ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أسير فك رقاب المسلمين

تقدم القراءة:

أسير فك رقاب المسلمين

الأحد 26 رجب 1443صباحًاالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

لرسول الله -ص- وللصديقة الطاهرة، ولأمير المؤمنين وللأئمة المعصومين عليهم السلام سيما خاتمهم -عجل الله فرجه- ولمراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، والمؤمنين الموالين حارّ العزاء بشهادة الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر﴿؏﴾ وصي الأبرار، وإمام الأخيار، وعَيبة الأنوار، ووارث السكينة والوقار، والحكم والآثار، الذي كان يحيي الليل بالسهر إلى السحر بمواصلة الاستغفار، حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضراعات المتصلة، ومقر النهى والعدل، والخير والفضل، والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر، والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذب في قعر السجون وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود، والجنازة المنادى عليها بذل الاستخفاف، والوارد على جده المصطفى وأبيه المرتضى ….(١)

وصل بنا الحديث في شأن أصحاب أهل الكهف إلى قوله تعالى:

“وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًا شَطَطًا” الكهف: 14.

قصص الأولياء وسيرهم طريق لمعرفة الأئمة ﴿؏﴾

إنّ أحد طرق معرفة سيرة الأئمة ﴿؏﴾ هو معرفة سيرة أولياء الله، الذين مدحهم الله -سبحانه- وأثنى عليهم، وقص أهم مجريات حياتهم في القرآن الكريم؛ لأنه أينما ذُكر وصَدر الخير من أحدٍ، وفي أي زمانٍ وبالخصوص في هذا الكون فأصله ومنبته من آل محمد ﴿؏﴾.

“إِنْ ذُكِرَ الْخَيْرُ كُنْتُمْ أَوَّلَهُ وَأَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَمَعْدِنَهُ وَمَأْوَاهُ وَمُنْتَهَاهُ” (٢)

يقص الله -سبحانه- في كتابة العزيز قصة أصحاب الكهف فيقول: “نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ” الكهف: 13-14

“نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ” مهما كان الإنسان صادقًا فإنه لن يستطيع أن يركز عند ذكر تلك القصص والأحداث على البعد الحقاني فيها؛ إذ أنّ أي أحدٍ سيذكر قصة أصحاب الكهف؛ فلن يتمكن من حكاية الأمور الأساسية التي تُصلح شأن البشر والإنسان في استقامته العقائدية والفكرية والاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك؛ في حين أن الله -سبحانه- قد ذكر كل أفعال أصحاب الكهف وأقوالهم  بأحسن الذكر، فلا شأن للصدق في القدرة على نقل الأمور الضرورية والمهمة وحفظها؛ فذات أصحاب الكهف لوتم سؤالهم عمّا جرى لهم ما كانوا ليستطيعوا وصف حالهم لأحد؛ لأن هناك أحوال عايشوها -تُدرك ولا تُوصف-، وبالأخص في الأحوال الروحية؛ فهي من الأمور التي لا يمكن لصاحبها التعبير عنها، ولكن الله -سبحانه- في قرآنه الذي هو تبيان لكل شيء يحكيها بينةً، وهذه مسألة ثابتة في العلوم المعرفية، وخصوصًا في الفلسفة والإلهيات والعرفان.

القيام ونزول الفيض

“إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ “

مما لا شك  فيه إن أهم ما يرموا إليه المؤمن هي زيادة درجة الإيمان، وفي هذا المقطع من سيرة أصحاب الكهف يثبت الله -سبحانه- موقفهم، والسبب الذي أفضى إلى نزول الفيض الإلهي عليهم، وزيادتهم بالهدى، وكذلك الربط على قلوبهم؛ فالسبب وراء ذلك هو قيامهم لله ﷻ.

القيام كمفهوم قرآني

 سوف نقف على تبيان هذه المفردة وبالخصوص في يوم شهادة الإمام الكاظم ﴿؏﴾؛ فهي تمثل بعدًا وعمودًا أساسيًا في فهم الكثير من الآيات القرآنية.

 إن القرآن الكريم عندما يتحدث عن بعض الأفراد والأمم ويصفهم بأنهم (قائمون، قائم، قائمة…..)

“مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ” آل عمران: ١١٣

“وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ” المعارج: ٣٣

فليس المراد بالقيام هو حالة بدنية، إنما هي حالة روحية اجتماعية، سياسية، فكرية؛ وهو ما جعل ذكر أصحاب الكهف خالدًا في الديانات الإلهية، وجعل قصتهم هادية وخالدة للأجيال.

المفهوم الخاطيء للقيام

إن من يلجأ إلى المغارة والكهف لعبادة الله ﷻ وذكره ويسبح بحمده ويوحده كُثُر، لكنهم قاعدون عن مواجهة الجبابرة والظالمين، إن أصحاب الكهف قد خُلِّدوا ليس لأنهم لجأوا إلى كهف لعبادة الله وتوحيده، فالكثير من العباد هم كذلك؛ ولكن آثار الكثير من المنقطعين المتصوفين الذاكرين العابدين قد انمحت؛ إذ أن صرف اللجوء للكهوف والصوامع والعبادة بلا قيام ومواجهة للظالمين لا تستحق الذكر عند الله -سبحانه- وإن الموحد القائم والمقاوم هو الثابت القدم.

وهذه مشكلة أساسية تتكرر دائمًا في كل الديانات والمجتمعات؛ وهي انسجام العبّاد والرهبان مع الظالمين والظواهر الاجتماعية المنحرفة، والقرآن الكريم يحذر منها؛ لأنها تتكرر كثيرًا عبر التاريخ، يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” التوبة: ٣٤

إن الكثير(٣) من الأحبار والرهبان متعبدون ومنقطعون لله – سبحانه- وهذه آفة من آفات التدين في كل العصور وعلى مر الدهور، فمن السهولة أن يعبد الإنسان الله -سبحانه- وهو قاعد، هذه مسألة سلبية في نظر القرآن الكريم، وهنا نريد أن نصحح فهمًا خاطئَا لمعنى مفردة القائم، فليس المراد من القائم هو المقاتل(٤).

الأئمة ﴿؏﴾ كلهم قائمون

في الرواية المروية عن النبي (ص) (ابناي هذان الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(٥)

إذ ليس المراد أن الإمام الحسين ﴿؏﴾ قائم، والحسن ﴿؏﴾ قاعد، فهذا المعنى خاطئ ولا بدّ من تصحيحه؛ فلكل منهما أحوال يكون فيها قائمًا، وفي أحوال أخرى يكون فيها قاعدًا.

يقول تعالى: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” آل عمران: ١٩١

إن الأمير ﴿؏﴾ يطبق هذه الآية على نفسه، فيقول فيّ نزلت؛ فالأمير ﴿؏﴾ وإن كان نائمًا على فراش رسول الله -ص- لكنه كان قائمًا(٦) 

“إمامان قاما أو قعدا”: أي أنهما إمامان في كل شؤونهما وأمورهما وأحوالهما؛ فالأئمة في نومهم، وفي جلوسهم هم أئمة ولديهم وظيفة يؤدونها، فهم قائمون وإن كانوا بحسب الظاهر نيام؛ كما في حادثة مبيت أمير المؤمنين ﴿؏﴾ فقد كان بحسب الظاهر نائم في سرير رسول الله -ص- لكنه كان قائمًا حقيقة وواقعًا.

كما جاء في الزيارة المشهورة للإمام الرضا ﴿؏﴾ والواردة في الكتب المعتبرة (٧)

“اللّهُمَّ صَلِّ عَلى الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ سِبْطَي نَبِيِّكَ وَسَيِّدَي شَبابِ أَهْلِ الجنَّةِ القائِمَيْنِ فِي خَلْقِكَ وَالدَّلِيلَيْنِ عَلى مَنْ بَعَثْتَ بِرِسالاتِكَ وَدَيّانَي الدِّينِ بِعَدْلِكَ وَفَصْلَي قَضائِكَ بَيْنَ خَلْقِكَ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَبْدِكَ القائِمِ فِي خَلْقِكَ وَالدَّلِيلِ عَلى مَنْ بَعَثْتَهُ بِرِسالاتِكَ وَدَيَّانِ الدِّينِ بِعَدْلِكَ وَفَصْلِ قَضائِكَ بَيْنَ خَلقِكَ سَيِّدِ العابِدِينَ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ عَبْدِكَ وَخَلِيفَتِكَ فِي أَرْضِكَ باقِرَ عِلْمِ النَّبِيِّينَ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ عَبْدِكَ وَوَلِيِّ دِينِكَ وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ الصَّادِقِ البارِّ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُوسى بْنِ جَعْفَرٍ عَبْدِكَ الصَّالِحِ وَلِسانِكَ فِي خَلْقِكَ النَّاطِقِ بِحُكْمِكَ وَالحُجَّةِ عَلى بَرِيَّتِكَ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى عَلِيٍّ بْنِ مُوسى الرِّضا المُرْتَضى عَبْدِكَ وَوَلِيِّ دِينِكَ القائِمِ بِعَدْلِكَ وَالدَّاعِي إِلى دِينِكَ وَدِينِ آبائِهِ الصَّادِقِينَ صَلاةً لا يَقْوى عَلى إِحْصائِها غَيْرُكَ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عبَدْكِ وَوَلِيِّكَ القائِمِ بِأَمْرِكَ وَالدَّاعِي إِلى سَبِيلِكَ… الخ”

فكلًا من الإمامين الحسن والحسين -عليهما السلام- قائم، وليس أحدهما قائم والثاني قاعد، وليس واحد من الأئمة ﴿؏﴾ قاعد، بل كلهم قائم، وفي الرواية (كلنا قائم بأمر الله)(٨) فالقعود بمعناه المذموم -وهو ترك الجهاد في سبيل الله تعالى بنحوٍ من الأنحاء- لا يوصف به الإمام المعصوم، فالجهاد والقيام له أشكال وأنواع وأنحاء، والأئمة ﴿؏﴾ في كل الأحوال هم قائمون لا يتركون الجهاد.

المستثنون من القيام

يقول الله تعالى: “لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً” النساء: ٩٥

 في الآية الكريمة هناك مقابلة بين القائم والقاعد، كما هو ملاحظ أن القرآن الكريم يذم -بنحو الإطلاق- القاعدين والذين يبررون سبب قعودهم عن الجهاد.

ويستثني من ذلك القيام ثلاثة؛ فقط هم المسموح لهم بالقعود؛ الأعمى، والأعرج، والمريض؛ هؤلاء ليس عليهم حرج، وقد أسقط عنهم نوع من أنواع الجهاد بما يتناسب مع وضعهم الحرجي وليس كل الجهاد.

فالأعمى لا يصلح للذهاب إلى الجبهة والاشتراك في العمل القتالي، ولو قام بذلك لسبب ضيقًا لمؤمنين، كذلك الأعرج والمريض لا قدرة لهم على الخدمة؛ وبرغم ذلك فإن هؤلاء والذين هم من أصحاب الأعذار، عليهم أيضًا الاستئذان في عدم الذهاب من رسول الله -ص- “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ” النور: ٦٢ 

ولم يتدخل أحد في تحديد نوع الحرج إلا الله- تعالى-؛ فهو الذي حدد أصحاب الأعذار بالأعمى، والأعرج والمريض فقط؛ فلو أطلق الله الأمر وقال: وليس على أصحاب الضرر حرج، لرأى كل شخصٍ لنفسه عذرًا، وكما هو معلوم من عادة الناس أن تبرر لنفسها وتختلق الأعذار.

الأمر الجامع وترك الساحات

ونلحظ هنا أن الآية الشريفة تتضمن أسلوب الحصر (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ)؛ فلا انسحاب إلا بتقديم العذر والاستئذان لرسول الله -ص- ولأهل البيت ﴿؏﴾ وللصاحب الجامع ومن يدير الدفة بالأمر الشرعي (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ) فمن يرى رسول الله -ص- أن عذره واقعي وحقاني يأذن له، فالمؤمن في الأمور الاجتماعية قد يرى لنفسه العذر، ولكننا نجد شواهد في التاريخ لبعض الحالات كانت ترى العذر لنفسها؛ ولكن رسول الله-ص- لم يكن يعذرها.

ففي حرب تبوك لم يعذر رسول الله -ص- أحد، بل حتى الجرحى أمرهم بالخروج؛ لأنها كانت حربًا دفاعًا عن الدين؛ وذلك يقتضي حضور ووجود المؤمنين ليكونوا شوكة في عين الكافرين، وأما من أراد التغيب عن المعركة فكان لزامًا عليه الذهاب لرسول الله -ص- وفي محضر المؤمنين ليُعرّف وليبين سبب عدم قيامه مع رسول الله -ص- فلا يحق لأحدٍ أن يُفرد النبي أو يُفرد الإمام في الأمور الاجتماعية، ولا بد أن يتحقق الإمام من معذوريته ثم يعذره.

وهذه كانت مشكلة المجتمع الذي كان يعيش فيه الأئمة ﴿؏﴾ فكان يتعين على الناس أن تدافع عن الإمام الكاظم ﴿؏﴾ حتى لا يبقى في السجن عشر سنوات، وبذلك أصبح جميع المسلمين مأثومين، وعليهم أن يقدموا الأعذار للإمام ﴿؏﴾ حيث أنهم مأمورون بالذب عنه ﴿؏﴾ والقيام معه؛ فليس المراد بالقيام القتال؛ بل العزيمة والانتصاب في أي مورد يرى فيه الإنسان أن فيه خدمة للدين، وإذا قامت جماعة ودافعت وحققت وثبتت هذا الوجود للدين والمذهب؛ فلا يجب على الجميع أن يشتغل في هذا المورد، ولكن مع عدم وجود تثبيت لهذا الدين والمذهب فهو واجب على الجميع.

كما يستفاد من الآيات الشريفة أيضًا أن الأمر الجامع لا يقتصر على القتال، بل كلُ عملٍ فيه تقويةٍ لأهل البيت ﴿؏﴾ وللمذهب كحضور مجالس أهل البيت ﴿؏﴾، وإحياء ذكرهم والذب عنهم، وكالصلاة جماعة، وكل أمر جامع، وليس لأحد أن يترك هذا الأمر الجامع وينسحب من الساحة فلا يحضر، فتنطفىء بذلك شوكة المذهب.

قيام الإمام الكاظم ﴿؏﴾

لقد كان قيام الإمام الكاظم ﴿؏﴾ بالقياس للأئمة ﴿؏﴾ أشبه بقيام الإمام الحسين ﴿؏﴾ لأنه كسر شوكة بني العباس ورغَّم أنوفهم كما فعل رسول الله (ص) بقريش.

إذ كانت قريش ترى نفسها سيدةَ العرب وأشرفهم، وأكثرهم تعبدًا، والعرب كانت تعاملهم كذلك، وتحترمهم وتقدرهم، ثم جاء رسول الله -ص- ورغَّم أنوفهم.

كذلك بنو العباس كانوا يتفاخرون على بني أمية وسائر المسلمين لكونهم أبناء عمّ رسول الله -ص- ولم يكن ذلك للحصول على مقام عند الناس، بل لهم في ذلك مكاسب كثيرة؛ فكل الناس تريد الاقتراب من رسول الله (ص).

وعبر التاريخ وفي قلوب المسلمين كان لقرابة رسول الله -ص- احترامًا خاصّا ومن قبل جميع المسلمين كافة دائمًا وأبدًا؛ لذا فقد جاء بنو العباس واستثاروا قلوب الناس بدعواهم أنهم أبناء عمّ رسول الله (ص)، وربطوا أسماءهم باسم الله ﷻ مقارنة بربط اسم رسول الله -ص- باسم الله -عزوجل-؛ كالمتوكل على الله، والمعتصم بالله، والواثق بالله، والمنتصر بالله، والمعتز بالله، وهذا ليس صرف تقمص لاسم فحسب، بل تقمص لمقام وتثبيت لحكم، فهم لم يستطيعوا القول “بأنهم رسول الله” عمدوا لتسمية أنفسهم بهذه الاسماء لاضفاء نوع من الشرعية، وبمجرد أن هيمنوا على الناس، وبسطوا نفوذهم؛ خلعوا رابطة التدين، ومزقوا قناع الدين، وكشفوا عن وجوههم القبيح، وبعد عهد المتوكل اتجهوا نحو الفساد وبنحو فاضح.

إن الذي أرغم أنف بني العباس وهارون الرشيد بالتحديد، وأثبت للأمة زيف مدعاهم في انتسابهم لرسول الله (ص)، وكشف عن الوجه الواقعي لهم الإمام موسى بن جعفر ﴿؏﴾، وذلك كان في مرحلة قوة بني العباس -وليس خلال فترة ضعفهم-، في الحادثة المعروفة والمشهورة التي نقلتها كتب السيرة، أنه لما دخل هارون الرشيد المدينة وتوجه لزيارة النبي -ص- ومعه الناس؛ تقدم الرشيد إلى قبر رسول الله -ص- وقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن العم، مفتخرًا بذلك على غيره، فتقدم أبو الحسن (ع) فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبتاه، فتغير وجه الرشيد، وتبين الغيظ فيه (٩)

حيث أراد الرشيد بذلك أن يشير إلى قرباته من رسول الله (ص)؛ ليعزز بذلك موقعه في الأمة، ويضفي الشرعية على خلافته؛ وكأنها وصلتهم عن استحقاق (القربى)، فما كان من الإمام (ع) إلا أن يفضحهم وينزع تلك الشرعية المزعومة، كون الإمام ﴿؏﴾ أقرب إليه منه،.

وهكذا كان ديدن الإمام ﴿؏﴾ ومنهجه كشف زيفهم وتعريتهم وتكذيب أحدوثتهم؛ لذا فإن الإمام ﴿؏﴾ وفي موضع وموقف آخر يحتج على هارون بسؤاله “لو أن النبي -ص- نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله ولم لا أجيبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك، فقلت: لكنه -ص- لا يخطب إلي ولا أزوجه فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك فقال: أحسنت يا موسى“.(١٠)

وهكذا لا يزال الإمام (ع) يكسر شوكة العباسيين مرة بعد أخرى، وكُلما كَسَر عزمهم الوهمي، كُسر حاجزُ الخوفِ والرعب في قلوب المسلمين والمؤمنين، فقد ساء ﴿؏﴾ وجوه العباسيين، فحاجز الخوف الذي بناه العباسيون لدى الناس يحتاج إلى من يخترقه وليس هناك أقدر وأشجع وأكثر قيامًا من الإمام موسى بن جعفر ﴿؏﴾.

الإمام الكاظم ﴿؏﴾ أسير فك رقاب المسلمين

هذا القيام للإمام ﴿؏﴾؛ هو من أهم أنواع القيام، كونه تحقير لأهل الباطل وكشف زيفهم وتسخيفهم، وهذا النوع من الكشف للحقائق في واقع الحال يرفع من معنويات المخلصين الصادقين، وأهل الآخرة، ويرغبهم في طاعة الله، وفي العبادات الواقعية: لا الرهبنة والانعزال عن الناس، وتركهم للضياع والتيه والحيرة في اتخاذ المواقف الحقة.

وهذا المنهاج الذي سطره الإمام ﴿؏﴾ بمظلوميته في قعر السجون وظلم الطوامير، وسيرته في مقارعة الظالمين وعدم الركون لأهل الباطل بأي حال من الأحوال؛ فكان الأسير الذي فك قيد كل أسير -أكان داخل السجن أم خارج قضبانه- وقد سقطت يداه بيد أهل الباطل؛ حري بالموالين أن يتخذوه منهجًا ومسلكًا.

وعليه يمكن القول إن كل سجين سُجن في سبيل الله ولأجل الله، هو في الحقيقة سُجن من أجل رسالة يرسلها لنا، وهي الإعراض عن مشاريع الطغاة والمنحرفين، وهذه رسالة يحب أن نقرأها قراءة صحيحة،

إما إذا أصبح العلماء وأهل العقد والرأي من الذين يتوخى منهم أن يتخذوا المواقف الحقة يداهنون أهل الباطل، فبلا شك أن الناس حينها ستضيع وتتيه وتتحير في تحديد اتجاه البوصلة، وتحديد التكليف، واتخاذ الموقف الصحيح، وهذا الموقف غير المسؤول، لا يمكن أن يكون محل قبول من الإمام المعصوم بحال من الأحوال، وهو من القعود المذموم في القرآن الكريم والروايات.

بدن المعصوم ﴿؏﴾ مرقاة لعالم الأنوار

  ورد في رواية عن الإمامين السجاد والكاظم ﴿؏﴾ “والله لوددت لا فتديت خصلتين من شيعتي بساعد يدي”(١١)

إن الأئمة ﴿؏﴾ لم يفدوا شيعتهم بأرواحهم فقط بل بأبدانهم، وبدن المعصوم له قدسية عالية عند الله،(١٢) فالبدن نفسه هو للمؤمنين مرقى للوصول لأعلى الدرجات، وله بركات، وهناك تعبير للفلاسفة في هذا الشأن “هو لبس بعد لبس وارتقاء بعد ارتقاء” ويكون سببًا لفيوضات كثيرة، فما دامت فيه روح المعصوم فهو سلم ومركب لعالم الأنوار.

وعندما يتوفى المعصوم ﴿؏﴾ تبقى له خصوصية عالية كذلك؛، ليست للإمام فحسب ؛ بل لها آثار لكل من توسل بهم، ومن خلال الاطلاع على ما كتب بخصوص الإمام الكاظم ﴿؏﴾ وما جرى عليه، فإن كل من كتب قصيدة في مصيبته وما جرى من استخفاف ببدنه الشريف ﴿؏﴾ قضى الإمام حاجته، ولعل ذلك هو أحد معاني باب الحوائج،

ولقد ركز القرآن الكريم في قضية أصحاب الكهف على هذا المعنى، فالمؤمنون الذين انكشفت لهم كرامة أصحاب الكهف عرفوا هذه الحقيقة؛ فقالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) الكهف: ٢١.

أيّ لنتخذ على هذه الأبدان مكانًا للسجود، معابر لعبودية الله -سبحانه-؛ فهذه الأجساد المقاومة والتي قامت في وجه الباطل فهي التي تبقى، وهي التي  تستحق أن تكون مكانًا للسجود لله -سبحانه-

ولنا أن نتصور حال الإمام الكاظم ﴿؏﴾ وما كان من أمره وهو في السجن، فلربما صعد هارون سطحًا يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه أبا الحسن ﴿؏﴾ فكان يرى أبا الحسن ﴿؏﴾ ساجداً، فقال للربيع: يا ربيع ما ذاك الثوب الذي أراه كلّ يوم في ذلك الموضع؟! فقال: يا أمير المؤمنين، ما ذاك بثوب؛ وإنّما هو موسى بن جعفر ﴿؏﴾ له كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، قال الربيع: فقال لي هارون: أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم، قلت: فما لك قد ضيّقت عليه الحبس؟! قال: هيهات لا بدّ من ذلك!(١٣)

بِنَفسي الذي لاقى مِنْ القومِ صَابراً

            أذىً لَوْ يُلاقي يَذبُلاً ساخَ يَذبُلُ(١٤)

بَعِيداً عنْ الأوَطانِ والأهَلِ لَم

            يَزلْ بِبغدادَ مِنْ سِجنٍ لِآخرِ يُنقَلُ

يُعاني وحَيداً لَوعةَ السِجنِ مُرهِقاً

            ويَرفُلُ بالأِصفادِ وَهو مُكبَّلُ

ودَسَ لهُ السمَّ ابنُ شَاهكَ غيلةً

           فأدركَ مُنهُ الرجسَ ما كان يَأملُ

وَماتَ سَميِمًا حَيثُ لا مُتعَطِّفٌ

           عليهِ ولا حَانٍ هُناكَ  يُعلِلُ

قَضى فَغَدى مُلقىً على الجسرِ نَعشُهُ

            لهُ الناسُ لا تَدنوا ولا تَتوصلُ

ونَادوْا على جِسرِ الرصافةِ حَولَهُ

             نِداءً لهُ السَبعُ الطِباقُ تَزَلزَلُ(١٥)

ألا لعنة الله على الظالمين….


  1. الأنوار البهية – الشيخ عباس القمي – صفحة 206.
  2. الزيارة الجامعة، بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٩٩ – الصفحة ١٥٥، مفاتيح الجنان – القمي – الشيخ عباس –  صفحة594.
  3. ( الكثير هي أكثر من كلمة الأكثر ) فعندما  نقول “أكثر” فهذا  يعني أ، هناك جماعة قليلة، وجماعة أكثر ربما هذا الأكثر يزيدون بواحد أو اثنين أو ثلاثة، ولكن عندما نقول “كثير” فمعنى ذلك أنهم الأكثر والأصل.
  4. لقد تم بيان المعنى والفهم غير الصائب لمعنى الرواية (الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا) في البحث الحسني (سهم وسبعون).
  5. الإرشاد – الشيخ المفيد – ج2 – الصفحة30.
  6. تفسير قوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) .
    نزول قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) في أمير المؤمنين (عليه السلام) حين هاجر من مكة إلى المدينة. [مستدرك سفينة البحار ج٣ ص٤٤٣].
  7. كامل الزيارات – جعفر بن محمد بن قولويه – الصفحة515، عيون أخبار الرضا(ع) – الشيخ الصدوق – ج1- الصفحة301.
  8. الكافي – الشيخ الكليني – ج1- الصفحة536.
  9. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج48 – الصفحة103.
  10. عيون أخبار الرضا(ع) – الشيخ الصدوق – ج2 – الصفحة80، بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج93 – الصفحة240.
  11. الشيخ الحر العاملي – وسائل الشيعة – ج16- الصفحة235.
  12. مقولة الشيخ الجوادي.
  13. عيون أخبار الرضا (ع) – ج1- الصفحة88.
  14. (يذبل) أسم جبل عظيم.
  15. قصيدة رثاء للشيخ محمد علي اليعقوبي.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 56٬867 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٣ 5 (1)

إن ولاية الله ﷻ منحصرة، وليس لأحد أن يأخذها إلا من نصّبه الله ﷻ، فهي مرتبة من مراتب الوجود الإلهي؛ ولها ذات الخصائص والصفات لولاية الله ﷻ، ولها ذات أحكامها؛ لأنها ممتدة ومتفرعة من الولاية الذاتية لله ﷻ، فهذه الولاية لله ﷻ بالذات، ولأمير المؤمين ﴿؏﴾ بالواسطة وبالتبع.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٢ 5 (2)

كل الأعمال، العبادة والجهاد تصبح لغوًا، ما لم تبلغ الولاية موقعها الذي جعله الله ﷻ لها، فإذا وصلنا إلى هذه المعرفة، عرفنا معنى علي ﴿؏﴾ وأدركنا حقيقة ومعنى فقد علي ﴿؏﴾ الذي أظهره الله ﷻ وجلّاه وبيّنه.