تقدم القراءة:

نتمسك بالزهراء (ع).. لماذا؟

الجمعة 18 ديسمبر 2020صباحًاالجمعة

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين

أحر العزاء بذكرى شهادة الصديقة الطاهرة المظلومة المغصوب حقها فاطمة بنت رسول الله m ، وحسبنا أن هذا اليوم أشدّ الأيام وأقساها على قلب أمير المؤمنين ش فهو بفقدها يفقد الركن الركين والأساس الذي اتكأ واعتمد عليه في حياته الجهادية والاجتماعية، وحسبنا بذكر هذا المشهد أنه ش حينما دف الصدّيقة الطاهرة س جلس على قبرها وهو يخط بأنامله التراب بمنظر الثاكل الذي عزّ عليه صبره وخانه تجلده وهو يقول كما جاء في الرواية من أمالي الطوسي وأمالي الشيخ المفيد “لما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن وأسال دموعه على خديه وحول وجهه إلى قبر رسول الله m  وآله فقال: “السلام عليك يارسول الله عني وعن ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك والثابتة في ذرى بقيعتك المختار الله لها سرعة اللقاء بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري وضعف عن سيّدة النساء تجلدي”

 

توطئة

حديثنا بعنوان “نتمسك بالزهراء ﴿؏﴾ لماذا؟”

إذ لا شك أن هناك أمور كثيرة وعديدة تستدعي ذلك ولكننا هنا ومن خلال هذا الحديث نريد أن نسلط الضوء على أمر مصيري ومهم للغاية كما هو دنيوي هو أخروي أيضًا.

فالزهراء صلوات الله عليها حينما تحركت لهدم أسس تلك الحكومة الغاصبة الجائرة الظالمة تحركت في وضح النهار ولم ترضَ لحركتها أن تكون سرية أو نخبوية وهذا خلاف عادة القادة؛ فمن يريد أن يواجه حكومة غاشمة ويريد أن ينقض أصل وجودها ويجتث جذور الظلم فيها لا يتحرك منفردًا، بل يتحرك بعد أن يضع لخططه سقفًا زمنيًا يجمع حوله الأنصار والمؤيدين والموافقين له في الرأي والفكرة والمنهج، ويبدأ حركته في سرية تامة حتى لا يحكم عليها بالقضاء وأن تُوأد في مهدها، فيعمد إلى تكوينهم ضمن مجموعات حيث توزع عليهم الأدوار، وتبقى على هذا النحو من السرية حتى يستحكم له الأمر ويصبح الوضع مؤاتيًا وفق الرؤية بحيث يتحرك وينهض في الزمان والمكان المناسب.

أما الزهراء صلوات الله عليها والتي لم تجد لها أنصارًا غير أمير المؤمنين ﴿؏﴾وخمسة من الخلص؛ كانت في حركتها المعلنة والتي قد جاهرت بها في كل مراحلها من الإعلان وحتى النهوض؛ مما أدى إلى أن يعمد الظالمون لها يقصدون قتلها.

وباعتبار أن الزهراء ﴿؏﴾ لم تنجح في نهضتها وثورتها؛ لم يكن متخيلًا في ذلك الوقت عند أحد من المسلمين ولا بأي نحو أن ينتهي الأمر بقتل الزهراء ﴿؏﴾؛ إذ مهما بلغت ردة فعل الحكومات الغاشمة من ظلم وغطرسة وتمادي؛ إلا أنه عادة ما يكون هناك نحو ومساحة من التعقل والحكمة في ردات الفعل فتعمد للتغافل وتنظر لأمثال هذه الحركات بنظرة المتجاهل؛ أما عندما تكون ردة الفعل أقسى من الفعل ذاته وبكثير!! فذلك يعني أن الظالم والباغي كان مصرًا على بغيه ولآخر نفس، ولو أدى ذلك لقتل الزهراء ﴿؏﴾ وهو أعرف ما يكون بمكانتها.

كذلك كانت الزهراء صلوات الله عليها ثابتة ومصرة على إكمال حركتها المعلنة وبهذا النحو الجماهيري الجهري ولو أدى ذلك إلى قتلها أو قتل غيرها؛ فالناس وكما جرت العادة تبدأ بالتدريج ثم تصعد من سقف المطالب؛ أما الزهراء صلوات الله عليها نجدها بدأت من آخر الخط، وبكل إصرار وتركت نقطة البدء الأولى والتي يتصور أنه يلزم لها أن تبدأ منها، فما سبب هذا الإصرار؟ وما الذي يدفعها ﴿؏﴾ أن تمضي في مشروعها حتى آخر رمق؟!

أسباب رفض الظلم ومقاومته مهما بلغ وفق الأدبيات القرآنية

وإذا ما تأملنا في القرآن الكريم سنجد أن هناك مسألتين مهمتين أو لنقل سببين أساسيين أصيلين لرفض الظلم ومقاومته ولو بلغ ما بلغ، ولا ننفي بذلك وجود غيرهما من الأسباب وتعددها؛ فقد توجد أسباب أخرى ولكن الحديث عنهما كونهما الأساس وفق أدبيات القرآن الكريم.

السبب الأول: له ارتباط بالوجود الفردي للإنسان (الكرامة الذاتية)

فقد أكدّ الله ﷻ في كتابه الكريم على أصل وحقيقة ثابتة وهي أنه خلق الإنسان كريمًا حيث يقول ﷻ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء: ٧٠ وهذه الكرامة ذاتية؛ ولم يتحدث الله ﷻ عن موجود ويصفه بأنه كريم غير الإنسان، حتى أننا عندما نريد أن نصف شجرًا، حجرًا، ماءً هواءً؛ أي موجود كان ما كان غير الإنسان لا نصفه بكونه كريم فالشجر خلقه الله ﷻ قويًا .

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ أي: قابلة للتحقيق يعني هكذا خلقنا بني آدم خلقناه كريمًا.

وعلى الإنسان أن يتحصل على الكرامة الواقعية؛ فالكرامة صفة يترشح عنها كثير من الفضائل والقيم؛ روحية، أخلاقية، سلوكية واجتماعية والتي تمنع الإنسان من أن يضل ويطغى بحيث يصبح قاطع سبيل. فالإنسان الكريم لا يستطيع أن يعيش في دولة ليست كريمة، كما أن المرأة الكريمة لا ترضى أن تكون مبتذلة عند الرجال؛ فلا تجدها ترتدي من اللباس ما لا يكنفها الحشمة ويسبغ عليها رداء الحياء، وكلما كانت جذوة الكرامة أشدّ في المرأة كلما كان شعورها في الحفاظ على كرامتها بنحو أعلى وأشدّ وأرقى.

وهنا قد نفهم كيف يكون الحال حين تعمد الحكومات الظالمة والجائرة وتحاول أن تعبث بهذه الطبيعة الأساسية والهوية الذاتية للإنسان وتسلبه كرامته.

وكمثال وشاهد على ما نقول الإنسان الغربي والذي يحيا مسلوبًا لتمام كرامته وبأدنى تأمل في واقعهم نجد ذلك الامر واضحًا.

فعندما يعمد أحدهم لجعل هذا الإنسان الكريم مبتذلًا، لا موقع له، يعامله معاملة اللئيم؛ وفي الحقيقة فإن أثر ذلك سيظهر على أجيالٍ كاملة من البشر فسوف تنقلب عن هويتها وطبيعتها التي خلقها الله ﷻ عليها.

ولنا أن نتسائل هل ستقف الحكومات الجاهلة التي تسلب الإنسان كرامته عند هذا الحد؟! حتمًا لا.

كل ما يرتبط بهذا الإنسان الكريم يكون كريمًا:

نجد أن الله ﷻ جعل كل ما يتصل بهذا الإنسان والذي أسبغ عليه من بعد الخلق الكرامة فكان كريمًا مثله.

العرش الكريم:
يقول ﷻ في وصف العرش: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ المؤمنون: ١١٦

والعرش إشارة إلى أن عالم الوجود كله خاضع لحكم الله سبحانه وتعالى، وهو مقابل العلم، وهو مقام الرزق، والإفاضة، ومقام العفو والمغفرة.

الرسول الكريم
كما أن النبي ﷺ وآله الذي أرسله سماه كريم ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ التكوير:١٩ أي: إنه خلق الإنسان كريم العلم: أي المكان الذي يأخذ منه الإنسان علمه.

الملائكة الكرام:
يقول تعالى ﴿بأَيْدِي سَفَرَةٍ ۞ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ عبس ١٥- ١٦ فالسفرة هنا بمعنى: الملائكة الموكلين بإيصال الوحي الإلهي إلى النبي ﷺ وآله، أو الكاتبين لآياته ويصفهم القرآن بأنهم كرامًا :﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ ۞ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ الإنفطار ١١- ١٢، وهي الملائكة التي تكتب أعمال الإنسان، وهي لا تكتب كل شيء؛ فإذا ما أذنب الإنسان وعصى ربه ﷻ؛ تمهله الملائكة حتى أربع ساعات لا تكتب عليه خطأه، ويقال الساعات ليست كساعتنا، وقيل سبع ساعات، أي: سبع نشآت؛ فالإنسان أول ما يذنب قد يستلذ بالذنب، أما في المرة الثانية فقد يبدأ بمحاكمة نفسه، وفي الثالثة يبدأ يتهم بالخطأ ويحاكم غيره ، في الرابعة.. وهكذا فإنه يتقلب من حال إلى حال، حتى يصبح حاله في السابعة الكثرة  يقول: “استغفر الله ربي وأتوب إليه” معترفًا بذنبه.

وقد يتساءل البعض أين الكريم هنا؟
الكريم هنا في توازٍ مع الإنابة والاستغفار؛ فذات الإنسان الكريمة هي التي تدفعه إلى هذه النقطة.

فموقع الإنسان الأول كونه كريمًا ذاتًا ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ -كرامته ذاتية- لكنها قابلة للتطور بنحو الكسب فهذا تطور كسبي؛ وإذا ما دخلت هذه النفس في عالم التقوى أصبحت في تسابق مع عالم الكرامة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ الحجرات:13،

السبب الثاني: النتيجة والعاقبة الاجتماعية (الكرامة الاجتماعية)

بعدما تحدثت الآية الكريمة عن الكرامة الفردية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ تحدثت عن نتيجة وشأن اجتماعي وعاقبة اجتماعية يقول ﷻ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الإسراء: ٧١،

النّاس يدعون بإمامهم:

في يوم القيامة يدعى الناس بكتابين:

الأول: مايرتبط بعمل الإنسان الفردي يقول ﷻ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الإسراء: ١٤ هذا الكتاب الفردي عبر عنه ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ الإسراء: ١٣، هذه نتيجة وهذه عاقبة وجزاء فردي للإنسان.
الثاني: مايتعلق بكونهم أمة؛ جزاء رئيسي وهو الأهم حيث يقول ﷻ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ إذ لا يدعى الإنسان باسمه أو بوالديه ولا يدعى بعمله، بل يدعى بإمامه؛ وهذا يكون في مرحلة من مراحل يوم القيامة أشدّ وأصعب من سابقه الذي يدعى فيه باسمه؛ فمن أئتم بحاكم جائر خسر حسناته وأعماله الصالحة؛ صلى ما صلى، وصام ماصام طالما هو ملازم لحاكم جائر فكل أعماله ستغدو لا قيمة لها.

الأسباب التي جعلت الزهراء تتحرك من أقصى نقطة

لو دققنا في الآيات الشريفة نفهم الأسباب التي جعلت الزهراء ﴿؏﴾ تتحرك من أعمق وأقصى نقطة تحديدًا؛ فقد تحركت أولاً لحفظ كرامة الإنسان الفرد وتحركت لحفظ التقوى الفردية، ثم لما هو أكبر وأكثر ضخامة وهو لحفظ الكرامة الاجتماعية.

وما زالت المسألة في الدنيا إرادية ووفق اختيارات الإنسان؛ فلكل إنسان إمام يلزم أمره ويتشبث به، ولو لم يكن الإمام المعصوم؛ فإمام فلان من النّاس هو من يطيع أوامره ويسعى في الحصول على رضاه و يخشى من سخطه عليه.

أما في ذلك اليوم فالمسألة تكوينية إذ لم تعد المسألة اختيارية؛ فلا يستطيع أحد أن يختار بأي إمام يأتم، وسيكون الفوز وبلوغ مرحلة الفلاح لمن يدعى في ذلك اليوم بالإمام العادل.

الزهراء تصنع منا شركاء

عندما ينقاد الإنسان وعندما يتمسك المجتمع بولاية وإمامة الإمام العادل الصالح؛ سيصبح هذا المجتمع شريكًا للإمام الصالح في كل أعماله، وستحسب أعمال ذلك الإمام الصالحة لهذا الإنسان الذي ارتبط به وتمسك بولايته؛ فالزهراء ﴿؏﴾ أرادت أن تستنقذ هذه الأمة، كل الأمّة؛ فمن لم يتولى أمير المومنين ﴿؏﴾ فكما ورد في مفاد الروايات وإن كان عمله طالح لكن إذا والى الناس الوالي الصالح بدل الله ﷻ سيئاته حسنات، وهذا أمر حقيقي وواقعي لأنّه كما للإنسان بكونه فرد؛ روح فردية وكتاب وأعمال فردي، وله كرامة فردية، فكذلك يكون كمجموعة وكأمة أيضًا لها روح واحدة متصلة بإمامها(١).

أمير المؤمنين ﴿؏﴾ يريدنا أعوانًا:

يقول أمير المؤمنين ﴿؏﴾ “ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعقة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا”[٢]، ولا ادخرت من غنائمها”

فلماذا وكيف يمكن أن نعين الإمام ﴿؏﴾؟

الإمام ﴿؏﴾ يحمل حملًا ثقيلًا، ومعونة الإمام تكون بمعنى أن نتمسك بإمامته ﴿؏﴾ التي هي في الحقيقة أمانة الله ﷻ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ الأحزاب: ٧٢، وحملها أمير المؤمنين ﴿؏﴾ فإذا كنا نحن جميعًا؛ أنا وأنتم ونحن؛ العشرة المتفرقين إذا ما تمسكنا بإرادتنا وباختيارنا وبروح أمير المومنين ﴿؏﴾ وبولايته كلنا؛ اصبحنا روحًا واحدة، وكأن أرواحنا ساخت وصهرت في روح أمير المومنين ﴿؏﴾؛ وصرنا له شركاء في أعماله الصالحة.

قال رسول الله ﷺ عن عمل الإمام علي ﴿؏﴾ بعد ما قتل عمر بن ود العامري: “لضربة علي لعمرو بن عبد ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة” وقال ” لضربة علي خير من عبادة الثقلين “(٣) وهذا ليس وزنًا؛ فتكون أعمال الثقلين في كفة وأعمال أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في الكفة الأخرى فترجح كفة أمير المؤمنين ﴿؏﴾، لا، بل لو دخل الثقلين مع أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في عمله وكانوا له شركاء لكان لهم ذات الثواب والأجر الذي لأمير المؤمنين ﴿؏﴾؛ لأن الناس ستجتمع على روح واحدة، وهذه هي الحياة الاجتماعية المستقيمة والسليمة المرتبطة بالإمام ﴿؏﴾ وفق النهج الإلهي.

فنحن كجماعات في حقيقة الأمر لنا كتاب مشترك؛ أي الكتاب الواحد الذي يقول السيئة التي صدرت من فلان ذاتها السيئة التي صدرت من فلان الآخر والآخر والآخر، فهذه السيئة كتبت وتم احتسابها علينا جميعًا وعلى إمامنا إذا لم يكن عادلًا والعياذ بالله.

أما المعنى الذي يتكرر على لسان البعض: لن يدخل معي قبري غيري، وما شأنك بي وبأمري، ولكل واحد منا عمله وحسابه لوحده في الواقع هذا تمامًا خلاف الولاية؛ فنحن نموت ونقبر ومعنا المجتمع ككل ليس ببدننا، بل بالعمل: صالحًا كان أو طالح؛ فكما للفرد روحه الخاصة، للمجتمع كذلك بدنه وروحه الخاصة؛ يشتركون فيها بالأعمال، ولذا يقول أحد أساتذتنا الأجلاء ليست قيمة يوم الغدير وما حدث في يوم الغدير أن الإمام علي ﴿؏﴾ نصب من قِبل الله ﷻ وليًا وإمامًا؛ فمن أول يوم من البعثة المباركة للنبي الأكرم ﷺ أعلن للأمّة ولاية أمير المؤمنين ﴿؏﴾ ونصبه خليفة وإمامًا؛ إنما قيمة يوم الغدير بكونه عيدًا؛ أن النّاس بايعت الإمام علي ﴿؏﴾ فدخلت في الصالح من أعماله ﴿؏﴾، نبتهج في يوم الغدير لأننا أصبحنا شركاء أمير المؤمنين ﴿؏﴾ حيث أصبحنا معه كروح مجتمعة وواحدة.

فكل ما قام به علي ﴿؏﴾ من أعمال، في جهاده الأصغر والأكبر، من نصرة للدين، للإسلام كلها ما إن تمسكنا بولايته وإمامته سنكون شركاء معه فيها. ولذا فأول من يحضر في القبر في حال دفن الإنسان هو علي ﴿؏﴾؛ لأنه مسؤول.

وإذا أدركنا ذلك عرفنا أنه من غير الممكن وكيف يمكن أن تسكت الزهراء ﴿؏﴾ وهي تعرف جيدًا أن في يوم الحشر كلًا سيدعى بإمامه، وسيكون مصيره مع مصير من اتخذه إمامًا، فإذا ما ائتم بالأول والثاني والثالث والخامس والعاشر وفلان وفلان من النّاس؛ كل هؤلاء سيدعون فكيف يا ترى وهذه الألوف من البشر تنساق بعمل فلان الخطأ، وتؤخذ بسبب الظلم والجور الذي صدر من فلان. عمل فرد وقع حسابه على الجميع.

الزهراء تستنقذ شيعتها:

هناك عدد من الروايات التي تؤكد على المصير النهائي لمن والى الزهراء ﴿؏﴾ ولنأخذ رواية واحدة. عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: “يا سلمان من أحب فاطمة ابنتي فهو في الجنة معي، ومن أبغضها فهو في النار، يا سلمان حب فاطمة ينفع في مائة موطن أيسر تلك المواطن الموت والقبر والميزان والمحشر والصراط والمحاسبة فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه، ومن رضيت عنه رضي الله عنه، ومن غضبت عليه فاطمة غضبت عليه، ومن غضبت عليه غضب الله عليه، يا سلمان ويل لمن يظلمها”[٤]. فقد قالها ﷺ وبضرس قاطع، من يحب فاطمة فهو في الجنة على كل حال انما يجمع الناس هو الحب والرضا والغضب؛ فمن ذاب قلبه في قلب الزهراء ﴿؏﴾ فهو مع رسول الله ﷺ.

حب فاطمة ينفع في مائة موطن؛ هذا يجعل الزهراء ﴿؏﴾ تتحرك على أعلى مستوى كي تستنقذ شيعتها، كما يجعل النّاس تتشبث بالزهراء ﴿؏﴾ وبولايتها.

ونحن عندما نحيي ذكرى الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ نريد أن نقول إننا نزعم أننا أولياء للزهراء وبنوها؛ هذا الزعم هو ما يطهرنا، وهذه المراسم والمواسم إعلان لهذا الموقف وهو بمثابة البيعة مع الصديقة الزهراء ﴿؏﴾ التي تشبه بيعة الغدير، عندما نذكر فضائلها ومآثرها ونتأمل فيما أجرته هذه الأمة عليها.

في يوم المحشر يعرف النّاس بسيماهم، وسيماهم في وجوههم [٥]، ولا يعودوا بحاجة إلى الأسماء. وعندما تحركت الزهراء ﴿؏﴾ ذلك لأن الأمر مرتبط بمصيرنا؛ فإما أن نكون منسوبين لها ولعلي ﴿؏﴾، وننادى يوم القيامة أين الفاطميون؟

ومعنى أين الفاطميون؛ أي من شاركوا فاطمة ﴿؏﴾ في عملها، فكما ذاب قلبها في ظلامتها وأهل بيتها ذاب قلبهم أيضًا في ظلامتها أي من اتخذوا هذه المواقف الشريفة والرفيعة وهذا الجهاد فأصبحوا شركاء للزهراء ﴿؏﴾ فيه.

مظلومية الزهراء أعظم مظلومية:

من الغريب جدًا أن يدّعي البعض أن التاريخ الأكيد والقطعي لم ينقل لنا أنه فعلاً قد تم الهجوم على دار السيّدة الزهراء ﴿؏﴾ وكسر ضلعها وتجرأ فلان وفلان من النّاس عليها. يرفض ذلك. ويتردد في قبول والتسليم بما قالته سلام الله عليها بحقهم.

ولكن ما لا يتردد فيه أحد: هو عندما قيل لطاغية زمانه وهو يأمر بإحضار الحطب لحرق دار السيّدة الزهراء ﴿؏﴾ حين قيل له أن في الدار فاطمة قال: “وإن”، ولا أقل أن يكون هذا  تهديدًا وترويعًا وأي تهديد وترويع؛ حيث يكون في كثير من الأحيان أقسى وأشدّ إيلامًا من الفعل نفسه. فعندما يهدد أحدهم بالسجن: فيقول له اليوم أو غد، أو بعد سنة أو سنتين؛سيبقى يعيش عذاب الخوف والترقب أشدّ من عذاب السجن نفسه. يقول أمير المؤمنين ﴿؏﴾: “إذا هبت أمرًا فقع فيه، فإن شدّة توقّيه أعظم ممّا تخاف منه”(٦) .

فمن ذا يعرف آلام  الترقب التي تأتي من الطاغية فلان، ليس هذا فحسب بل من يجسر ويجرأ ويضرب، بل من يمكن له أن لا يتورع ويحرق دارًا فيها علي وفاطمة والحسن والحسين وصغيرتهم زينب ﴿؏﴾.

ساعد الله قلب رسول الله ﷺ، كم فاصلة بين قبر رسول الله ﷺ وبين بيت علي وفاطمة ﴿؏﴾ إذا كانت زينب وهي في كربلاء نادت من بعيد وقالت: “يا رسول الله وامحمّداه! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمّل بالدماء …”(٧)، فإن الزهراء ﴿؏﴾ ترمق علي ﴿؏﴾ وهو ملبب إلى المسجد مأخود به إلى المسجد وإلى قبر رسول الله ﷺ وتقول : ” إنا فقدناك فقد الأرض وابلها”(٨).

ألا لعنة الله على الظالمين.

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين


١. هذا بحث لطيف ودقيق وان شاء الله نوفق لتقديمه في ميلاد الزهراء صلوات الله وسلامه عليها بتوسع أكثر وبيان أوضح.

[٢] نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج ٣ – الصفحة ٧٠.

٣. بحار الأنوار، ج٣٩، ص٢.

[٤] بحار الأنوار، ج ٢٧، ص ١١٦.

[٥] إشارة لقوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الفتح: ٢٩.

وقوله تعالى ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ الأعراف: ٤٦.

٦. ميزان الحكمة، ج١، ص٨٣٢.

٧. اللهوف في قتلى الطفوف، ص١٨٠.

٨. شرح أصول الكافي، ج١٢، ص ٥٤٠.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬057 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها