًا.

أما السور المدنية فهي بالتدريج، وكخطوة ثانية بدأت تنزل الآيات التي تتحدث عن الأحكام الشرعية وأهميتها وتفاصيلها، كسوَر المعارف، والقصص، والأنبياء، عندها صنعت هذه الرسالة الإلهية مناخ مناسب لنزول آية الولاية.

ثم بدأ نزول الآيات بالدعوة إلى التوحيد وختمت بولاية علي ﴿؏﴾، ولولا هذه الخاتمة لما كان التوحيد، فكل الآيات التي نزلت في مكة أو في المدينة، جاءت لتهيأ وتصنع بنحو واسع المناخ المؤاتي لنزول آية الولاية، يقول الله ﷻ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة: 3؛ فالقرآن الكريم يصرح ويقول كل ذلك كان مقدمات.

وعليه، نزلت آية التبليغ على رسول الله m ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ المائدة: 67، للتأكيد أيّ إذا لم تبلغ ولاية أمير المؤمنين علي ﴿؏﴾؛ فإن كل المقدمات السابقة ليس منها نفع، وتغدو رسالة التبليغ لغوًا، كالشخص الذي يريد الصلاة لا بُدّ أن يأتي بالوضوء كمقدمة قبل الدخول للصلاة؛ فإن توضأ ولم يصلِّ؛ تصبح المقدمة لغو ولن تنفعه في شيء، أو كالشخص الذي يقصد الحج فلا بد أن يسلك سبيلًا للميقات كمقدمة لقصد الحج.

النبوة والوحي والتشريعات والمنظومة المعرفية مقدمات لمعرفة علي ﴿؏

يريد الله ﷻ أن يرينا عليًا ﴿؏﴾، ويعرفه لنا؛ فعرّف لنا أسمائه وصفاته، والتوحيد والنبوة، وعرّف لنا الحقائق الغيبية، ووضح لنا ماهية اليوم الآخر وشأنه، حتى تتدرج بنا الآيات الشريفة بالنزول وتصنع كل تلك المنظومة المعرفية، كل ذلك ليتمكن المسلمين من فهم واستيعاب وإدراك حقيقة وكنه الولاية ومعرفة من هو أمير المؤمنين ﴿؏﴾.

 وإلا فكل الأعمال، العبادة والجهاد تصبح لغوًا، ما لم تبلغ الولاية موقعها الذي جعله الله ﷻ لها، فإذا وصلنا إلى هذه المعرفة، عرفنا معنى علي ﴿؏﴾ وأدركنا حقيقة ومعنى فقد علي ﴿؏﴾ الذي أظهره الله ﷻ وجلّاه وبيّنه.

كما إن تجربة الإنسان الإيمانية لم تنضج بعد؛ كذلك فإن موقعية علي ﴿؏﴾ في العدل، لم تجرب أصلًا ولم يدرك كنهها بعد؛ فعلي ﴿؏﴾ لم يعطَ الفرصة البتة، فمنذ نعومة أظفاره وهو يكابد ويجاهد مكدودًا في ذات الله ﷻ(12)، والمسلمون كما تصفهم السيّدة الزهراء ﴿؏﴾ في خطبتها الفدكية فتقول: “وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكّفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرّون من القتال” (13)

ولو حاولنا أن نفهم علي ﴿؏﴾ العدل الذي ليس في عدله نقص لتكمله المواعظ والزواجر، أو تكمله المكتسبات الدنيوية والأخروية، من خلال أقواله ومواقفه وهو القائل: “إلهي ما عبدتك خوفًا من عقابك ولا طمعًا في ثوابك، ولكن وجدتك أهل للعبادة فعبدتك” (14)؛ فهذه لا يستطيع أن يدعيها أحد، فقد ندعي ونقول إننا نعبد الله ﷻ حبًا له، لأن فرضية عدم وجود جنة ولا نار لم نعشها، وهي فرضية غير موجودة في الأصل وليست بواقعية، لذا تبقى هذه الدعوى خاطرة في أذهاننا وليست بواقع.

وعلي ﴿؏﴾ الذي يقول: “والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت”(15)؛ فإن هذا المقدار من العدل الواقعي لن نعرفه ولن ندركه؛ ما لم نتعرف على تلك المقدمات، النبوة والوحي والتشريعات، كل تلك ما هي إلا حلقات أولية لمعرفة علي ﴿؏﴾.

كل الوجود صغير أمام علي ﴿؏﴾

في ليلة الواحد والعشرين ظاهرة يذكرها الخطباء كما نقلها أهل التاريخ يلزم أن نتدبر فيها ومفادها: أن الواقفين على باب علي ﴿؏﴾ هم الفقراء واليتامى والأرامل والمرضى والمعوزين، فلماذا هذا التأكيد الدائم على هذا الصنف من النّاس؟!

إن الواقفين على بابه ﴿؏﴾ هم المتلوعين ألمًا لفقده، إذ من السهل هنا كشف عدالة علي ﴿؏﴾ المالية والاقتصادية ورحمته بالضعفاء والفقراء.

والسؤال المهم هنا: أين هم العلماء من الذين يبحثون عن العدالة الدينية والعلمية، والمعنوية والأخلاقية والعرفانية؟

لا يوجد منهم أحدًا، غير صعصعة ابن صوحان كما نقل التاريخ، وهذا في واقعه ظلم وتحجيم لعدالة علي ﴿؏﴾؛ ففقد اليتامى والفقراء والأرامل لعلي ﴿؏﴾ مسألة بينّة وبديهية جدًا، ولكن أين من تلوع لفقده من أرباب العلم وطلاب المعرفة في الإيمان والأخلاق؟

لذلك قد نلحظ كما جاء في الخبر المروي أن بنات علي ﴿؏﴾ الفطنات زينب وأم كلثوم عندما أقبلن عليه، وجلسن عنده على فراشه وقلن: “يا أبتاه من للصغير حتى يكبر؟ ومن للكبير بين الملأ؟ “(16)

فليس معنى ذاك من للصغير حتى يكبر، إشارة لحاجات الصغير للرزق من الطعام والمسكن والمأوى، فهناك الكثير ممن يمكنه القيام بذلك له، كما أنهن لم يقلن من للأطفال أو من للضعفاء، بل من للصغير حتى يكبر؛ كونهن يدركن أن الصغير لا يكبر إلا بتعليم وتربية وتوجيه علي ﴿؏﴾، وأن يزقه علي ﴿؏﴾ بالمعارف العالية، وبالأخلاق الرفيعة الراقية، وبالتوحيد التام في مقام استواء الله ﷻ على العدل؛ وقولهن: من للكبير بين الملأ، فالكبير أيضًا يحتاج علي ﴿؏﴾؛ فكل الوجود صغير أمام علي ﴿؏﴾، وسيبقون صغارًا، وعلي ﴿؏﴾ كبير أمام كل النّاس.

وكما جاء في الخبر ثم إن زينب الكبرى وأم كلثوم قلن :“يا أبتاه حزننا عليك طويل، وعبرتنا لا ترقأ، فضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء والنحيب، وفاضت دموع أمير المؤمنين عليه السلام” (17)

ألا لعنة الله على الظالمين.


  1. قال الراوي: فاصطفقت أبواب الجامع، وضجت الملائكة في السماء بالدعاء، وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة، ونادى جبرئيل عليه السلام بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: ” تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء و أعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم محمد المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء ” [بحار الأنوار- ج٤٢- ص٢٨٢].
  2. بحار الأنوار- العلامة المجلسي- ج24- الصفحة28.
  3. الاحتجاج- الشيخ الطبرسي- ج2- الصفحة155.
  4. مصباح المتهجد- الشيخ الطوسي- الصفحة611.
  5. تفسير الإمام العسكري (ع)، الإحتجاج: بالإسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام. قال: قال جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن أبدانهم. [بحار الأنوار- ج٢- ص٥].
  6. للمزيد مراجعة الدرس ( 15-16 ) من ثمرة أيام النعيم.
  7. وإن كان هذا في الواقع هو مجرد دعاء، لأننا نتعامل وكأن العدل هو ذاتي من ذاتياتنا، ونوهم أنفسنا بأننا نتصف بالعدل فلا نخطأ ولا نشتبه، بل الآخرين هم الذين يشتبهون.
  8. بحار الأنوار- العلامة المجلسي- ج40- الصفحة150.
  9. مناقب آل أبي طالب- ابن شهر آشوب- ج1- ص313.
  10. المناقب- الموفق الخوارزمي- الصفحة 111
  11. مناقب آل طالب -ج1 – ص51.
  12. فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله)، أو نجم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، و مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيد أولياء الله، مشمرا ناصحا، مجدا كادحا،….. [الخطبة الفدكية بحار الأنوار ج٢٩ ص٢٢٤].
  13. من أراد الرجوع لبعض مصادر الخطبة الفدكية للسيدة الزهراء عليها السلام يمكنه الرجوع لكتاب بلاغات النساء- لابن طيفور- ص12، شرح نهج البلاغة -لابن أبي الحديد المعتزلي -ج16- ص252، بحار الأنوار- للعلامة المجلسي- ج29- ص215.
  14.  بحار الأنوار- العلامة المجلسي- ج41- الصفحة 14
  15. نهج البلاغة- للشيخ محمد عبدة – خطب الإمام علي(ع)- ج2- الصفحة218.
  16. بحار الأنوار- العلامة المجلسي- ج42- الصفحة289.
  17. بحار الأنوار- العلامة المجلسي- ج42- الصفحة289.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬121 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها