تقدم القراءة:

العقيلة تدعوكم لما يحييكم ٣

الأثنين 16 أغسطس 2021مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

4
(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

زينب (ع) الشجرة المغروسة في تاريخ النبوات

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال: 24.

جاءت زينب الكبرى إلى كربلاء لإحياء أمة جدّها ﷺ، وإن كانت تبدو هي في الواجهة، ولكنها تحمل خلفها تراث مئة وأربعين ألف نبي ورسول، جاءت مشبعة بدعواتهم وتجاربهم وتاريخهم ومواقفهم، لا يثنيها عن هدفها الواضح الناصع خذلان الخاذلين ونكث الناكثين، طافت في بادئ سيرها حول البيت وسعت، تمامًا كما فعلت جدّتها هاجر يوم تُركت بوادٍ غير ذي زرع، بلا ماء ولا كلأ ولا ناصر ولا مغيث أو معين، حاملة معها صغيرها يتلظى من العطش، وبالضرورة بحال إن هذه الصور لم تكن لتفارق مخيلة عقيلة الطالبيين ﴿؏﴾، تلك الصور التي ترتسم على الجبال القاسية الخشنة بين الصفا والمروة لتلك الأرواح النيرة، لجدّها إبراهيم ﴿؏﴾، وأمها هاجر، وأبيها إسماعيل ﴿؏﴾، ثم الأمثل فالأمثل من آبائها وأمهاتها الطيبين الطاهرين، فهي بنت ابن مكة ومنى وزمزم والصفا، وهي التي سترث تلك المواقف البطولية، وستسعى كما سعت أمها هاجر، لا لطلب الماء، فحينها يكون الأمر قد انتهى.

لكنها -عقيلة بي هاشم- قد استلهمت الدروس والعبر من القرآن الكريم ومن بيت الله العتيق ومن تاريخ هؤلاء الصفوة البررة، فهي ترى فيهم ما لا يراه غيرها.

هذه هي زينب ﴿؏﴾ وفي الاسم نكتة؛ فأحد معاني اسم زينب هو الشجرة الجميلة الرائحة؛ وفارق بين الشجر والحطب؛ فليس للحطب أصالة الشجر! فالشجرة لها أصول وأسس ثابتة وجذور مغروزة في باطن الأرض، وإن كان الحطب يعدّ وقودًا ويحدث دفئًا ونورًا، ولكنه يحترق أيضًا، ويخرج عند احتراقه أصواتًا ومعمعة، ولكن سرعان ما ينطفئ ويتحول إلى رماد تذروه الرياح.

زينب ﴿؏﴾ هي الشجرة المغروسة في تاريخ النبوات والمحتسية إلى حدّ الامتلاء من رواء المرسلين والصدّيقين، خرجت من مكة تعبُّ الصحاري والبراري والفيافي والقفار، لا يريبها شك أبدًا فيما هي قادمة عليه، ولا يقعد بها عن غايتها المنشودة ما سوف تواجهه من إرهاب وتهديد، ولا يذعرها ما جمعه الطغاة الأمويون وحشدوا له من تهم وأكاذيب وأباطيل ومغالطات وإعلام وإمكانيات، فهي القديرة على أن تحرق أمانيهم وتبدد أحلامهم وأوهامهم، وتذهب بها أدراج الرياح، وأن تميط لثام الزور عن الوجه القبيح لبني أمية -عليهم لعائن الله- وتحيي ما أماتوه من دين رسول الله m. ولإن هذا الدور الجليل من إحياء لأمر أهل بيتها مؤيدًا دائمًا وأبدًا وبجميع المستويات بروح القدس، فكما جاء في الخبر أن كل من أراد أن يحيي أمرهم ﴿؏﴾، أيّده الله بالملائكة، كما ورد عن أهل البيت ﴿؏﴾ ما مفاده: “ما اجتمع إثنان يحيون أمرنا إلا كان ثالثهم ملك يدعو لهم”.

إن امرأة مثقلة بهذه الحمولة العقائدية والتاريخانية بعمقٍ إبراهيمي، لا بُدّ وأن يكون كل ما يأتي من هذه المرأة من الإحياء له نَفَس الأنبياء؛ فحينما نجّى الله ﷻ نبيه إبراهيم ﴿؏﴾ من النار، عندها نفاه نمرود فخرج من الشام نحو القدس في أعلى الشام حيث بنى بيت المقدس، ثم خرج من القدس متوجهًا نحو مصر، واستقبله ملك مصر، ثم خرج بعدها إلى مكة، وبأمر إلهي شرع في بناء بيت الله ﷻ، وقد سماه كما ورد في الخبر قادس.

 

أرض كربلاء هي أرض الظهور بالنسبة لزينب (ع)

إذا ما سلطنا الأضواء على سيرة السيّدة زينب صلوات الله عليها، يصح لنا أن نقول إنها بدأت وتحركت من حيث انتهت حركة جدّها نبي الله إبراهيم ﴿؏﴾، فآخر ما يحدثنا القرآن الكريم عن إبراهيم ﴿؏﴾ هو بناءه للبيت الحرام؛ والسيّدة زينب صلوات الله عليها والتي خرجت من مكة من حيث انتهى جدّها﴿؏﴾ كانت قد خرجت محملة بكل هذا الإرث وهذا التراث نحو العراق، وفي هذا اختيار ربّاني وتخطيط إلهي دقيق، إذ ليس كل العراق بل بالدقة (النواويس). ولذلك ربما كان راجحًا من سيرة العقلاء من الشيعة والعلماء أن يجعلوا لهذا الخروج يوم خاص ومصيبة خاصة.

وبالعودة للنواويس؛ فظاهرًا هي كلمة يونانية، معناها المقابر التي تحفر وتوضع فيها التوابيت، كان يضع النصارى فيها موتاهم وبالإمكان مراجعة قواميس اللغة في هذا المعنى وبالذات نينوى والتي فيها تراث الصالحين من النصارى، ويُقال بأنه قد دفن فيها بعض من الأنبياء ﴿؏﴾.

كل هذه الأرض بالنسبة لزينب ﴿؏﴾ كانت هي أرض الظهور، فكربلاء الأرض التي ظهرت فيها زينب بعد غياب سنوات، لتحيي مآثر النبيين ومناقبهم، صبرهم واحتسابهم وتوكلهم وعزمهم، هنا حيث ستظهر وتتجلى (المرأة الكاملة) كما يعبُّر الشهيد مطهري، جوهرة علي ﴿؏﴾، والظهور، ككل ظهور له إرهاصاته ومقدماته-ولادة لها مخاض وألم، وأما ظهور زينب ﴿؏﴾ كان لا بُدّ وأن يكون في صحراء كربلاء في العراء، وكل حركات زينب ﴿؏﴾ كانت مرصودة، ومواقفها واضحة وجليّة، لتصنع لنا سيرة تاريخ ناصع بيِّن لا غبار فيه.

وهذه ليست مقدمة إنشائية شعرية، بل مختصر لما قامت عليه الآيات القرآنية الشريفة، في السيرة القطعية للسيّدة زينب صلوات الله عليها.

عندنا في سيرة السيّدة زينب ﴿؏﴾ أخبار من الدرجة الأولى، وهناك أخبار من الدرجة الثانية والثالثة، في هذه المقدمة لو أردت أن أقف على كل مفصل سيضيق بنا المقام ، ولكننا إجمالًا سوف نعرف ومن خلال السيرة القطعية الثابتة الأولى التي لا يتردد فيها باحث منصف هو أن ظهور زينب تجلى في صحراء كربلاء.

 

دور العقيلة زينب الرسالي في الإحياء وشبهة تثار حول دور المرأة

وبالعودة للآية الشريفة التي تصدرنا بها البحث، يقول ﷻ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، نجد أن الآية هنا تعيّن وظيفتين، وظيفة الفاعل وهو الرسول (ص)، ووظيفة القابل ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهم المؤمنون الطرف المتلقي للدعوة ولعملية الإحياء، كما أن الاستجابة منهم لدعوةالرسول (ص) لما يحييهم، أو من يقوم بدور رسالي هي واجبة.

وقد تحدَّثنا عن هذه الوظيفة مسبقًا، وكنا قد فرّقنا بين دور النّبي الاختصاصي، وقلنا إن هذا الدور لا يرتبط بمقام النبوة الخاص؛ السفارة عن الله ﷻ، وتلقي الوحي والتشريعات السماوية، وإنما هذا دور رسالي على المؤمنين كافة أن يقوموا به أسوة برسول الله m، ويحيوا هذه الأمة في كل زمان ومكان، وفي مقابل ذلك لزم على المؤمنين المتلقين، الاستجابة لمن يدعوهم إلى الحياة الحقيقية.

والحديث هنا عن فاعل الإحياء، ويأتي سؤال ومبدأه في الحقيقة شبهة! وهو في مدى وقدرة المرأة لتحمّلها لأداء الدور الرسالي من مقارعة الباطل، وإحياء الأمة وكل من حولها من مجتمع وأفراد، كونها وظيفة شاقة وصعبة، وما عهدناه من مذاق المتشرعين أنهم يجنّبون المرأة الأدوار الاجتماعية ذات المسؤوليات الثقيلة؟!

سنجيب على الشبهة إجمالًا ثم تفصيلًا:

ومما لا يخفى علينا ومما جرت عليه العادة أن أول ما يتبادر لأذهاننا أن الوظائف الاجتماعية والتي فيها مهام ومسؤوليات روحية ثقيلة، يقوم بها الرجال، وهذه الشبهة ليست بجديدة وهذا الفهم غير الصحيح ليس وليد اليوم، بل إن هذه الشبهة قد أثيرت في حركة الإمام الحسين ﴿؏﴾، ومن بعض المقربين الخلّص أيضًا، لكن هذه الشبهة انحلت بسيرة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، وسيرة الكاملات التي نقل الله ﷻ الكلام  عنهم، لذلك نرى في الخبر أنه عندما عزم الامام الحسين ﴿؏﴾ على الخروج من مكة إلى العراق، بلغ ذلك أخيه محمد بن الحنفية، فأتاه وأخذ بزمام ناقته وركبها، فقال: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟! قال: بلى، قال: فما حداك على الخروج عاجلًا؟ فقال: أتاني رسول الله (ص) بعدما فارقتك، فقال يا حسين أخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلًا، فقال محمد بن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال له فما معنى حملك هؤلاء النساء، وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ فقال: قال لي رسول الله (ص) شاء الله أن يراهن سبايا(١). وفيه بحث مفصل لكننا الآن نتناوله من جهة أخرى، ما هو منشأ هذا التصور لدى محمد بن الحنفية والكثيرين أيضًا؟

ولعله يكون للنظرة لوظيفة الإمام الحسين ﴿؏﴾ وكونها غيبية، بحيث لا يعرفها إلا الإمام الحسين والسيّدة زينب والإمام زين العابدين صلوات الله عليهم أجمعين منشأ لهذا التصور ، ولكن لكي نحلل الموضوع ونضعه وفق المعايير الفقهية والكلامية، نقول: أن في الفقه منشأين لتصور الفعل الذي له غطاء شرعي، وهناك دليل وحجة شرعية، وتحديدًا فيما يخص المرأة في المجتمع الديني إنما يُعدُّ سلوكها حسن وممدوح وغير مستهجن وقبيح، سيما في مجتمع المتدينين عندما لاتخالف هذين المنشأين ، حيث يعدُّ الفاعل عند مخالفة هذين المنشأين سفيهًا دينيًا أو عقليًا في بعض الأحيان(٢).

وحتى نستطيع فهم كيف ظهرت أمثال هذه الشبهات حول دور المرأة الرسالي بشكل عام وخروج النساء مع الإمام الحسين بشكل خاص نحن بحاجة لبيان وإيضاح مناشىء حجية تصرف ما ومقبوليته في المجتمع الديني:

١– السيرة العقلائية، والمراد بها بإجمال، أن من عادة العقلاء -العقلاء من النّاس- لهم سلوك معين في أيّ شأن من الشؤون، بحيث من شذّ عن هذا السلوك، يصير معرضًا للنقد والتوبيخ، فمثلًا من يذهب في عمق البحر وهو لا يعرف السباحة، فإنه لو مات وبّخه الناس! ولن يعدّ تصرفه هذا عاقلًا، ولا يُنسب هذا النقد والتوبيخ منهم لحكم الشارع؛ فنقد الناس وتوبيخهم فيه نكتة عقلائية مركوزة في جبلة العقلاء. وسيرة العقلاء ليست دليلًا بحد ذاتها، فالشارع يأخذ بسلوك العقلاء عندما لا يكون مغرضًا أو هادفًا، أيّ عندما لا يكون هناك غرض وهدف يؤخذ بخبره، الكل يمكن أن يؤخذ بخبره! فعندما نسأل أحدهم عن الطريق، ويكون المخبر لا هادفًا ولا مغرضًا كما أسلفنا، فبشكل تلقائي سنأخذ بخبره، بل الكل -أيّ عاقل- سيأخذ بخبره، فقد أكون لا أعرفه ولا يعرفني، ولكن لأنه لا غرض ولا هدف له من تضليلي، سوف آخذ بقوله، بل وقد يلومني العقلاء عند عدم الأخذ بقوله! ونحن لسنا في مقام شرح حجية هذه السيرة، وإنما فقط لنبينها(٣)

إذن فالسيرة العقلائية تعدّ دليلًا على صحة شيء من عدمها ، وما بين الإنسان وربه ﷻ ليس المقياس فيه عقول عامة الناس، وقبولهم أو عدم قبولهم! لكن المحدد فيه قبول العقلاء منهم إذا كان المرتكز فيه العقلائية، فهذا دليل بذاته على أن الشارع يرضى بذلك.

٢- سيرة المتشرعة ويعني بهم المتدينين بكونهم من حملة الشريعة، فإن كان لديهم سلوك ما يسلكونه وتواتر عنهم ذلك، يقال عنه سيرة المتشرعة، ونذكر هذا المثال الذي يضربه العلماء كثيرًا؛ لو وجدنا أن سيرة المتشرعة يطوفون حول الكعبة م اليمين لليسار -وهو عكس ما عليه الطواف-، سنقول أنه من غير المعقول أن يُجمع كل هؤلاء المتدينين من النّاس على هذا العمل الشرعي والذي يتوقف عليه صحة الحج اتفاقًا! ولو لم يكن لدينا أيّ دليل أو رواية أن الشارع أمر بالطواف بهذا النحو وهذه الكيفية! لكن مجرد إجماعهم عليه وهم أصحاب الشريعة، دلنا على أن هذا العمل مدعوم من قبل الشارع المقدس. وهذا ما يسمى بسيرة المتشرعة.

٣- هناك أمر ثالث، وهو ما نود التوقف عنده، وهي السيرة الاجتماعية، وهذه السيرة لا تفيد الحجية والدليلية، ويُستهجن ويُعاب ويُقبح من يُخالفها، ولا يمكن أن يعتبر غير متشرع وغير متدين.

وهذه السيرة الاجتماعية وعدم تمييزها يعد مشكلة كبيرة ورائجة بين الناس مما يثير العديد من الشبهات والإشكاليات؛ حيث أن عدم التفريق بين السيرة الاجتماعية وبين السيرة العقلائية وسيرة المتشرعة، بل أن البعض يظن واهمًا في قرارة أعماقه أن السيرة الاجتماعية والسلوك الاجتماعي هو ذاته سيرة المتشرعة، لا سيما إذا كانت هذه السيرة الاجتماعية داخل المجتمع الإسلامي، فقد يتصور البعض بأن السيرة الاجتماعية يمكن أن تخلق جوًا كاشفًا عن حكمًا شرعيًا، بينما السيرة الاجتماعية ليست طريقًا لاستكشاف الحكم الشرعي، ولا تبتني بالضرورة على مرجعية عقلائية حتى! بل إنه قد لا يتطابق بل وقد يختلف ويتعارض في كثير من الأحيان مع منطق الوحي والقرآن الكريم.

وهذا المثال الذي ذكرناه من السيرة الحسينية يعد شبهة وقعت في ذهن محمد بن الحنفية وغيره ممن قالوا للإمام الحسين صلوات الله عليه: لأيّ شيء تخرج معك هؤلاء النسوة؟ كما أن اقتراح البعض على الإمام الحسين ﴿؏﴾ أن لا يأخذ معه أخواته ونساءه، كان مجرد تصور تقليدي اجتماعي، كونه يتنافى ويتناقض تمامًا مع ما خطط له الإمام ﴿؏﴾ وعمل على تأسيسه، كما وأن هذه الرؤية تتنافى مع المنهج القرآني ورؤيته لدور المرأة، وعلى ذلك يمكننا أن نقول بأن هذه الشبهة تحل بسيرة تلك النسوة الكاملات وأن هناك من صمم وأسس وصنع السيرة الشرعية، وهم: خديجة والزهراء وزينب صلوات الله عليهم أجمعين، هذا من حيث التاريخ، وأما من حيث العظمة فهم: الزهراء وزينب وخديجة الكبرى صلوات الله عليهم، ومريم وآسيا ﴿؏﴾(٤).

عدم تمييز السيرة الاجتماعية من عداها يظهر الفتن

ومما يؤسف له أنه وفي كثير من الأحيان يتوهم البعض بأن سيرة المجتمع هي سيرة شرعية! وهذا الأمر لا بُدّ من الالتفات والتنبه له وهذه مسؤولية كل من له علم وهناك مقولة تفيد: “إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمه، وإلا فعليه لعائن الله”(٥)، وهي لا تعني العالم المعمم أو من كان منتسبًا للحوزة فقط، بل العالم الذي يعرف، يقول أمير المؤمنين ﴿؏﴾: (أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ)(٦)، فالفتنة لا بُدّ منها، حيث يقول ﷻ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ البقرة: ٢١٤، أيّ ستمر عليكم هذه الفتن وهذه الابتلاءات كالذين خلوا من قبلكم، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ الأنبياء: ٣٥، فأصل الحياة ومن خصائصها كونها دار بلاء وامتحان، فحين تقبل الفتن لا بُدّ وأن يقف المؤمن فيها مع الحق إذ لا حيادية مع الحق، لا أن يدّس رأسه في التراب كي يتقيها، وللأسف فإن هذا منطق كثير من المتدينين! وهذه دلالة على عدم التدين في الواقع، لقد أصبحت الفتنة في ظن البعض قضية اجتماعية، وهذا التعاطي مع الفتنة غير صحيح ويعد سيرة اجتماعية في حين أنها مسألة مرتبطة بالحق وقبوله وجريًا على ذلك ينبغي أن يكون التعاطي معها على أنها سيرة تشريعية أو سيرة عقلائية لقبول الحق والصواب ولا يكون على نحو التعاطي مع السيرة الاجتماعية.

وعودًا على ما سبق من شبهة خروج النساء إلى كربلاء نقول من غير المعقول أن يكون كل من سأل عن إخراج النساء، من غير العقلاء والمتشرعة! لكن الدافع للسؤال هو السيرة التقليدية والاجتماعية.

والإمام الحسين صلوات الله عليه عالج هذه السيرة بإخراج السيّدة زينب ﴿؏﴾ وأهل بيته ونسائه وأطفاله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ألا لعنة الله على القوم الظالمين.


  1. (شاء الله أن يراهُنّ سبايا)، بحث مفصل تم طرحه من قبل الأستاذة الفاضلة سابقًا.
  2. لأنه إذا كان سفيهًا دينيًا فهو سفيه عقلي بالنهاية، وسوف يصير في معرض اللوم والتوبيخ، و قد يُعدُّ في بعض التصرفات أحمقًا.
  3. وهنا نذكر لكم مثالًا، ذات مرة كنا في زيارة لآية الله المرجع إسحاق الفياض في النجف الأشرف، وحيث الفتوى لديه أن لا يشترط في خروج المرأة من الدار، من بيت زوجها، إخبار الزوج، فطرح عليه سوالاً ما هو دليلكم؟ أنا أعرف من المراجع من يقول بشرط ذلك، قال: أولًا الروايات التي تشترط أن تستأذن الزوجة من زوجها في الخروج تعدّ ضعيفة، ثانيًا السيرة العقلائية، فسيرة العقلاء لا ترى معنى في أن المرأة عندما تريد الخروج لبيت جارتها أو للذهاب لمأتم عزاء قريب، أن تبحث عن زوجها لأخذ الإذن منه، لا تعتبر حركة عقلائية وهو خلاف سيرة العقلاء. 
  4. ربما يقول البعض بأن هذا العدد من النساء يُعدّ قليلًا، وقد كمُل من الرجل كثر، ولم يكمل من النساء إلا هؤلاء؟! و نجيب بشكل سريع بجواب أستاذنا الشيخ جوادي آملي، أولًا: المرأة لم تعطى فرصتها عبر التاريخ، ومن لم يعطى فرصته من الطبيعي أن تُغلق عليه المنافذ، وأيضًا في الحقيقة والأهم أن هؤلاء هنّ صناع السيرة، وكان لهنّ الدور الواضح والجليّ في إحياء الأمة جمعاء. ومن الجيد الإشارة إلى أن الشيخ مكارم الشيرازي له كتاب من أربع مجلدات حول سيرة النساء اللاتي صنعن التاريخ.
  5. روي عن الصادقين (عليهم السلام) أنهم قالوا: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سلب نور الإيمان. وسائل الشيعة: 11 / 510 باب 40.
  6.  ومن كلام له عليه السلام، لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وخاطبه العباس وأبو سفيان في أن يبايعا له بالخلاف وذلك بعد أن تمّت البيعة لابي بكر في السقيفة، وفيها ينهى عن الفتنة ويبين عن خلقه وعلمه، قال عليه السلام: (أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ)، نَهْجُ الْبَلَاغَةِ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 4 / 5. عدد التقييمات 5

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 4 / 5. عدد التقييمات 5

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬124 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها