تقدم القراءة:

المرأة والعبادة.. استعدادات وظهور

الأربعاء 3 فبراير 2021صباحًاالأربعاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

لرسول الله ﷺ والأئمة المعصومين ﴿؏﴾، سيما خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، الحضور الكريم، الأخوات المؤمنات، والمرأة في كل أصقاع العالم بشكل خاص آلاف التبريكات والتهاني بذكرى ميلاد الصدّيقة الطاهرة فاطمة بنت محمد صلوات الله وسلامه عليها.

كما نبارك للأمة ولادة حفيدها وابنها بالحق السيّد الإمام -قدس الله سره – والذي تزامن ميلاده مع ميلادها صلوات الله عليها.

توطئة

حديثنا سيكون بعنوان “المرأة والعبادة؛ استعدادات وظهور”وفي البدء لزم أن نؤكد أن للزهراء ﴿؏﴾ مقامات عديدة؛ وقد ورد في الزيارات المعتبرة في أسمائها وفضائلها وصفاتها الكثير؛ فهي المُحدّثة والعالمة والمجاهدة والممانعة وهي الصدّيقة والطاهرة والنقية. ولكن حديثنا سيكون مداره حول الجانب العبادي في شأنية الزهراء صلوات الله عليها بكون العبادة هي منشأ كل الكمالات وسائر الفضائل لدى أي إنسان؛ فكل الآثار والمقامات التي هي للصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ هي أثر لعبادتها ﴿؏﴾، كما أن  كل مقام للإنسان هو أثر لعبادته، فكل المقامات التي يمكن أن يتحصل عليها الإنسان من علم وعمل صالح وموقعية اجتماعية واحترام ومكانة لدى الآخرين، وكل صفة حميدة يتحصل عليها إنما يكون منشأها العبادة.

ورد عن الإمام الهادي ﴿؏﴾ في الخبر أنه كان جالسًا مع أصحابه وفجأة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون” فسأله أصحابه لمَ استرجعت، قال ﴿؏﴾: “في مثل هذا الوقت قبض الله سبحانه روح أبي الإمام الجواد، قال له كيف عرفت والإمام الجواد ﴿؏﴾ في الكاظم وأنت في المدينة؟ قال وجدت خشوعًا وذلًّا في نفسي لم أعرفه من قبل”.

والذي أثار تقديم وطرح هذا الموضوع ذلك بعد الحملة التي قام بها جمع من المؤمنات من بناتنا وأخواتنا الكريمات بعنوان: “قول وفعل”(١)، ولو أنه عدّ استقراءً ناقصًا ولكن بالإمكان اعتباره مقياسًا جيدًا وواضحًا لمنشأ الخطر أو المخاطر التي تعرض على فتياتنا وأخواتنا وعلى المؤمنات عامة؛ فحين يتصور الإنسان ويعتقد أنه مدرك لمصلحة نفسه، وأنه من يحدد سبل كماله، وله الحرية في أن يختار ما يراه مناسبًا، فهذا منتهى الاعوجاج الفكري والذهني والنفسي، والذي تكون علته ومنشأه التخفف من عبودية الله ﷻ، وعدم الشعور بالحاجة واللذة في عبوديته ﷻ والاتصال به سبحانه.

فلا يحق للإنسان أن ينشغل بأمور كثيرة هنا وهناك، ويلبس على نفسه ويعتقد أنه يقوم بخدمة الناس وهو مقصر في الشأن العبودي لله ﷻ.

ونحن هنا لا ننفي كونه حرًّا ومختارًا؛ لكننا نقول إن قيمة هذه الحرية تكمن في كونها ناشئة من منبع العبودية لله ﷻ، إذ لم يكن هناك أحرار وأبرار كمحمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم  كما عبّر القرآن الكريم، ولكن كون هذه الحرية والتي هي وصف كمالي ومقام روحي؛ هذا المقام ينبع بالأصل من العبودية لله ﷻ، ولذا فأحد أسماء الصدّيقة ﴿؏﴾ “العابدة”(٢).

 

بين الروح والبدن رياضية تنمي الاستعدادات

كثيرة هي تلك الأعمال التي تقوم بها المرأة في شؤونها ومسؤولياتها البيتية والعائلية والاجتماعية فضلًا عن الشخصية والتي لا تجد المرأة بأنها وبكل تلك الأعمال تملأ استعدادها وتخرج وتبرز مكنونها الذي وضعه الله ﷻ فيها؛ كون تلك الأعمال لا تعبأ ولا تهيأ الوعاء الذي أعطاه الله ﷻ إياها، فكما جاء في الرواية عن أمير المؤمنين ﴿؏﴾: “يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ (٣)، فخير القلوب أوسعها، وهي التي قد تعبأت بما يجب أن تتعبأ به؛ لذا فإن كل عملية إفساد للمرأة إنما هي تبدأ من إخراج المرأة وحرفها عن هذا المحيط الروحي والربّاني، وكل إفساد وانحراف ونقص وعدم فهم أو قلة استيعاب وجهل عملي كان أو نظري إنما منشأه من إزالة المرأة وإزاحتها عن هذا المقام المعنوي الشامخ أو فلنقل بأن مايحدث الآن ومايجري العمل عليه هو عملية إشغال للمرأة عن هذا الأمر، وصرف همتها من ابتغاء الرياضات الروحية العالية إلى ابتغاء رياضات ثانوية، وما التعبير عنها بالرياضات إلا من باب التأدب. ولا مانع أن تشترك المرأة في نوادٍ رياضية، وأن تتعلم مهارة السياقة، أو تمارس لعبة كرة القدم في مكان مغلق يصون عفافها ويحفظ جلالها، إذ وبشكل عام لا يوجد مشكلة في ممارسة أي نشاط مع حفظ الضوابط والحدود التي وضعتها وأقرتها الشريعة الإسلامية، فالرياضة البدنية مطلوبة بقدرها، لكن لا أن تغلب على الرياضة المعنوية.

ولكن السؤال المُلح الذي نطرحه: هل باتت المرأة اليوم تعطي من الوقت والاهتمام والجدّ والاجتهاد ومن الهمّة أو تبذل الأموال من أجل وفي سبيل الرياضات الروحية بمقدار وكم وكيف ما تعطيه من الزمان والوقت والتخطيط لممارسة الرياضة البدنية أو أي نشاط آخر مرتبط بعالم المادة بعيدًا عن عالم الروح والمعنى؟!

 

تسبيح الزهراء ﴿؏﴾ قراءة معمقة

ومن خلال ما قدمنا حول الرياضات الروحية سوف نتحدث حول العبادة وأثرها في ظهور وبروز الإمكانات الروحية والاستعدادات الكامنة في المرأة ودورها في مسيرها التكاملي ومن هنا نفتح بابًا لقراءة عميقة لتسبيح الزهراء ﴿؏﴾ الذي وهبه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه للصديقة الزهراء ونحلها إياه كما نحلها فدكًا والعوالي، وهذه الموهبة التي وهبها الله الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ هي لها بالأصالة، ولنا وبلا شك بالتبع؛ إذ أن أفضل الأذكار والأدعية عندنا كما هو مأثور بين العلماء هو تسبيحة الزهراء ﴿؏﴾، والذي ورد التأكيد على استحباب الإتيان به بعد كل فريضة ونافلة، كما يستحب الإتيان به قبل النوم، بل ودائمًا، وفي كل الأحوال فإن من أفضل الأذكار ذكر الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾، كما أفتى بذلك علمائنا الأعلام في كتب الرسائل العملية(٤)

 

آثار تسبيح الزهراء ﴿؏﴾

ورد في الرواية عن الإمام الباقر﴿؏﴾: لو كان هناك شيء أفضل من تسبيح الزهراء لنحله رسول الله ﷺوآله إلى الصديقة الطاهرة.(٥) وسنذكر أثرين بالغين لتسبيح الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ بما يعد دلالات واضحة نتبينها من تسبيحها صلوات الله عليها.

  • الدلالة الأولى: التسبيح أنس بالله وانسجام والتحام مع الكون والموجودات

الدلالة الأولى للتسبيح تنطبق مع مقولة الفلاسفة: من أننا كلما ترقينا عن عالم المادة، وعالم الكثرات، وعالم التشويش، وارتفعنا؛ نصل إلى عالم الوحدة، وعالم صفاء النفس، وتوقد العقل.

ولا يراد بالوحدة  هنا الانعزال التام والكامل، وإنما أن يحشر الإنسان نفسه مع الذاكرين والمتفكرين ، وليس المراد منه أن يعيش الإنسان بلا أنيس؛ لأن هناك تأكيد بأن هذه الوحدة هي تمام الأنس(٦)، وإنما تروض النفس على أن تأنس بوحدانية الله ﷻ، لأن الوحدة والأنس بالله ﷻ هو ديدن كل الموجودات في الكون ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ﴾(٧) النور: ٤١، غارقة في الانقطاع لله ﷻ بلحن واحد، وجهة واحدة، لا يصطدمون مع الأمواج والأهواء، ولا يشغلهم شاغل عن ذكر الله ﷻ، ولأنهم كذلك؛ فهم بالدقة الفلسفية أغنياء.

فالماء -كمثال على إحدى هذه الموجودات- لا يحتاج للإنسان منذ أن خلقه الله ﷻ، كذلك حال الهواء لا يحتاج للإنسان، بل كل هذه الموجودات هي غنية بالله ﷻ، فذات انقطعهم للهﷻ ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الإسراء: ٤٤(٨)، هو غنى به عن من سواه ﷻ، وهو تسبيح إدراكي ومعرفي فهذه الموجودات مدركة للتسبيح وقد خضعت لولاية الله ﷻ وخشعت له بالعبودية، وليس لديها حاجة لأي موجود غير الله ﷻ، ولا حتى الإنسان، إذ ليس في وجودها أدنى نقطة فراغ ولا جهة تجذبها غير الله ﷻ؛ فقد أصبح وجودها ممتلئ بالله ﷻ؛ وهذا نوع من الصمدانية والغنى بالصمد، أي: أن هذه الموجودات صمدت لله ﷻ فألقى الله عليها أسمائه وصفاته.

 

فضل الوحدة والأنس بذكر الله ﷻ

جاء في الرواية: “أيا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله انسه في الوحشة، وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه من غير عشيرة” (٩) والوحدة هنا بمعنى الأنس بذكر الله ﷻ. وقال الأمير ﴿؏﴾: “الانفراد لعبادة الله كنوز الأرباح”(١٠)وقيل للإمام الصادق ﴿؏﴾ -وكان له خلوة بالعقيق، وهي منطقة بالقرب من مكة كان الإمام يخلو فيها-: تعجلت الوحدة فقال ﴿؏﴾: “لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت من نفسك” ثم قال ﴿؏﴾: “أقل ما يجد العبد في الوحدة من مداراة الناس”(١١).

وعنه ﴿؏﴾: “إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن “(١٢). فالإنسان إذا ما اختلط مع الناس اضطر لأن يداري ويحابي ويجاري ويماري ويشاكس ويكابر؛ فكل الأخلاقيات تأتي من الاختلاط بالناس من دون معايير وموازين؛ فمنذا يستطيع أن ينجو من هذه الأخطاء والآفات والأخطار، كما جاء في مفاد الرواية السابقة فمن ذا يستطيع أن يلقي بنفسه في هذا المحيط المليء بالأمواج العاتية ومع ذلك يحفظ توحيده كاملًا ناصعًا ويحفظ ذهنه وعقله صافيًا غير مشوب؟!

وهذا المعنى المذكور حول الأنس بالله نجده واضحًا جليًا في دعاء السحر وكما هو معلوم أن من أفضل الأدعية دعاء السحر؛ كوننا نطلب من الله ﷻ ونسأله وندعوه بصفاته “اللهُمَّ إنّي أسألُكَ مِن بَهائِكَ بِأبهاهُ وَكُلُّ بَهائِكَ بَهيُّ اللهُمَّ إنّي أسألُكَ بِبَهائِكَ كُلِّهِ، اللهُمَّ إنّي أسألُكَ مِن جَمالِكَ بِأجمَلِهِ وَكُلُّ جَمالِكَ جَميلٌ اللهُمَّ إنّي أسألُكَ بِجَمالِكَ كُلِّهِ، اللهُمَّ إنّي أسألُكَ مِن جَلالِكَ بِأجَلِّهِ وَكُلُّ جَلالِكَ جَليلٌ اللهُمَّ إنّي أسألُكَ بِجَلالِكَ كُلِّهِ”(١٣) أي: اعطني بأبهى بهاء تتصف به، ونحن نسأل الله ﷻ هذه الصفات التي هي صفات له ﷻ كي نستغني عن سائر الموجودات.

وهنا نقول أن طبيعة الإنسان هي حاجته إلى الموجودات، وطبيعة الموجودات كونها مستغنية عن الإنسان، وفلسفة هذه النتيجة؛ أن هذه الموجودات إنما اكتفت بالله ﷻ؛ كونها منسجمة مع حقيقتها كونها مخلوق لله خالص العبودية لله ﷻ ، وبهذا التسبيح لله ﷻ تعبأت أوعيتها حتى أصبحت ملئ بتوحيد الله ﷻ.

وما نريد أن نخلص إليه ومن خلال هذه المقدمة أن التسبيح والتحميد والتكبير كما هو في تسبيح الزهراء ﴿؏﴾ ميزته أنه يجعل الإنسان منسجمًا وملتحمًا مع كل الوجود.

وبالعودة للمرأة وإذا ما دققنا في مواصفاتها والتي تعدّ أنقى وأكثر شفافية؛ فإن أكثر ما تميل إليه هو المسالمة والمصالحة مع نفسها، وربها، والموجودات، وكل من حولها وهذا المعنى يتضح من خلال هذا المثال العرفي؛ فلو تأملنا فيما حولنا لوجدنا أن الاختلافات والاصطدامات لاتؤثر على الرجل ولا تسبب له أي شاغل وعائق عن شؤونه الأخرى خلافا للمرأة والتي تميل للتصالح والتسالم والانسجام ؛ لأنها أكثر شفافية فإن الاختلافات تؤثر عليها كثيرًا وهذا يفسر لنا لماذا لم يوجب الله على المرأة الجهاد الاصطدامي؛  لأنها روحيًا غير مستعدة لذلك.

 وعلى ضوء ذلك نفهم أن ما يجعل الإنسان عابدًا لله ﷻ، وهو ما يجعل المرأة أكثر عبودية وتقبلًا للأحكام الشرعية والحياة الدينية هو الانشغال بذكر الله وعبادته؛ لا أن  تشغل المرأة في هذا المجتمع بما يراد ويخطط لها؛ فتلبس بنحو وتأكل بكيف؛ إذ أن هذه الشواغل تسلب من الإنسان بشكل عام، والمرأة بشكل خاص لذة الإنس بالله ﷻ، كما أنه يعمل على إفراغ المحتوى العميق الذي عبأه الله ﷻ في وعاء روحها الطاهرة؛ لذا فإن الذين يذكرون الله كثيرًا دائمًا ما يكونون قليلي الصراعات والاحتكاكات والخلافات، فهم في طبيعتهم سلميون، وعمدة وعماد هذه الطبيعة هي عبودية الله وذكره ﷻ،  والذي هو بمثابة العطر الذي ملأ المرأة وهو ما يحول بينها وبين الانشغال بغير ذكر الله ﷻ. وبهذا الأنس بالذكر والعبادة يتجلى اسم الله ﷻ الصمد الغني والذي يقابل فقر الإنسان، بكونه فارغًا أجوفًا لم يتعبأ ولم يمتلىء بذكر الله ﷻ، وإذا ما امتلأ الإنسان بهذا التسيح والتحميد والتمجيد والتي هي من “الذكر الكثير” ولحيثية كونه كثيرًا فهو سيملأ القلب، أي لن يجعله محتاجًا لغير الله ﷻ من الناس أو الموجودات؛ فهو مستغن لا يحتاج إلى من يثني عليه أو من يمتدحه ويعجب به في مقابل خسارته للكثير من القيم .

إذن ومن خلال كل ماسبق ندرك ونعي أن من أبرز الدلالات  لتسبيحات الزهراء ﴿؏﴾ هي كونها سبب للأنس بالله سبحانه وتعالى  وسبب للتصالح والانسجام مع الموجودات والكون؛ لأن كل الموجودات غنية بالله ﷻ، لا تفتقر في وجودها إلى أحد غيره ﷻ، وهذا هو عمل التسبيحات، وأحد أبعاد ودلالات فلسفة تسبيحة الزهراء ﴿؏﴾.

 

نكتة في التسمية بتسبيح الزهراء ﴿؏﴾

سميت هذه الأذكار المعروفة بتسبيح الزهراء ﴿؏﴾ وليس بتحميد الزهراء ﴿؏﴾ مثلاً في إشارة للتحميد أو التهليل والتكبير! رغم أن التسبيح هو آخر ما يذكر في تسبيحة الزهراء ﴿؏﴾، والنكتة هنا أن التسبيح إذا كان تامًا؛ فهو ينطوي على التحميد، وإذا كان عميقًا نابعًا من معرفة وفيه إطلاق وتنزيه لله ﷻ؛ فإنه سينطوي على التحميد وعلى التهليل كذلك، و لذا فإن الله ﷻ عندما يتمدح رجالاً ويثني عليهم بأنهم لا يغفلون عن ذكره ﷻ يقول: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ النور: ٣٧ يقول: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ النور:٣٦، فلم يشر لحيثية كونهم حامدون، وعندما امتدح العارفين بالله ﷻ  الذين لهم حق الوصف وذلك لجلال مقامهم وقربهم من الله ﷻ؛ فلهم ما لم يكن لغيرهم يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ۞ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الصافات: ١٥٩-١٦٠، فهؤلاء ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ فهم المسبحون، وهم من يعاملهم الله ﷻ معاملة استثنائية وينظر لكل أعمالهم نظرة ليس فيها عتب أو مؤاخذة ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ النور: ٣٨، يقول العلاّمة صاحب الميزان في قوله: ﴿يَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾، أي أنه يجزيهم بإزاء عملهم من كل باب جزاء أحسن عملهم في ذلك الباب؛ أي: يأخذ صلاته، ثم يأخذ منها أحسنها -أي أحسن صلاة قد وفق لها في حياته-، وتكون هي جزاءه لبقية وكل الصلوات التي جاء بها. كما يأخذ صدقه لأن الصدق يثاب عليه الإنسان، وإن لم يكن واجبًا بذاته(١٤)، فإذا صدق الإنسان في مورد فكل أعماله يصبغها الله ﷻ بأحسن عمل قد قام به وهو صادق؛ ويقول العلاّمة :إن مرجع ذلك أنه ﷻ يزكي أعمال العباد فلا يناقشهم بالمؤاخذة في جهات قد توجب النقصان أو انحطاط قدر هذه الأعمال، فعدّ الحسنة ويجازي على الحسنة بأحسن منها.

وبهذا نعرف موقع التسبيح كونه يملأ الحياة سلمًا وسلامًا وانسجامًا وتناغمًا؛ فالكائنات كلها بصوت واحد، ونغم واحد تسبح لله ﷻ وتسبح بحمده ﷻ، وهذه مسالمة، ولذا فالإنسان الذي يسبح الله ﷻ يغدو بدنه مسبحًا لله ﷻ كذلك. يقول تعالى في كتابه الكريم عن الشجر: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ الرعد: ١٥، فإن هذه الظلال ﴿وَظِلَالُهُم﴾ تسجد لله ﷻ  كما هو حال الشجر ساجد عابد لله ﷻ مسبح له ﷻ. كذلك الإنسان عندما يسبح لله ﷻ فإن بدنه يغدو مسبحًا لله ﷻ، كحال الأشياء التي من حولنا، وهذا مطلب واضح ولا يلزمنا الخوض فيه أكثر مما ذكرنا، بل نحتاج الخوض في الحالة المقابلة وهي الضد من حالة عدم المسالمة ونتائجها؛ إذ أن الصراع والتصارع مع الأمور والأحكام الشرعية، لهو أمر عجيب واقعًا(١٥).

  • الدلالة الثانية: تسبيحة الزهراء أشرف العبادات

الدلالة الأخرى في تسبيحة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها ونذكرها بشكل سريع وهي مهمة جدًا بكون -تسبيحة الزهراء ﴿؏﴾- أشرف العبادات على الإطلاق، وهذا ما جاء ومما تضافرت عليه الروايات. فأول العبادات هي معرفة الله ﷻ يقول الإمام الصادق ﴿؏﴾: “ما أعلم شيئًا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة …”(١٦)

فلماذا للصلاة كل هذا الموقعية والامتياز؟ وما شأن تسبيحة الزهراء ﴿؏﴾؟! (١٧)

والصلاة في واقعها هي الصلة والعلاقة والارتباط بالله ﷻ، وكما يصلي الإنسان لله ﷻ ويطلب وصال الله ﷻ؛ الله ﷻ كذلك يُصلي الله على الإنسان ويطلب وصل الإنسان ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ الأحزاب: ٤٣، فصلاة الله ﷻ على الناس ليست كي ينال الإنسان جنات عرضها السماوات والأرض؛ فالإنسان قد ينالها بأدنى نوع من أنواع العبادة، وليس بالانقطاع لله ﷻ ينال الإنسان هذا الوصال، إنما تكمن أهمية كل هذه التشريعات وكل الصلوات والعبادات في الذكر ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ طه: ١٤، فالإنسان ينال جوار الله ﷻ وينال بيتًا في الجنة مع الله ﷻ وفي جواره من أجل ذكر الله ﷻ.  فأفضل الذكر وأحسن هذا الذكر على الإطلاق كما أفتى به مراجعنا العظام هو ذكر تسبيحة الزهراء ﴿؏﴾.

 

تسبيحة الزهراء مشروع الحصانة والتأمين والسلامة الروحية للمرأة

وإذا ما دققنا في الدلالتين السابقتين لتسبيحة الزهراء سندرك أن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ قد أعطت ووهبت لنا مشروعًا يمنحنا الحرية من الخطوط الشيطانية في كل مرحلة وفي كل زمان ومن كل أحد، فمشروع الشيطان وما يريده أن ينزع عن الإنسان لباسه ليريه سؤته (١٨)، وهذا هو هدف شياطين الإنس والجن على السواء.

ونحن دائمًا ما نشعر بالحاجة لفلسفة الحجاب، في حين لو التفتنا إلى هذه النقطة الجوهرية لوجدنا أن الذي ينزع عن المرأة لباسها، والذي يسؤها أكثر من الرجل؛ هو سلبها حلية الحياء والأدب، وسلبها جلباب العفة والأخلاق وهذا أكثر ما يسيء للمرأة، وهو أكثر ما يريده الشيطان ويسعى إليه.

إن هذا التسبيح في الحقيقة هو من يخرج المرأة من محيط دائرة المخططات ومن محيط دائرة العبث والسوء ليخرجها إلى محيط ذكر الله ﷻ. فإذا أُخذ الذكر قلب المرأة، الذكر الذي يصفي هذا القلب ويجلوه ويجعله سليمًا في ذلك اليوم الذي قال عنه ﷻ ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۞ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الشعراء: ٨٨-٨٩

ومن هنا نخلص إلى نتيجة وهي أن المرأة والتي تعدّ الأكثر تأثرًا بظهور وانكشاف السوء، والضعف أمام الناس وأمام الله ﷻ، فهذه المرأة قد حصنتها الصدّيقة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، وإن كان هذا التسبيح هو حصن للجميع، لكن كون المرأة أكثر رقة وشفافية فهذا مما يجعلها تتأثر أسرع بالأعمال الصالحة، وكما قلنا فإن تسبيحة الزهراء ﴿؏﴾ مستحبة في كل يوم وطوال اليوم، دائمًا وأبدًا، وتجعل الإنسان في ضمن من قال عنه ﷻ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ المعارج: ٢٣،

ولو لم يصلنا من الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ إلا هذا التأمين، وهذا السلم والعافية الروحية، وهذا العطاء المعنوي وهذه الرياضة الروحية والتي يجب أن نعطيها بالغ الاهتمام والأهمية لكفى، ولو لم يكن إلا هذا التسبيح الذي لم يعرفه أعداء الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، ولا يعرفه معارضيها ولا يعرفه من لم يرتضع من هذا البيت النبوي الذي أصله في السماء، في عرش الله ﷻ “خَلَقَكُمُ اللهَ أنواراً فَجَعَلَكُم بِعَرشِهِ مُحَدِقِينَ حَتّى مَنَّ عَلَينا بِكُم فَجَعَلَكُم في بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيها اسمُهُ”، لكفى ؛ إذ أنه بحق من أعظم وأجلّ النعم التي منّ الله ﷻ بها علينا.

أسأل الله ﷻ أن يهبنا في الدنيا معرفتها صلوات الله وسلامه عليها، وفي الآخرة شفاعتها وقربها وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، والحمد الله رب العالمين.

 


١. “قول وفعل” انبثقت من وسط المجتمع المحافظ الذي بات يشتكي من بعض المظاهر اللا دينية لدى فتياته وبناته العزيزات، وكان الهدف منها إحياء الروح الدينية لديهن وفطرتهن الخيرة. وانطلاقًا من المسؤلية الاجتماعية أمام الله عز وجل وأمام العوائل والأسر والبنيات الغاليات، انطلقت هذه الفكرة، وتضمنت هذه الحملة الارشادية مقابلات ولقاءات وحوارات من الوسط الاجتماعي على اختلاف المناطق، وقد شاركت فيها بنات وأخوات فاضلات كانت لهن تجربة حية غنية مع العباءة أو حتى الحجاب.

٢. مما يجدر الإشارة إليه مما ينقل من خصائص السيّد الإمام هو كثرة عبادته، وكثرة صلاته وصيامه وكثرة قراءته للقرآن الكريم.

٣. نهج البلاغة، الحكم، الحكمة ١٤٤.

٤. يمكن مراجعة رسالة السيّد السيستاني، ورسالة السيّد الإمام واستفتاءات السيّد القائد سوف لا تجدون أفضل من هذا الذكر.

٥. عن أبي جعفر (ماعبد الله بشيء من التحميد أفضل من تسبيح فاطمة ، ولو كان شيء أفضل منه لنحله رسول الله (ص) فاطمة (ع) الكافي ج 3 ص342وتسبيحة الزهراء ﴿؏﴾ كما ورد في الرواية: أنه من الذكر الكثير، وفي رواية عن الإمام الباقر﴿؏﴾: تسبيح الزهراء فاطمة (ع) في دبر كل صلاة أحب إليّ من صلاة ألف ركعة في كل يوم  الكافي ج3 ص343. والتسبيح يبدأ بالتكبير ٣٤ مرة والتحميد ٣٣ مرة والتسبيح لله ﷻ ٣٣ مرة .

٦. “يا أنيسَ مَن لا أنيسَ لَهُ، يا أمانَ مَن لا أمانَ لَهُ”. من دعاء الجوشن الكبير، مفاتيح الجنان

٧. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ النور: ٤١

٨. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ الإسراء:٤٤

٩. بحار الأنوار، ج١، ص١٣٧.

١٠. غرر الحكم 6504

١١. الكافي ج8 ص128

١٢. الكافي ج8 ص128

١٣. دعاء البهاء، كتاب مفاتيح الجنان، للشيخ القمّي

١٤. الصدق واجب عقلي وليس شرعي ولكن الكذب حرام .

١٥. في حملة “قول وفعل” والتي أشرنا لها في مطلع الحديث كنا قد تناولنا فتاوى وأحكام فقهية لمراجعنا العظام كالسيّد السيستاني، والسيّد الخامئي، والسيّد الگلبيگاني، ومن الغريب والعجيب أن بعض الأمهات كانت تقول لا ترسلوا مثل هذه الفتاوى خشية على بناتهن من الأذى والخوف من هذه الفتاوى الشرعية؛ وهذا واقع مؤسف جدًا.

١٦. بحار الأنوار ج79 ص226

١٧. عندما يأتي الإنسان للصلاة إنما هو يتصل بالله ﷻ ويرتبط به وهذا هو معنى الصلاة فهي مشترك معنوي تفيد معنى الاتصال  الدليل على ذلك أن حركات الإنسان في الصلاة من ركوع وسجود ليست هي ذات الصلاة، ولو كانت من أركانها؛ فالغريق في البحر يجب عليه الصلاة أي أنه يأتي بالصلاة، ولو لم يستطع أن يسجد ويركع كونه يتصل بالله ﷻ، يذكره بهذه الأذكار وبهذا النحو المخصوص كي يتقرب إلى الله ﷻ ويتصل به سبحانه.

١٨. ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الأعراف: ٢٧

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬121 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها