تقدم القراءة:

العقيلة تدعوكم لما يحييكم ٥

الأثنين 23 أغسطس 2021مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ الأنفال: ٢٤.

مرتكزات سبقت:

المدعى:

الصدّيقة الصغرى سلام الله عليها لم تكن صرف مشارك في هذه الملحمة و هذا الإحياء بل كانت شريكة لأخيها الحسين ﴿؏﴾.

ما يثبت ذلك:

أولًا:

لأن كربلاء لم تكن مجرد حرب عسكرية بين جبهة الحق والباطل، أو مواجهة سياسية فحسب بين حكم غاشم مع حرّ شريف يأبى الذلة والمهانة لا يدين له بسلطانه، بل هي علاوة على ذلك، صراع عقائدي وفكري بين القرآن الكريم والشرك والكفر والجهل.

ثانيًا:

معركة الصراع التي جابهتها السيّدة زينب صلوات الله عليها، والتي كانت قد أُعدت لها ولهذا الدور منذُ نعومة أظافرها لتكون القرآن الناطق في مواجهة جحافل الشرك وأفكار ورؤى الضلال -حيث جنّد بنو أمية الأقلام المأجورة ووضّاع الحديث والفتاوى والعقائد الباطلة، وقادوا النّاس إلى مهاوي جهنم- لتبقي زينب أمة جدّها حيّة بإيمانها وتوحيديها ﴿وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ﴾ الأنفال: ٤٢.

زينب ﴿؏﴾ ومقام القرآن الناطق:

١- أن زينب الكبرى ﴿؏﴾ كانت المخولة بالدرجة الأولى لقيادة تلك الصفحة من المعركة، والتي قد خرجت منها منتصرة.

٢- أنها ﴿؏﴾ قد أسست لمدرسة فكرية وعقائدية وكلامية وقد أكتملت هذه المدرسة على أيدي الإمام السجاد والباقر والصادق والرضا ﴿؏﴾.

٣- هذه المدرسة أحدثت انقلابًا معرفيًا وفكريًا وروحيًا، وتحولًا تاريخيًا عالميًا في هذا الصراع بين قوى الإيمان والشرك.

إن ما نقل لنا من السيرة الثابتة عنها صلوات الله عليها فيه من الكفاية لإثبات هذا المدعى، ولكن لمزيد من لإيضاح وتفكيك لهذه المسألة نستعرض بعض النكات.

ما رأيت إلا جميلًا وصدق المدعى:

يقول آية الله الشيخ جوادي أملي تعليقًا على جواب السيّدة زينب ﴿؏﴾: “ما رأيت إلا جميلًا “(١)، والتي كانت قد قالتها ﴿؏﴾ في معرض ردها على عبيد الله بن زياد -عليه لعائن الله- حين سألها: كيف رأيتِ صنع الله بأخيك الحسين؟ يمكن عدّه دليلًا على وصول السيّدة زينب ﴿؏﴾ لمقام تمثل الحقيقة وَاكتشاف الحقائق، حيث كونها ﴿؏﴾ ترى الواقع كما هو؛ فالرَأي يقال: عن الرؤية الحقيقية والواقعية، كما يقال عن الرأي: ماذا ترى في الأمر؟

ولو جاز التشكيك في هذا المدّعى، لكن الكلّي والذي لا يمكن التشكيك فيه البتّة هو مقولة الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ لها: “يا عمة أنت عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة”(٢)؛ ومن هنا عرفنا هذا المقام للسيّدة زينب ﴿؏﴾ التي تدلل على أنها ﴿؏﴾ لا تحتاج لأن تتلقى العلوم والمعارف عن طريق الأساتذة والمعلمين والمخبرين؛ كما هو حال السواد من النّاس؛ كون الإمام ﴿؏﴾ يعلم حتمًا ويقينًا ماذا يجري في ساحة إدراك عمته ﴿؏﴾ وروحها.

كما قد يكون من اللافت جدًا والتأمل في تلك المحاورات التي دارت بين زينب الكبرى ﴿؏﴾ وابن زياد أو في مجلس يزيد وخطبتها في الكوفة، ففي مثل ذلك الظرف الصعب على الهاشميات سيّما على قلب عقيلة الطالبين ﴿؏﴾، ومع الأخذ بعين الاعتبار ضراوة تلك الحرب التي ما زالت مستعرة في وجدانها؛ فليس من اليسير على امرأة قد فقدت كل ما فقدته زينب ﴿؏﴾، وتركت أهل بيتها مضرجين بدمائهم الزاكية؛ أن تستطيع الدخول على جلادها، ثم تحول ذلك المحضر إلى مجلس محاججة وفضح الظالم وتوبيخه وتقريعه؛ ففي مثل تلك الظروف عادة ما يتصرف الخيال في العقول فيفقدها توازنها؛ فلا تعدّ تستطيع أن تلقي الحجج بنحو بليغ وجليّ وبأقصر الكلمات وأبلغ العبارات؛ بل وأن تسعر القلوب وتنير العقول، وهي الوقور التي تجذب بثقلها ووقارها؛ من هنا ندرك تمثل الحقيقة وتجليها كونها ﴿؏﴾: تفهم بلا مفهم، وتعلم بلا معلم.

وهذا المقام قد بحث عرفانيًا وبنحو مفصل؛ وكما تقرر في مكانه -علم العرفان- أن الإنسان عندما يغلق منافذه وحواسه الخارجيه، ويسيطر عليها ويتحكم فيها؛ فأنه سيتجلى له باطنه، وسيغدو ساكنًا كالماء الصافي، الذي يقبل الصور المفاضة عليه من رب العالمين، لأن حواس الإنسان الظاهرية دائمًا ما تشوش عليه الرؤية؛ باعتبارها متصلة بالعالم الخارجي، وتمنعه من إدراك الأمور غير المحسوسة.

العفّة سبيل لتحصيل العلم النافع:

يقول الإمام علي ﴿؏﴾ في وصفه للمتقين : “وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ”(٣)

الوقف:

هو قصر استخدام الشيء على ما وقف لأجله.

العلم النافع:(٤)

هو الفيض المتصل من الله ﷻ العاصم للإنسان من الوقوع في الخطأ، والذي ينجي الإنسان في الشدائد؛ لأنه يهب صاحبه الحكمة والشجاعة، وإليه تعود العصمة كما قرر ذلك في علم العقائد والكلام(٥)، كما أن مقدمة هذا العلم هي العفة؛ فالإنسان عندما تعف جوارحه يصل إلى هذه النتيجة ويدرك هذه المرتبة.

ولتقريب المدعى بالرجوع لقصة مريم العفيفة ﴿؏﴾:

قال ﷻ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ سورة مريم:١٧، وقوله ﷻ ﴿رُوحَنَا﴾ على نحو الإضافة والنسبة التشريفية، كقول: بيت الله ﷻ أو حرم الله ﷻ.

ولتصور المعنى نستعين ببعض المفاهيم ، أولها ماهية عالم البرزخ:

يقول ﷻ: ﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المؤمنون: ١٠٠، وقد يقال هو العالم المتصل بهذه الدنيا إلى اليوم الآخر.

البرزخ:

من البروز والخاء للمبالغة، ومعناه الظهور، أيّ العالم الذي تظهر فيه كيفيات الأشياء علئ حقائقها الواقعية، وقيل البرزخ: من البراز، يقول ﷻ: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر:١٦، أيّ من المبارزة والمواجهة مع الخصم في الحرب، حيث يكون ما بينه وبين الموت إلا سلاح عدوه؛ فلا يوجد لديه في ذلك الحين شيء يدافع به إلا نفسه فتبرز له على حقيقتها؛ خلقه، شجاعته وارتباطه وتعلقاته وكل وخصائصه.

فالإنسان بطبعه يعيش الغفلة عما في باطنه؛ وحين ينقطع وينخلع عن قلبه كل متعلقاته من هذه الدنيا، وينخلع عنه لباسه الجسدي؛ عند ذلك سوف يجد كل شيءٍ حاضرًا ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ الكهف:٤٩ (٦)، فإن طبيعة الروح الإنسانية عندما تتخلص من تلك التعلقات ستتعلق بالحقائق التي سوف تنكشف لها.

عالم التمثل:

التمثل هو تحويل الشيء من عقلي إلى حسيّ، والتمثيل هو ظهور الحقائق في صورة شيء ما يألفه الإنسان.

كما بيّنها العلماء في نظرية المعرفة حيث يقولون: أولًا يدرك الإنسان الشيء إدراكًا واقعيًا، وما لم يكن الخيال محكمًا لن يستطيع السيطرة على المشوشات والتصرفات الخيالية، فمشكلة الإنسان بالعموم في العلوم والمعارف هي تلك المشوشات، وبهذا المعنى فإن ذكر الله ﷻ الكثير أحد فوائده هو القدرة على السيطرة على الخيال، وبخاصة في الصلاة؛ حيث يصبح الإنسان مسيطرًا على ما يدركه في الواقع فلا يعبث به خياله.

وهناك مرحلتان.

الأولى:

عفة الجوارح: وهي المرحلة التي يوقف فيها الإنسان سمعه وبصره على العلم النافع له، والذي يهب الإنسان القدرة على عدم الوقوع في المغالطات والشبهات أو الانفعال أمام المحدثات الصعبة.

الثانية:

مرحلة تلقي هذه العلوم وتمثلها، ولتقريب الفكرة بمثال: عندما يريد الإنسان التعبير عن شيء ما؛ أكان فقيهًا أو حكيمًا أو عالمًا، أو الإنسان العادي؛ فإنه يتعقله أولًا بنحو بسيط، ومن ثم يحوّله إلى مخيلته، ويمثّله في ذهنه، حيث يضع له -في الذهن- فصولًا، وكلمة قبل كلمة؛ مبتدأ ثم خبر، ثم متعلقات ذلك الخبر، وهكذا، فالذي يحدث أنه بعد إنزاله في الذهن يعمل العقل على فصله، ثم بعد ذلك تحويله وإلباسه كلمات (٧).

مريم العفيفة ﴿؏﴾:

وهذا ما حدث لمريم ﴿؏﴾(٨)؛ وهذا المعنى دقيق جدًا، قد تفرد بذكره صاحب الميزان (٩)

حيث يقول: عندما أرسل الله ﷻ لها جبرائيل ﴿؏﴾ تمثل لها بصورة بشرًا سويًا يقول ﷻ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ مريم:١٧ فجبرائيل كما هو معلوم ملك متجرد من المادة وخصائصها؛ لم يتغير ولم يتبدل حاله، ولكنه تمثل لمريم ﴿؏﴾ كونها هي الفاعل، وهذا ما تلقته؛ أيّ أن مريم ﴿؏﴾ في إدراكها ومخيلتها وفهمها رأته بصورة البشر؛ ومثاله حين كان جبرائيل ﴿؏﴾ يتمثل للمسلمين في صورة دحية الكلبي(١٠) يقول ﷻ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا﴾ الأنعام: ٩، وبالتالي فإن من يراه من النّاس لا يمكن لهم أن يدركوا أنه جبرائيل ﴿؏﴾؛ كونه لا يستطيعون الترقي لمطابقة تلك الصورة الخارجية مع ما رأوه في صقع إدراكهم على الذي وصل لمخيلتهم؛ إلا عندما يريد رسول الله ﷺ أن يريهم الصورة الحقيقية التي داخل تلك الصورة.

الآيات الشريفة تشير لذلك الرسول الذي أرسله الله ﷻ لمريم ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ التحريم: ١٢، ويقول الله ﷻ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ مريم: ١٧، أولًا: أتخذت حجابًا، أيّ احتجبت عنهم، فعفّة مريم ﴿؏﴾ هي التي خولتها وجعلت الملائكة تخاطبها، وذلك بملاحظة التفريع في الآية الشريفة: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾، أيّ علّة الأمر كونها أتخذت حجابًا.

فتمثل لها، أيّ وعند ذلك أرسل الله ﷻ لها هذه العلوم وأعطاها تلك المعارف الربّانية  فأصبحت ترى تلك الحقائق، والذي يرى الحقائق يكون علمه بنحو مختلف، إذ يجعله صابرًا قويًّا وشجاعًا(١٠).

العفّة والقدرة على المواجهة لا ينفكان عن بعضهما:

وهذا العلم وهذه المعرفة هي التي وهبت مريم ﴿؏﴾ الغارقة في ذكر الله ﷻ من كمال القوة والقدرة على مواجهة الطغاة والجبابرة من بني إسرائيل، المتجرؤون على الله ﷻ وأنبياءه ورسله ﴿؏﴾، سليطي اللسان ممن لا يتورعون عن البهتان وإلصاق التهم بأمور أخلاقية لا يجرأ اللسان على ذكرها، وهي التي منحتها المكنة والصبر على ردّ كيدهم واتهاماتهم لها وهي عذراء تحمل بين يديها صبي صغير!

والذي يُعدّ في الحقيقة قوة بتارة أمام أيّ قوة غاشمة مهما تكون، وهذا تمامًا ما حدث لنبي الله موسى ﴿؏﴾، فكما يرى آية الله جوادي الآملي: فعندما ألقى عصاه ﴿؏﴾؛ فإذا هي تلقف ما يأفكون من سحر ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۞ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأعراف: ١١٧- ١١٨؛ فيظهر هذا العلم الذي لا يبقى ريب ولا شك إلا وقد محاه.

ولذا قد نلاحظ في حال الابتلاءت -إما قبل نزول البلاء أو بعده- يهب الله ﷻ الإنسان الصبر، والبلاء للمؤمن أقرب منه بكثير لغير المؤمن (١١)؛ لأن الله ﷻ يريد أن يعطيه ثروة معرفية وعلمية تعصمه عن الخطأ؛ ولذلك فإن أفضل النّاس وأعلمهم هم أشدّهم بلاءً (١٢).

القدرة على استشراف الواقع دليل بلوغ مرتبة حق اليقين:

وحين تخاطب السيّدة زينب ﴿؏﴾ زيد وتقول له: “وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد”(١٣)، قد قالت مقولتها تلك وبضرس قاطع وعلو وبنحو الجزم الذي لا يخالجه شك -وهي ليس لديها ما يعضّد كلامها بالإستناد لآيات أو روايات-، أمام طاغية زمانها، والذي قد هيأ كل وسائل الإعلام لفضحها وفضح أخيها -حسب مدعاه-، قالتها ﴿؏﴾ وهي تعلم يقينًا أن النّاس ستتناقل خبره عبر الأمصار والأقطار وعلى مدى الأزمان، فلو بقي يزيد(١٤) في ملكه ولم تتحق نبوئتها ﴿؏﴾ لكان يمكن أن يتخذ من ذلك الأعداء سبيل للتضعيف والتسقيط لمعركة الجهاد ضد الباطل  وكل ما قام به الإمام الحسين ﴿؏﴾ من تضحيات جسام التي بذلها هو وأهل بيته ﴿؏﴾.

وذلك لأن زينب ﴿؏﴾ قد بلغت مرتبة من العصمة في القلب والخيال وعدم اغتشاش الحواس؛ مرتبة ما كانت لتبلغها ما لم تكن تتحلى بإيمان عميق وانكشاف باطنيّ؛ يجعلها ترى الأمور كما هي، والإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه كان يعلم أن سفيرته للأمة وشريكته في هذه الملحمة البطولية والخالدة والتي بلغت أعلى مقامات القرب فكانت القرآن الناطق في مواجهة جحافل الشرك هي أخته العقلية زينب الكبرى صلوات الله وسلامه عليه.

وأصل هذه القدرة  على الحق ومواجهة الباطل ومنبع هذه القوة من عفّة اللسان والقلب؛ ولذا فعندما ينهانا الدّين عن الغِيبة والاستخفاف بالآخرين؛ ذلك ليضعنا على أول عتبة ودرجة لتلقي القيم والعلوم العالية والرفيعة جدًا.

أسأل إلله ﷻ ببركة شهادة الإمام الحسين ﴿؏﴾ أن يصوننا عن الوقوع في هذه الذنوب والآثام؛ لأننا قد نخسر بذلك -كما يعبر العرفاء- أكبر كنز يمكن أن يتنزل على الإنسان، وهو تلقى العلوم والمعارف من أعلى مكان  وأشرف مرتبة.

اصطحاب الإمام الحسين للعقيلة زينب ﴿؏﴾ دليل على أن خروجه للإحياء

إن أهم الأدلة على براءة الإمام الحسين عليه السلام وعدم رغبته في القتال والاقتتال وأنه لم يخرج إلا من أجل إحياء هذه الأمة هو سوقه أخواته وبناته والأطفال معه إلى كربلاء؛ حيث ذكرت المصادر أن أقل عدد خرج على الإمام الحسين ﴿؏﴾ هو عشرين ألفًا؛ معظمهم من المبغضين والخوارج وممن ينصبون العداء لأهل البيت ﴿؏﴾، أو أعراب وحوش جهال؛ من مختلف أطياف الكوفة وما حولها؛ وهذا يدل على أن الإمام ﴿؏﴾ يحمل معه دليل براءته؛ فعبدالله الرضيع، بناته، بل إن ذات حمل العقيلة زينب الكبرى؛ فهذا أدلّ دليل على براءته، وأنه لا يريد القتال؛ إلا أن يخير بين السلة والذلة ويأبى الله له ذلك على أن يختار الذلة، ولذا فإن إنزال الإمام الحسين لأطفاله وبناته وأخواته مع هذا الحال هو بنفسه كرب وبلاء

يقول الشريف الرضي:

كربلاء لازلت كربا وبلاء مالقي عندك آل المصطفى

ثم يصف نزوله عليه السلام ويقول:

وضيوف بفلاة قفرةٍ نزلوا فيها على غير قرى

  1. “ما رأيت إلا جميلًا “، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة… خطبة العقيلة زينب في الكوفة [بحار الأنوار ج٤٥ ص١١٦].
  2. “أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة… ” [الاحتجاج – ج٢ – ص٣١].
  3.  شرح نهج البلاغة ج١٠ ص١٤١، والوقف: وقف الدار ونحوها للورثة: حبسها لمنفعتهم أو في سبيل الله ﷻ، وقف الأموال في سبيل الله – معجم المعاني-
  4. ليس العلم الحصولي؛ لأن العلم الحصولي المعارف والعلوم الشتى التي نتعلمها بواسظة الأساتذة ومن خلال الكتب والذي لا يضمن للأنسان من عدم الوقوع في الشبهات والخطأ،  ولا يُعدّ هذا العلم نافعًا دائمًا في الحقيقة والواقع.
  5.  حسب اعتقادنا نحن الشيعة.
  6. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ الكهف: ٤٩.
  7. مثال: الرؤيا الصادقة فالعلم يتصور بصورة ماء، الوجاهة بصورة تاج، كذلك الحب، البغض، والكره في الأصل كلها معاني مجردة من الصور لكنها تتمثل لنا.

  8. ولذلك نجد المسيحين كونهم يعتقدون بذلك فدائمًا يعمدون للتصوير والتمثيل وذلك لتقريب المعنى العقلي إلى معنى حسي، ولذا نجدهم دائمًا ما يرسمون على جدران الكنائس صورًا رمزية لمريم العذراء ﴿؏﴾، والملك والروح.
  9. المجلد ١٤
  10. دحية الكلبي: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي (نحو ٣٠ ق هـ – ٥٩٢ / ٥٠ هـ – ٦٧٠) صحابي مشهور، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام. شهد غزوة أحد وما تلاها من غزوات الرسول محمد ﷺ، وكان تاجرًا غنيًا، ويضرب به المثل في حسن الصورة. بعثه الرسول محمد ﷺ برسالته إلى القيصر هرقل إمبراطور الإمبراطورية الرومانية يدعوه إلى الإسلام .
  11. الإمام الباقر ﴿؏﴾ -إذ جاءه رجل فقال: والله إني لأحبكم أهل البيت- : “فاتخذ للبلاء جلبابا، فوالله إنه لأسرع إلينا وإلى شيعتنا من السيل في الوادي، وبنا يبدأ البلاء ثم بكم، وبنا يبدأ الرخاء ثم بكم “… ميزان الحكمة – ج١ – ص٥٢.
  12. الإمام الصادق ﴿؏﴾: “إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل” [ميزان الحكمة – ج١ – ص٣٠٢].
  13. مثال: الرؤيا الصادقة فمثلًا العلم يتصور بصورة ماء، الوجاهة بصورة تاج، كذلك الحب، البغض، والكره في الأصل كلها معاني مجردة من الصور لكنها تتمثل لنا.
  14. من خطبة السيّدة زينب ﴿؏﴾ في مجلس يزيد لعنه الله.
  15. ليس في سن الموت أو حال المرض، لتقول له ﴿؏﴾ ما قالت: “إن أيامك عدد وجمعك بدد”، وفعلًا كما قالت؛ فيزيد لم يبق من عمره الكثير وعلى أحسن تقدير غير سنة ونصف السنة، فقد انهارت الدولة الأموية.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬121 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها