ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾

تقدم القراءة:

﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾

السبت 13 ربيع الثاني 1442صباحًاالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين محمد بن عبد الله أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطاهرين، وعلى حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليهم أجمعين.
أبارك لجميع الأئمة الميامين سيما خاتمهم (عج)، مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، والبشرية جمعاء بميلاد هذين القطبين، محمد بن عبد الله (ص)، وحفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق ﴿؏﴾، اللذان ولدا رحمة للعالمين “خَلَقَكُمْ اللّهُ اَنْواراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ حَتّى مَنَّ عَلَيْنا بِكُمْ” (١)، نزلهم من هذا المقام العرشي كي نفهم لغتهم ويعرفوننا ونعرفهم ونهتدي بهم.
شعار الكلمة في حملة الدفاع عن نبينا (ص) (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) الحجر:95، وسوف نبين المناخ الذي نزلت فيه الآية الكريمة ثم نتعرض لما يتناسب مع ميلاد النبي الأكرم محمد (ص).
مناخ نزول الآية الشريفة 
أولاً: غالبًا ما يكون الاستهزاء بالعظماء والمفكرين والإلهيين والرسل بشكل خاص. كما ويصدر غالبًا ممن يكون منطقهم مادي وحسّي، وقد أكدّ القرآن الكريم على ذلك، أن من بيده المادة والرؤية الطبقية، فإنه يعمد للاستخفاف بأهل العلم والفكر وبالدين والرسل خصوصًا، ولا يمكننا هنا أن نقف عند كل ما تحدث عنه القرآن الكريم في هذا الشأن، ولكن نمر على بعض المفاصل الأساسية.
قال تعالى في شأن نوح ﴿؏﴾: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ علَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ هود:27، فكان مدّعى قومه في عدم إيمانهم به أن من يلتف حوله هم المستضعفون، ومن الطبقات الدنيا، لذا لا يمكنهم الإيمان برسالته.
وقول فرعون لموسى ﴿؏﴾: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ  لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الزخرف:51، باعتبار كون فرعون يرى نفسه إله، والأنهار تجري من تحته، مع إننا إذا تأملنا في هذه الآية نجد لدى فرعون تناقضًا؛ إذ يقول ﴿لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾؛ فما عسى أن تكون مصر من هذه الكرة الأرضية! ففرعون نفسه وبجبروته مدّ نظره مصر فحسب، فهو من جانب يرى أن ما عنده من أنهار أساور من ذهب، يرى أن أي عالم خارج هذه الأنهار لا قيمة له، وفي هذا استهزاء بأي عالم غير عالم المادة، من جانب آخر يتفاخر بملك مصر وهذا في ذاته يُعدّ تناقضًا.
وهذا هو الحال بتمامه ما حدث مع النبي الأكرم (ص) مع صناديد قريش؛ وطلبهم منه (ص) أن يُبعد عنه المستضعفين والفقراء وذوي العازة؛ حتى يناقشونه ويناظرونه، فإنهم يأبون على أنفسهم أن يجلسوا معهم في مجلس واحد، وهنا جاءه النداء من الله ﷻ: ﴿وَلَا  تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا علَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ علَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ الأنعام: 52.
فنجد من نبي الله نوح ﴿؏﴾ وإلى نبينا الأعظم صلوات الله عليه وآله الطيبين؛ إن مشكلة المستهزئين أنهم حسيون وماديون وذروة هممهم هي المادة فحسب، حتى التسلح من أجل المادة، وتسخير كل الإمكانيات والفكر من أجل المادة، ولذلك يقول الله ﷻ في الآية التي تليها: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾ الحجر:3، فعندما ينقضي العمر، وتنقضي الحياة الحيوانية، وينقضي التمتع ﴿وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ﴾؛ عند ذلك سوف يعلمون، وفي الآية الشريفة التي بعدها إشارة مهمة جدًا، وهي من أحد الأبعاد التي قد اتهم بها رسول الله (ص): ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ طه: 131، وقد طرح البعض هذه الشبهة، بدعوى أن النهي الإلهي جاء للنبي (ص) عن التمتع بالأزواج بالذات، وقالوا أن هذه الحالة وليدة البيئة والطبيعة العربية؛ فالعربي له ميل أن يعيش طبق هذا المناخ وهذه الجغرافيا وبهذه البيئة وهذه الكيفية، وكأن في الآية إشارة إلى الرغبة الشديدة عند رسول الله (ص)؛ ولذلك سمح الله ﷻ للنبي ﷺ أن يتخذ عددًا من الأزواج، قال ﷻ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾، وهذه خصلة سلبية – نجلّ  وننزه نبينا الأكرم (ص) عن ذلك أو أن تكون فيه – وهذه التهمة ركبت على رسول الله (ص) تركيبًا غير منصفًا، وإذا أردنا تفنيد ورد هذه الشبهة نقول:
أولاً: هذه الآيات الشريفة نزلت في مكة، وكان حينها رسول الله (ص) لم يبن إلا بإمرأة واحدة وهي السيّدة خديجة ﴿؏﴾، وعمره الشريف آنذاك خمس وعشرين عامًا، هذا الأمر غير معمول به في شبه الجزيرة العربية؛ أن لا يتزوج الرجل بعد سن الخامسة والعشرين!
فمن أين تأتي هذه الشبهات؟ الآيات الشريفة والتي بعدها تبين من أين تأتي تلك الشبهات والتخرصات حول شخصية رسول الله (ص)، يقول تعالى ﴿الَّذِينَ جَعلُوا الْقُرْآنَ عضِينَ﴾ الحجر:91، ، فهذه الترهات لا تعزو ولا تنسب إلا لأمثال هؤلاء.
ثانيًا: إذا أردنا أن يكون البحث علميًا وموضوعيًا فعلينا أن نقرأ رسول الله (ص) من القرآن الكريم وفي كل القرآن الكريم. فعندما نريد أن نفسر واقع رسول الله (ص) بدون أن نرجع إلى القرآن الكريم وهو القائل (ص): “أن ما خالف كتاب الله سواء في قوله أو في فعله فهو زخرف، وأرموا به عرض الحائط”(٢). قد يحدث أن تتولد مثل هذه الشبهات والشكوك حول شخصية رسول الله (ص) كوننا لم نأخذ صورة متكاملة عنه (ص) من خلال آيات القرآن الكريم، القرآن الذي يقرر حقيقة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات:١٣، ونحن نعرف أن كرامة الإنسان تتنافى ونهم الإنسان وإقباله على الشهوات لحد الحيوانية، فكيف برسول الله (ص) والذي هو في أعلى درجات ومراتب التقوى. فإذا كان الله ﷻ يقول لنبيه (ص): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعدُ عيْنَاكَ عنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ الكهف:٢٨، ثم يؤكد القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿طه ۞ مَا أَنزَلْنَا علَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ طه ١:٢، فعندما تفكك هذه الصورة الموضوعية، ويتخذ القرآن عضين فمن الطبيعي جدًا أن تتولد مثل تلك الشبهات والفريات وهذا التصور الخاطىء؛ لأننا افترضنا أن عالم المادة له قيمة، وأنه من يصنع الرغبات، ويحرك شخصًا بثقل رسول الله (ص).
وأما قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ۞ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ الحجر:٩٠-٩١، يقول صاحب الميزان أنها متعلقة بقوله ﷻ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ الحجر: 87، بعضهم قال أن المقتسمين هم اليهود والنصارى الذين فرقوا القرآن أجزاء وأبعاضًا ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ  وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ النساء: 150، وهذا الرأي مردود؛ لأن السورة مكية، ونزلت في أوائل البعثة ولم يبتلى الإسلام آنذاك باليهود والنصارى ذاك الابتلاء(٣)، وقولهم: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ آل عمران: 72، هو ما قالته اليهود بعد الهجرة، وهذه الآيات نزلت قبل الهجرة، فنعرف بذلك أن المقتسمين ليسوا هم اليهود أو النصارى فحسب، إذ نرى أن هؤلاء المقتسمين موجودون في كل عصر ومصر وفي كل مكان، وهم الذين يريدون أن يفسروا القرآن الكريم ويفسروا شخصية رسول الله (ص) بناء على منطقهم؛ سواء كان ماديًا أو بفهم معنوي محدود جدًا؛ لأن هذه الفكرة وأصلها (الماركسية) التي تقول بأن الأصل هو المادة والطبيعة، والأصل هو الاقتصاد، وهذه القضية عالجها وفسرها الشهيد المطهري (رضوان الله عليه) بشكل لطيف في أحد كتبه(٤).
فمن يتصور أن البيئة هي منشأ الفكر، وجب أن يكون الفكر ضعيفًا بقدر هذه البيئة، وهذا كمن يأكل ويتبخر طعامه من معدته، فيؤثر على فضاء ذهنه فحسب، وهذا كلام مضحك؛ لأن الفكر مجرد لا ارتباط له بعالم المادة(٥).
وهذا شبيه بمنطق فرعون الذي لا يرى إلا الأنهار التي تجري من تحته، وملك مصر، ثم تراه يدعي الألوهية؛ فإذا كانت البيئة ضعيفة ولا ترقى إلى فكر الإنسان فكيف تنتج رسولًا  كرسول الله (ص) بهذه العظمة!
إن ميزة الفكر أنه يعالج بعضه؛ فكيف يمكن أن تؤثر البيئة في إنسان “اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه” (٦)، والقرآن الكريم يؤكد على مسألة الاصطفاء للرسول (ص) وكأنه يعالج كل تلك الصفات التي تشوه موقع ومكان ومنصب وحديث وسلوك رسول الله (ص).
الشعار ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾:
إشكالات الماديين هي إشكالات من اعتاد على المادة والحس، وهم يرون بأن لها قيمة.
وهذا الخبيث الذي تجرأ على مقام رسول الله (ص) جاء بفعله من حيث منصبه كوزير دولة وعلى حسب تقدير وتعبير البعض تعدّ من الدول العظمى، فمن هذا الموقع نراه قد تجرأ على رسول الله (ص)، ولهذا فإن الرد كما استوجب أن يكون من جهة العذاب إلهيًا كما يتبين من الآية الشريفة ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾، يكون من جهة المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الأنفال: ٦٤ إذ يجب أن يكون هناك دقة في الربط بين الجزاء والأفعال التي تصدر من الإنسان، والإثم الذي يصدر من الإنسان وبين العذاب الذي يحلّ  به وينزل عليه.
إن قضية الاستهزاء برسول الله (ص) هو تحدٍ لله ﷻ في قدرته وعلمه وحكمته، ومحاربة الله ﷻ في عرشه.
وعندما يتحدث القرآن الكريم عن السابقين الذين كذبوا واستهزأوا بالرسل ﴿؏﴾ يشير أن الله ﷻ لم يعذبهم عذابًا واحدًا؛ بل لكل عذاب يتناسب وذنبه ﴿فَكُلًّا  أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا علَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ  وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ العنكبوت:٤٠، فقد لا يعذب اللهﷻ المستهزئ بالأنبياء(٧) ﴿؏﴾ في هذه الحياة الدنيا، وإنما يعذب من يستهزيء برسل الله ﷻ؛ فهؤلاء عذابهم حتمي في هذه الدنيا، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ فمن استخف واستهزأ بالرسول (ص) فلن يجد أمامه إلا العذاب بالمرصاد.
عذاب من استهزأ برسول الله (ص)
ولمعرفة ذلك؛ لزم الإحاطة بالآيات الشريفة وأن لا نتعلق بآية أو رواية منفردة كونها حكمًا؛ سيما في القضايا المقدسة، لأنها قد لا تعطي صورة كاملة عن القضية أو الحكم.
وكما يوجد ارتباط بين العمل والعذاب في الحياة الدّنيا هناك ارتباط بينهما في الآخرة، يقول تعالى عن العذاب الأخروي: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ ۞ عمَّا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ الحجر: ٩٢-٩٣ فالآيات الشريفة تقرر أن هناك تناسبًا بين الموقف وردة فعل الكائنات. وهي من أعظم البشارات في الدفاع عن رسول الله (ص).
وفي قوله تعالى ﴿كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إشارة إلى الرعاية من الله ﷻ لرسوله الأكرم (ص) وتحميل المسؤولية للمؤمنين.
وهنا قد يأتي السؤال: من أين نتوقع أن يأتيهم العذاب؟ يقول تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ الطور: ٣١، فهذا العذاب قد يأتي من حيث لا نحتسب، فما لا ندركه أكثر بكثير مما نعرفه، وما نجهله أكثر بكثير مما نعلمه.
نعرف أن الفقهاء أفتوا بهدر دم المستهزئين برسول الله (ص) وبأهل بيته ﴿؏﴾، فإما أن يأتيهم العذاب من السماء، أو أن يجري بأيدي الخلق، بحيث يأتي حكم شرعي بإباحة دمائهم لتطهر الأرض من كدورة وجودهم، أو أن يكون العذاب بالإثنين معًا.
ولأن العذاب لا يأتي إلا بعد إرسال الرسل، ﴿وَمَا كُنَّا مُعذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعثَ رَسُولًا﴾ الإسراء: ١٥، فليس بعد الاستهزاء إلا العذاب في الدنيا والآخرة، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وسهام الله ﷻ مصيبة لا تخطئ البتة.
لماذا يقسم الله (برب) محمد (ص)؟ لأن هذا هو حق رسول الله ﷺ، وهو عبد الله ﷻ، عبد محض وليس عليه إلا البلاغ المبين، ومن أرسله بالحق سوف يسألهم: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ الصافات: ٢٤
فلماذا الوقوف؟ لأنه يجب أن يلقى مصيره(٨)، لذا فكل من استهزأ برسول الله ﷺ حتمًا سينال عقابه في الدنيا وفي الآخرة، أما السؤال فكما ورد في كتب التفسير أنه ليس سؤالًا  استفهاميًا ليكون بحاجة لمعرفة الجواب ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ الرحمن: ٣٩، ففي يوم القيامة سيظهر ذنب كل أحد على وجهه، فمنهم من يبعث على صورة قرد، ومنهم من يكون على صورة خنزير، فالجواب موجود على وجهه مسبقًا، ولا حاجة للجواب اللفظي عندها، وإنما يسأل كي يفتضح.
ميلاد رسول الله ﷺ والوحدة
نحن في يوم ميلاد النبي (ص) والإمام الصادق ﴿؏﴾ هذه نعمة نعجز كليًا عن شكر الله ﷻ عليها ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الأعراف:٤٣.
ولا بأس في ختام الكلمة ولو مختصرًا أن نشير إلى أنه ينبغي أن نركز على موضوع الوحدة كونها مسألة عقلية وعقلائية، فالاختلاف وارد وفي أمور عديدة، ومن الاختلاف يكون جمال الخلقة، وحتى نحن قد نجد في دائرتنا الاجتماعية أو حتى في خارج الدائرة اختلافًا عن خطأ بمقدار ما أو في موقف ما، وعلينا أن لا نجعل ذلك يؤدي إلى قطع علائق، وتشاحن، ونحن من أجل رسول الله (ص) والإمام الصادق (ع)، يجب أن نتحد سواء كنا من داخل أو من خارج المذهب، ويكون التبشير مقدم على الإنذار، فمن أخطأ تُقوّم عثرته وتعالج، ومن أجل رسول الله (ص) ونيل بركاته على كل مؤمن أن يكون السبّاق والمبادر في سبيل الحفاظ على الوحدة.
ختامًا، نحن في هذا اليوم نبارك لأنفسنا رعاية الله ﷻ وحمايته لنبيه (ص) ولأهل بيته أجمعين صلوات الله عليهم، ونسأل الله ﷻ أن يجعل هذا اليوم يوم وحدة المسلمين جميعًا. وأن نهذب أنفسنا ونبنيها على الوحدة وعدم المقاطعة والهجران، كما ونسأل الله أن يرزقنا معرفة نبيه (ص) وأهل بيته ﴿؏﴾ وشفاعتهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

١. الزيارة الجامعة.

٢. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه”. الكافي ج1 ص69

٣. القول لصاحب الميزان.

٤. أوردت الأستاذة الفاضلة شرحًا مفصلًا لذلك في بحث تفسيري لسورة ألم نشرح.

٥. هناك مرحلة من مراحل الذهن مرتبطة بعالم المادة، وهذا حديث  مستقل بنفسه.

٦. خطبة الزهراء عليها السلام بعد وفاة أبيها صلوات الله عليه وآله.

٧. هناك فرق بين النبي والرسول وقد تم بيانه في محله.

٨. نحن نجد أن من يمثل للمحاكمة كما يحدث في المحاكمات العرفية يكون واقفًا.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬824 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.