تقدم القراءة:

بيت فاطمة ﴿؏﴾ من الداخل

السبت 29 يناير 2022مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

أبارك لرسول الله ﷺ وإلى الأئمة المعصومين ﴿؏﴾، سيّما خاتمهم (عجل الله فرجه الشريف)، مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، المسلمين، المؤمنين، النساء المؤمنات، أخواتي الحاضرات؛ ذكرى ميلاد بضعة النبي الأكرم ﷺ فاطمة الزهراء ﴿؏﴾، ويوم المرأة العالمي، وميلاد ابنها بالحق زعيم الأمة الإسلامية قدس الله سره.

الحديث عن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ في وجودها وتكوينها، وخلقتها ﴿؏﴾ وهدية الله لها  في هذا الكون حديث واسع الأطراف ومتشتت الأبعاد؛ أوسع من هذا الكون لا أنه أوسع من عقولنا ومن تصورنا، وفي هذه العجالة وبغية للاختصار؛ نكتفي بهذه الرواية والتي وردت على لسان رسول الله ﷺ في شأن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾: “أنه على معرفتها دارت القرون الأولى”(١).

وقد صحح بعض أساتذتنا هذا الحديث سواءً من حيث السند أو من حيث المتن أيضًا، وحديثنا سيقصر عن المتن وعن دراية الحديث وليس عن روايته وسنده؛ إذ أن هناك مسألة  شبه مسلّمة أن الروايات العقائدية لا يقتصر دليل صحتها على صحة السند فيها؛ بل هناك قرائن كثيرة تدل على صحة هذه الروايات، وإن لم يثبت صحة سندها.

بيوت الرفعة ضرورة حتمية وصناعة إلهية

قبل البدأ في توضيح الرواية لا بُدّ وأن نأسس لمقدمة ضمن هذه الفكرة؛ وهي أننا إذا أردنا أن نفهم رواية في شأن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ أو أهل البيت ﴿؏﴾ أو أيّ حدث تاريخي؛ فيجب أن نبحث أولًا في المناخ والمجتمع الذي انبثق فيه الإسلام، إذ أن المناخ والمحيط والبيئة تؤثر في معرفة مفاد ودلالات الكلام، وكما هو معلوم فقد انبثق الإسلام في بيئة عربية اجتماعية غير متفقة على أعراف معينة ولا آداب وسلوكيات محددة، فدخل في دين الله أفواجًا؛ البدوي والحضري، والبسيط والواعي، والفقير والغني، والأسود والأبيض؛ إذ لم يكن حينها من معيار يجمعهم غير الشهادة بوحدانية الله لا إله سواه، والشهادة لمحمد ﷺ بالنبوة والرسالة، وكل من تشهد بهذه الشاهدتين ونبذ عبادة الأصنام، وترك الشرك في الله دخل في الإسلام.

فهذه البيئات المتفرقة والمختلفة وبحسب مقتضى الحكمة الإلهية يتعين ويتوجب أن يوضع لهم معايير لترببة الفرد والأسرة، ولتأسيس وصناعة المجتمع كذلك، فلا يكفي حث  النّاس على عبادة الله ﷻ، وحثّ الفرد على التقوى والطاعة، والزهد في هذه الدنيا والرغبة في الآخرة، والتشجيع على الجهاد وبذل الأموال في سبيل الله ﷻ؛ فبالرغم من أهمية كل ذلك إلا أنه غير كافٍ في صناعة مجتمع إيماني أو صناعة أمة مؤمنة بأكملها؛ بل كان لا بُدّ من إيجاد وصناعة بيت يكون كأنموذج حيّ، ومتحرك على أرض الواقع؛ لتقتدي به سائر البيوتات ويتأسون به لتكوين ذلك المجتمع الإيماني المنشود، سيما في تلك البيئة -والتي انبثقت منها الدعوة الإسلامية- كان لوجود هذا البيت بنحو أشدّ ضرورة، وأدعى حاجة، بل وبشكل دائم ومستمر هو مطلب ضروري وملح في كل زمان وفي كل أوان، كما نجد حاجتنا اليوم كأفراد ومجتمعات؛ ففي الوقت الذي تغيرت فيه المعايير والأبعاد، وانقلبت فيه المثل والسلوكيات التي تحقق التربية الفردية الدينية، فضلًا عن التربية الأسرية والمجتمعية السويّة؛ لا بُدّ أن يكون هناك بيت معصوم بذاته، وعاصم لغيره؛ بحيث يكون الارتباط به عاصم من الخروج عن دوحة الإسلام، وهو البيت الذي يضع المعايير الصحيحة والأسس السليمة لبناء الفرد والأسرة والمجتمع ككل، يقول الله ﷻ في هذا الشأن لنبيه موسى ﴿؏﴾ بعد أن خرج هو وبنو إسرائيل من ظلم فرعون قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ يونس: ٨٧، إذ لا بُدّ أن تكون هناك بيوت صالحة لتصبح بمثابة المرجع كي يقلدها النّاس ويلتفون حولها.

فبناء الفرد لا يفوق أهمية على بناء وإيجاد أمثال تلك البيوت التي أمر الله أن ترفع؛ فنحن مثلًا إذا وجدنا الأم والأب والأخوة في بيت محدد وكان جميعهم يمثلون الاستقامة والعدل ويشتركون في سلك درب الجهاد والتضحية والفداء، وحب الدّين والحرص على عرى الإسلام؛ فإنه وبدون أدنى شك وبشكل طبيعي سيتحول هذا البيت إلى مرجعية، ومن يحيد من أفراده بعد ذلك عن هذا النمط من السلوك؛ فإن النّاس وبشكل تلقائي ستشخصه وتعرف كونه خرج عن إطار هذا البيت، كما قال ﷻ عن ابن الله نوح: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ﴾ هود: ٤٦.

ولذات الحيثية فقد أكد القرآن الكريم على مرجعية أهل بيت العصمة والطهارة ﴿؏﴾؛ إذ لا يمكن تعلق سلوك النّاس بمجرد صرف مفاهيم نظرية؛ وإنما هم بحاجة لنماذج أسوة ومتشخصة لتجسد لهم هذه المفاهيم وتلك السلوكيات التي دعى إليها الإسلام الحنيف ليبنوا عليها بيوتهم وعلائقهم وسلوكياتهم وروابطهم الأسرية؛ ولذلك فإن الله ﷻ يصف تلك البيوت فيقول: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ النور:٣٦.

فالبيت الرفيع العالي هو الذي يستطيع أن يراه الجميع ويتعرفون عليه؛ بحيث يكتشفون منه معنى الفضائل والكمالات، وبناءً وتأسيسًا على تلك الفضائل؛ يكون الارتباط مما يربي الإنسان على الفضيلة، والابتعاد عن الرذيلة، وهذه مسألة ثبتت في علم الاجتماع؛ كما اثبتتها العلوم الدينية في علوم الإلهيات والفلسفة، حيث تقرر في محله: أن المرحلة الثانية بعد بناء الفرد هي بناء البيت الصالح والأسرة الصالحة وهي ضرورة حتمية لتأسيس مجتمع إسلامي حضاري متأله له ارتباط بالصلاح والفوز في عالم الدنيا والآخرة.

فهذه الرواية فبالرغم من كونها تتحدث عن جوانب كلامية وعقائدية في شأن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾؛ إلا أن من أهم المحاور الموجودة فيها هو المحور الاجتماعي ومحور بناء الأسرة والعائلة المتكافئة، فهي تشير أولًا إلى أهمية المعرفة “على معرفتها”؛ كون المعرفة هي أساس وروح الحياة، وهي محور الكفر والإيمان، فالفارق بين الكافر والمؤمن هو معرفة الله ﷻ، وبالمعرفة يزداد الإيمان بحيث تأخذ المعرفة حيز أساسي في حياة الفرد بكل أبعادها وجوانبها، ولذا نجد أمير المؤمنين ﴿؏﴾ يصف الجاهل بأنه ميت الأحياء (٢)، أيّ هو ميت لكنه يمشي مع الأحياء، والشريعة المقدسة والتي تضع القوانين التشريعية للحياة من أجل تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة قوامها المعرفة، المعرفة هي ذات الحظ الأوفر على مستوى الأصول والفروع والأخلاق؛ وإنما يتفاضل النّاس بالمعرفة والعلم النافع والعمل الصالح؛ فهي المقياس للوازم الإيمان والتقوى. وكما جاء في الحديث الشريف “أفضلكم إيمانًا أفضلكم معرفة”(٣)؛ إذن فمن لا يعرف المبادئ والأصول الأولية فهو فاقد لسبل السعادة الأبدية. 

التكافؤ بين الأمير والصّديقة الطاهرة ﴿؏﴾ قوام البيت الرفيع

ولتكوين بيت المعرفة، البيت الذي يجب أن يعرف رسول الله ﷺ، من الجيد أن نورد بيان وجه التكافؤ بين أمير المؤمنين والصّديقة الزهراء ﴿؏﴾؛ حيث وصف رسول الله ﷺ أمير المؤمنين ﴿؏﴾ بأنه محور الحق فقال ﷺ: “على مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار”(٤) فالحق هو من يدور مع أمير المؤمنين ﴿؏﴾، لا أن أمير المؤمنين ﴿؏﴾ يدور مع الحق، هذا الحديث مقطوع الثبات عن رسول الله ﷺ رواه أكثر من عشرين صحابي منهم: أبو بكر، وعمّار، وعبد الله بن عباس، وسعيد الخدري، وسلمان، وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص، حتى أعداء أمير المؤمنين ﴿؏﴾ والمبغضين له رووا هذا الحديث؛ فقد جاء عن ابن تيمية بسند صحيح في الحديث على لسان رسول الله ﷺ قال: “رحم الله عليًا اللهم أدر الحق معه حيثما دار”(٥)، فالحديث صحيح جدًا ولا شك فيه ، واللافت فيه مما هو مدار للتمعن في دلالات الحديث جعل علي ﴿؏﴾ هو المحور الذي يدور حوله أشراف النّاس من الأنبياء ﴿؏﴾، والأولياء والصالحين؛ وفي هذا المعنى وردت عبارة دقيقة عن الشهيد الصدر -رضوان الله عليه- يقول في كتاب فدك في التاريخ:

ولو ظهرت للنّاس في البحوث الجديدة والعلوم الطبيعية والهندسة التي تجعل الأجسام الدائرة حول المحور تسير على خط معين؛ فلقد ظهرت في علي قبل مئات السنين قوة مثل قوة الحركة الجوهرية المحورية، ولكنها ليست من حقائق الفيزياء، وإنما هي مسألة ميتافيزقية غيبية، بل من قوى السماء، وهي التي جعلت من علي مناعة طبيعية للإسلام حفظت له مقامه الأعلى ما دام الإمام حيّ؛ فكان ﴿؏﴾ محور تدور عليه الحياة الإسلامية؛ لتستمد منه روحانيتها وثقافتها وروحها وجوهرها سواء كان علي على رأس الحكم أو لم يكن، وقد عملت هذه القوة عملها السحري في نفس الجميع بما فيهم الخليفة الثاني فجذبته إلى خطوطها المستقيمة مرارًا حتى قال: (لولا علي لهلك عمر)(٦).

إذن فإن استقامة علي ﴿؏﴾ كانت جذابة، وكانت تجعل النّاس عندما يخطئون ويشتبهون وعندما يعجزون عن تشخيص الحق والباطل يعودوا إلى علي ﴿؏﴾؛ الذي لا يخرج مقدار أنملة عن التوحيد وعن منابذة الشرك والظلم والجور.

ويضيف الشهيد فيقول: ظهرت هذه القوة الجبارة في التفاف المسلمين حول أمير المؤمنين ﴿؏﴾  يوم أسندت له الخلافة؛ فحركة أمير المؤمنين ﴿؏﴾ مع الحق حركة دائرية.

يقول الشهيد الصدر -رضوان الله عليه- في أبدع وأعجب ما صدر من أمير المؤمنين ﴿؏﴾ عليه بعد وفاة رسول الله ﷺ:

(هذا المثال الفذ لأمير المؤمنين ﴿؏﴾ الذي يقل مثيله في تاريخ الشعوب نعرف من ذلك أن علي بما جهزته السماء به من تلك القوى كان ضرورة من ضروريات الإسلام التي لا بد منها، وشمس يدور عليها فلك الإسلام بعد النبي ﷺ، ويتجلى لدينا أيضًا أن الإنقلاب الفجائي في السيرة الحاكمة لم يكن مكمنها يومئذ، لأنه ومع كونها طفرة فذلك يناقض تلك القوى الطبيعية المركزة في شخصية أمير المؤمنين ﴿؏﴾، ويضيف: من أروع ما صدر من أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في جانب عظمته -وهذا يحتاج إلى دراسة وافية مستقلة -هو شخصية علي المعارض للحكم المعارض القوي الباسل الشجاع، ولكنه ساهر على قضية الإسلام وساهر على حماية المسلمين) انتهى.

بعض من دلالات “على معرفتها دارت القرون الأولى”

أولًا: الاستقامة والدوران حول الحق

وبالحديث في شأن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ ومحوريتها قال ﷺ: “دارت القرون الأولى”؛ دائمًا ما نتصور أن الصراط خط مستطيل فنتصور أنه عمودي و لا يأتي إلا بنحو الطريق المستقيم؛ نعم الصراط في أول مراتبه مستقيم؛ ولكن عندما يصل الإنسان إلى قمّة التوحيد؛ تصبح حركته دائرية، من هنا ندرك أن الصراط ليس مستطيلًا، وإنما هو مستقيم، وفرق بين المستطيل والمستقيم؛ فالمستطيل له خط طولي؛ بينما المستقيم يتشكل ممن تكون حركته دائرية، ولا يخرج عن هذه الدائرة، بل يحوم حولها بقوة وصلابة، وحكمة، واستحكام؛ وبذلك يمكننا اعتباره مستقيم كونه طريق غير متعرج.

وحيث أننا دائمًا ما نتصور أن الصراط مستطيل فقد لا يتبادر لأذهاننا أننا إذا أردنا أن نستقيم يجب علينا أن نأخذ من استقامة الزهراء ﴿؏﴾، وهذا لا يتسنَ لنا إلا أن نتعرف عليها وعلى استقامتها، وهي المرأة التي تفانت وأفنت نفسها، وقدمت أولادها، وأحفادها في سبيل الاستقامة على هذا الصراط على أن تكون هي المحور، فلم تخرج هي وأبناؤها ولم تمل قط عن الاستقامة في الحق، وهكذا يكون هذا البيت وهذه الأسرة والعائلة.

وهنا نلفت لمشكلة تتملك أكثرنا تكمن في أننا نبدأ بنحو مستقيم في سيرنا وبعض قراراتنا؛ ولكن نبدأ نجامل هذا الزعيم ونراعي ذاك الطاغية، ومن ثم نبرر لأنفسنا؛ كوننا عندما نخرج ونحيد عن طريقنا المستقيم؛ نتذرع بألف مبرر ومبرر؛ لذلك فالإنسان العادي لا يصلح لأن يكون محورًا، ولا أن يصبح مرجعًا، فالمرجع لهذه الأمة هو الذي قطع الصراط المستقيم في البدء، ثم وبعد أن وصل إلى النقطة النهائية أصبحت حركته دائرية. وهذا ما نفهمه من قول “يدور معه الحق حيثما دار” فالحق هو الذي يدور حول علي ﴿؏﴾ فحركة علي ليست مستطيلة، بل حركته مستقيمة.

وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نفهم من مقولة رسول الله ﷺ أنه “على معرفتها دارت القرون الأولى: أن القرون الأولى تعني الأنبياء ﴿؏﴾، والأولياء، الصالحين، والمؤمنين؛ لأنهم مقترنين ببعضهم، فالقرون بمعنى الاقتران، ودارت كون الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ هي المحور؛ وهذا المعنى يطابق تمامًا قول رسول الله ﷺ في شأن علي ﴿؏﴾ “أن الحق يدور مع علي حيثما دار”.

ومن هنا ندرك أن هناك تكافؤ بين علي وفاطمة ﴿؏﴾ بالأخص في مواجهة الباطل؛ فهذه المكافأة هي في الاستقامة التامة، والدوران التام والكامل حول الحق.

وكما يقول شيخنا الجوادي آملي:

هذه الكفاءة ليست كفاءة اعتبارية فحسب في صرف مسألة الزواج، بل هي كفاءة واقعية لأن الأمة تحتاج إلى بيت يدور معه الحق حتى لا تنحرف، بيت حي موجود تعايشه وتعاشره، تفهمه، تعيه، تمثله، تقلده، تشابهه.

ثانيا: الرحمة الفاطمية بين الرضا والغضب تربية إلهية

وهنا بصرف النظر إلى معنى المكافئة الزوجية (البيتية)؛ نرى أن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ لم يكن لها نظير في المعارضة بهذه الصراحة والقوة والاستماتة في بيان وضوح اغتصابهم لمقام الخلافة بلا هوادة، ولكن مكمن كل هذه الاستقامة وأساسها هي رحمة الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ لهذه الأمة؛ كونها تأبى للأمة أن تخرج عن الطريق المستقيم إلى الانحراف؛ فالخروج عن الاستقامة والعدالة بالنسبة إلى الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ أسوأ ما يمكن أن تقع فيه الأمة، وهذا أدل دليل وأصدق علامة من علامات الرحمة الفاطمية؛ وهذا عينه ما نجده من الوالدين الرحيمين؛ فحينما يخطئ أبناؤهم خطأً كبيرًا، خطأ لا يرتضونه؛ لا يكون غضبهما بمقدار خطأ الشخص البعيد الذي لا تربطه بهذا الولد الطالح أدنى قرابة، وقد يمرضهما أو يميتهما خروج أحد أبناءهم عن الطريق القويم؛ لا لأنه خسر آخرته وخسر الثواب فحسب، بل لأن أصل فساده وأصل انحرافه بالنسبة لهما شعور ربّاني تلقائي من قبلهما، فإن غضبهما يشبه غضب الله ﷻ على العبد إذا فسد عمله؛ بالمثل تمامًا؛ فإن غضب الزهراء ﴿؏﴾ وعدم رضاها لا يشبهه إلا غضب الله ﷻ، ولذا فإن ما جاء في الرواية بأن الله ﷻ “يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها” (٧)، مع قطع النظر عن سند الرواية ولكن ندرك أن نحو غضبها ﴿؏﴾ يشبه غضب وسخط الله ﷻ على عباده الذين خلقهم ورباهم وأفاض عليهم بالنعم، وتكفل بتعليمهم وبإردشاهم وبتوجيههم.

ثالثا: لا يستقيم المجتمع الإيماني إلا بالتأسي ببيت فاطمة

كلمة أسرة لم ترد في القرآن وإنما وردت على لسان أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في وصفه لأسرة رسول الله ﷺ (٨) وحتى نرتب الفكرة ونوضحها نقول: إن المجتمع لا يستقيم البتّة بدون بيوت صالحة مستقيمة، ورعة تقيّة ومجاهدة ومضحية وفدائية، ولهذا يجب أن ندعم هذه البيوت وأن نقدم كل ما لدينا لخدمتها كي يستقيم المجتمع، وكشاهد ننقل هذه الحادثة:

عندما أرادت إحدى الزميلات أن تذهب للتبليغ في بلادها، ارتأينا من المناسب جدًا أن نسمع من المراجع الأجلاء ما تكون وصيتهم الأولى ليكون هناك عنصرًا اجتماعيًا ومؤثرًا يستطيع أن يعكس ثقافة الإسلام، ومنهج القرآن الكريم وأهل البيت ﴿؏﴾، وحيث استطعنا حينها أن نزور أربع من المراجع -سددهم المولى- وبلا مبالغة فقد أجمعوا حيث اتفقت وصيتهم: أنتِ أم؛ اتخذوا الإسلام بقوة، وخذوا أمره بشدّة، خذوا الحجاب والعفّة بشدة؛ ارفعوا مسألة الاختلاط تمامًا؛ لا لأن الاختلاط محرم في كل شؤونه، وإنما لأن النّاس تحتاج في تكوينها لنفسها وفي علاقاتها إلى وجود بيوتات مستقيمة، صالحة، وتامة، وكاملة لا يصدر منها الخطأ، ولربما نتيجة لذلك الاختلاط قد يصدر لا سمح الله لما يسيء ويفسد -كونه موردًا ومنزلقًا للتساهل في العلاقات- فكيف وقد أصبح في هذا الزمان لا يحتاج الأمر حتى لخروج المرء من داره، بل يحدث حتى مع وجوده في داخل بيته، وقد أغلق عليه بابه.

ولذلك قال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ الأحزاب: ٣٣، ويقول ﷻ على لسان نبيه ﷺ: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ الشورى:٢٣ وهذا الأجر الذي في الآية هو لمصلحة النّاس أنفسهم فالكل يحتاج ذلك؛ وهو على غرار قول نبي الله يوسف ﴿؏﴾ عندما كان في السجن وفسر الرؤية للذين كانوا معه، وعندما استغربوا من تفسير الرؤيا قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ يوسف: ٣٨.

وهذا فضل الله ﷻ ليس علينا فقط -الأنبياء ﴿؏﴾- وإنما علينا وعلى النّاس؛ فالنّاس بحاجة لبيوت ونماذج صالحة.

وهذا الذي يجعلنا نقول أن يوم الزهراء ﴿؏﴾ وذكراها تحتاج تذكير وإحياء؛ بحيث يتحول يوم ميلادها يوم للمرأة المسلمة، كذلك ميلاد حفيدها الذي أحيا هذه الأمة.

أسأل الله ﷻ أن يرزقنا في هذه الدنيا معرفتها وفي الآخرة شفاعتها وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.


  1. عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الله (تعالى) أمهر فاطمة ﴿؏﴾ ربع الدنيا، فربعها لها، وأمهرها الجنة والنار، تدخل أعداءها النار، وتدخل أولياءها الجنة، وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأول. [الأمالي – ص ٦٦٨].
  2. ٢. فالصورة صورة إنسان. والقلب قلب حيوان. لا يعرف باب الهدى فيتبعه. ولا باب العمى فيصد عنه.
    فذلك ميت الأحياء فأين تذهبون. وأنى تؤفكون. نهج البلاغة ج١ ص١٥٣.
  3. ميزان الحكمة – ج٣ – ص ١٨٧٠.
  4. علي مع الحق والحق مع علي والحق يدور حيث ما دار على. [مناقب آل أبي طالب – ج٢ – ص ٢٦٠].
  5. وكذلك روي عن الحاكم النيسابوري بسنده الصحيح وقال فيه: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، لترمذي، في حديث بسنده عن علي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله، وقد جاء فيه: «رحم اللّه عليّاً، اللهم أدر الحق معه حيث دار»  [سنن الترمذي ٥ – ٢٩٧}.
  6. وحكى في كشف الغمة من مناقب الخوارزمي أنه قال: أتي عمر في ولايته بامرأة حاملة فسألها عمر فاعترفت بالفجور، فأمر بها عمر أن ترجم، فلقيها علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ما بال هذه؟. فقالوا: أمر بها عمر أن ترجم، فردها علي عليه السلام، فقال: أمرت بها أن ترجم؟!. فقال: نعم.
    اعترفت عندي بالفجور. فقال: هذا سلطانك عليها، فما سلطانك على ما في بطنها؟. ثم قال له علي عليه السلام: فلعلك انتهرتها أو أخفتها. فقال: قد كان ذاك. قال: أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا حد على معترف بعد بلاء (3)، إنه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا إقرار له. فخلى عمر سبيلها، ثم قال: عجزت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب (ع)، لولا علي لهلك عمر. [بحار الأنوار – ج٣٠ – ص٦٧٩].
  7. عيون أخبار الرضا ﴿؏﴾ – ج ١- ص ٥١.
  8. الإمام علي (عليه السلام) – في صفة الأنبياء -:
    فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر… حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الأرومات مغرسا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب (انتخب) منها امناءه. عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمر لا ينال. [ميزان الحكمة – ج٤ – ص٣٢١٦].

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬127 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها