ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 كربلاء تصنعنا عرفاء ٨

تقدم القراءة:

كربلاء تصنعنا عرفاء ٨

الأحد 11 محرم 1442مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

عظم الله أجورنا وأجوركم بشهادة سيدنا ومولانا أبي عبدالله الحسين ﴿؏﴾ وجعلنا وإياكم من الطالبين بثاره.

لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل البيت العصمة والطهارة ﴿؏﴾، مراجعنا بشكل عام سيما قائد الأمة الإسلامية، الحضور المؤمنين حار العزاء بشهادة أبي عبد الله الحسين ﴿؏﴾ والثلة الطيبة الخيرة من وأصحابه.

السلام عليك يا أبا عبد الله عليك سلام الله مني أبدًا ما بقيت، وبقي الليل والنهار، ولا جعله آخر العهد مني لزيارتك السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

العلاقة بين الجهاد الأكبر والأصغر

حديثنا بعنوان (كربلاء تصنعنا عرفاء) والحديث في هذا المحور يدور حول ارتباط الجهاد الأصغر بالجهاد الأكبر والذي هو ما نسميه بالعرفان والذي قد تجلى وبلا شك في أجلى صوره في كربلاء كما يقول بذلك أكثر العرفاء، وهذا مما تساعد عليه الآيات القرآنية؛ إذ أن هناك ارتباط وثيق بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر: سواء كان الجهاد بالمال، أو الجهاد بالنفس أو الجهاد العلمي أو الجهاد بالموقف، الجهاد بتعليم القرآن الكريم لأن الله ﷻ يقول ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾
الفرقان: ٥٢، فالقرآن الكريم يعدّ جهاد كبير، ولا بدّ أن يكون هناك اتصال بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، بل وارتباط وجودي بينهما.

ومسألة أن يسمى هذا جهاد أصغر وهذا أكبر قد اُختلِف فيها؛ فهل المراد أن الأصغر؛ بمعنى المتقدم، والأكبر؛ بمعنى المتأخر، أم الأصغر بمعنى؛ الظاهر والحركة الظاهرية أي الفيزيائية للبدن، والجهاد الأكبر بمعنى؛ الحركة الجوهرية للروح أي بمعنى الجهاد العرفاني وتهذيب النفس، ولكن من الواضح جدًا أن الإنسان ما لم يكن مؤهلًا في جهاده الأصغر فإنه يصعب أن يدخل ميدان العرفان والانتصار على عيوب النفس ونقائصها، وذلك أن الجهاد الأكبر يستلزم الثبات والاستقامة في ميدان الجهاد الأصغر كما سوف نبين ذلك، بل إن أدنى مراتب الإيمان فضلًا عن أعلاها تستلزم المجاهدة بالجهاد الأصغر؛ سواء -كما قلنا- كان الحال يقتضي الجهاد بالدّم والسلاح والتضحية كما هو في زمان رسول الله (ص) وأمير المؤمنين والإمام الحسين ﴿؏﴾، أو كما جهاد الإمام الحسن ﴿؏﴾ بالموقف أو كما في زمن الإمام الصادق والباقر ﴿؏﴾ الجهاد العلمي، أو ما يقتضيه الواقع الخارجي كالجهاد بمعنى مقاومة الانحراف والبدع والضلال.

الملازمة بين الجهاد والإيمان بالله

هناك ملازمة بين الإيمان والجهاد؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾
التوبة:٤٤ من هنا يُعلم بأن الجهاد في سبيل الله ﷻ لازمٌ ولا ينفك عن الإيمان.

١- فالمؤمن الواقعي يبادر تلقائيًا للجهاد ببذل المال والنفس، بل هو من يبحث عن هذه الساحات وينبري لها،

٢- وإذا لم ينبرِ لهذا الجهاد وبقي منتظرًا لأمر القائد؛ فيُعلَم بأن إيمانه لم يكتمل بعد.

٣- أما في حال أنه طلب الرخصة لترك ساحة الجهاد فيُعلم أن هذا نفسه عدم إيمان والنص صريح في ذلك ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾
التوبة:٤٥، إذ أنهم لم يستقروا في الإيمان، في مركز الإيمان؛ لذا تجدهم مرتابون في قلوبهم ولا زالت في موقع التشكيك والتردد وعدم الإيمان؛ لذلك هم لا ينبرون للجهاد.

الفرق بين مرحلة الجهاد الأصغر والأكبر )من خلال سورة الفجر(

وكي نفرق بين هاتين المرحلتين؛ الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر من خلال سورة الفجر﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعلَ رَبُّكَ بِعادٍ ۞ إِرَمَ ذَاتِ الْعمَادِ ۞ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ۞ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۞ وَفِرْعوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۞ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۞ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ
الفجر:٦-١٢

فهؤلاء الأنبياء ﴿؏﴾ المقاومون الثلاثة والذي جاء الحديث عنهم؛ هود، صالح، وموسى ﴿؏﴾ وقصة المواجهة العجيبة بينهم وبين هذه القوى العظمى -إن صح التعبير- والتي عبّر عنهم بالتي لم يُخلَق مثلها في البلاد:

١- قوم عاد:

كانوا يقطنون في الأحقاف، وهي منطقة قريبة من عمان وهي والتي عبّر الله ﷻ عن حضارتها ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾
الفجر :٧، وقد لا يكون خافيًا أن الأعمدة الكبيرة إنما توضع للبناء الكبير والعظيم، وعندما يقول الله ﷻ ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ سيُعلم أن قوتهم كانت في كل المناحي والاتجاهات؛ جهة العمرانية، الزارعية، الجسمية، البدنية، حتى في السياسية؛ أي في كل هذه الأمور كانوا متفردين حتى صحّ أن يقال عنهم كمن لم يُخلق مثلهم في البلاد.

٢- قوم ثمود: 

وقد عبّر القرآن الكريم بأنهم ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ وفي هذا كناية عن قطع الصخور وبناء المباني العظيمة.

٣- فرعون:

وقد تحدث القرآن الكريم مفصلًا عن فرعون وما كان له من السلطة والقدرة والاقتدار؛ حتى طغى على قومه واستعبدهم؛ حتى قال أن هذه الأنهار تجري من تحتي )١(.

فهذه الحضارات المادية الثلاث -إن جاز التعبير- تشترك في بُعد قد يكون السبب في هلاكها ألا وهو الطغيان؛ فهؤلاء الثلاث سعوا بكل ما لديهم من إمكانيات ومقدرات ضخمة أن يعمروا دار الدنيا وكأنها جنة الخلد؛ يسكنون ويأكلون ويشربون وينغمسون في الملذات بحيث يذهبون طيباتهم في حياتهم الدنيا وأيضًا يُذهِبون بالنتيجة ولا يتوانون عن ممارسة الظلم والطغيان، بل وغاية الطغيان؛ فكل ذلك قائم على أكتاف وظهور المستضعفين، ولهذا نلاحظ أن هؤلاء الطغاة كان عاقبتهم من الله ﷻ الهلاك.

فرعون ونبي الله موسى ﴿؏﴾ نموذج المواجهة بين أنبياء الله ﴿؏﴾ والطواغيت:

عندما بعث الله ﷻ نبيه موسى ﴿؏﴾ قال تعالى :﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ۞ قَالَ هِيَ عصَايَ أَتَوَكَّأُ علَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا علَى غنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾
طه :١٧-١٨ وبهذه العصا دخل موسى ﴿؏﴾ على فرعون؛ غلب السحرة، وضرب الحجر فانفجرت تسعة عشر عينًا، وأغرق فرعون وجنوده في اليمّ في حين أن فرعون أول ما دخل عليه موسى ﴿؏﴾ قال: ﴿وَقَالَ فِرْعوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْع رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾
غافر:٢٦

فلماذا لم يستطع فرعون قتل موسى ﴿؏﴾ مع كل هذه القدرة والإمكانيات التي كان يمتلكها، ومع كل ذلك الطغيان والجبروت الذي كان يمارسه؟ وبرغم ذلك لم يستطع أن يقضي على نبي يحمل عصا كموسى ﴿؏﴾ مثلًا؟ 

﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الخطاب موجه لرسول الله (ص)، فهل تعني أتصدق هذا الحديث؟ أو أن رسول الله (ص) فعلًا  قد رأى ذلك حينما عرِج به إلى السماء؛ وقد رأى (ص) أهل النار في النار إلى آخر الدنيا، ورأى أهل الجنة في الجنة إلى آخر الدّنيا، أي لآخر ما سوف يحدث ويكون، وعندها ليس بعجب أن يسأله الله ﷻ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعلَ﴾ أي ألم تر هؤلاء إلى أين وصلوا؟ ولا عجب؛ فأن من يرى الوحي سوف يرى بالنتيجة أحوال أهل النار، والانتصار للأنبياء ﴿؏﴾ في هذه الميدان

﴿كَيْفَ فَعلَ رَبُّكَ﴾: في واقع الأمر إن هذا القرار لا يمكن أن يأخذه أحد من كان ولو كان أكبر طاغية وجبار زمانه، وقتل أي إنسان لو كان سيقع فإن وقوعه يجب أن يكون بـأمر الله ﷻ وإرادته، أي بتحريك منه ﷻ، ففعل الله ﷻ بعاد ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ الفجر :٦، أي يجعل كل هذه المكائد تذهب بحضارتهم وتذهب بقوتهم، و(فعل الله ﷻ) في فرعون؛ يعني يجعل تخطيطاته هباءًا منثورًا.

﴿فَصَبَّ علَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عذَابٍ﴾ الفجر: ١٣، أي أنه صب على هؤلاء -الأقوام الظالمين الطغاة – العذاب وفق القاعدة والسنة الإلهية ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
الفجر:١٤

جريان السنن الإلهية وقوم صالح أنموذجًا 

ومن الجدير بالذكر هنا أن نسلط الضوء على مسألة مهمة؛ أن أهل البيت ﴿؏﴾ ووفقًا لما وصلنا من روايات كانوا وفي اللحظات الحساسة يستشهدون بعاقبة هؤلاء الطغاة الذين ذكرهم القرآن الكريم وتحدث عنهم في سورة الفجر مع الإشارة لكونها من السنن الإلهية.

١- النبي الأكرم (ص) عندما أخبر الإمام علي ﴿؏﴾ بما سوف يجري عليه وأن دمه سوف يستحلّ في شهر الله، فكما جاء في الرواية؛ “فبكى رسول الله (ص)، فقلتُ: يَا رسولَ اللهِ، ما يبُكيكَ؟ قال:  يَا عليّ، أبكي لما يُستَحَلُ منكَ في هذا الشّهرِ، كأنّي بِكَ وأنتَ تُصلّي لربِّكَ، وَقَدْ انبعثَ أشقى الأوَّلينَ والآخرينَ، شقيقُ عاقرِ ناقةِ ثمود، فضربَكَ ضربةً على قرنِكَ فخضبَ منها لحيتَك” (٢).

٢- الصديقة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها عندما أُخذ أمير المؤمنين ﴿؏﴾ للبيعة عنوة؛ قالت الزهراء ﴿؏﴾ “ولأضعن قميص رسول الله (ص) على رأسي، ولأصرخن إلى الله تبارك وتعالى، فما ناقة صالح بأكرم على الله مني، ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي”(٣) 

٣- الإمام الحسين ﴿؏﴾ كما ينقل لنا أصحاب السير أنه عندما كان معه ابنه الرضيع عبدالله الأصغر (٤) جاء سهم فوقع في نحره، قال: فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره ولبته: فيرمى به إلى السماء فما يرجع منه شئ، ويقول: “اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح” (٥) 

فلماذا الاستشهاد بناقة صالح وفصيلها؟!

نلاحظ أنه وفي هذه المواقع الثلاث الحساسة أولياء الله العظماء؛ رسول الله ﷺ والصديقة الزهراء ﴿؏﴾ والإمام الحسين ﴿؏﴾ يستشهدون بناقة صالح وفصيل ناقة صالح؛ إذ أن هناك عنصرًا مشتركًا بين الناقة وفصيلها وبين هؤلاء (الإمام علي ﴿؏﴾، الصدّيقة الطاهرة وبنوها ﴿؏﴾ رضيع الإمام الحسين ﴿؏﴾)؛ وذلك باعتبار قوم ثمود كانوا ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾
الشعراء: ١٤٩ و﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾
الفجر:٩؛ أي أنهم كانوا يقطعون الصخور وينقلونها في الأودية ويجعلون منها بيوتًا لهم وقصورًا فارهة، وفي ذلك دلالة على حضارتهم وتمدنهم وحياتهم المرفهة والعامرة، وهؤلاء عندما طلبوا من نبيهم صالح ﴿؏﴾ أن يخرج لهم من بطن الجبل ناقة؛ فكما هو معلوم جعل الله ﷻ في عالم الطبيعة خلق وولادة ناقة -كما وغيرها من الأحياء- يجري وفقًا للقانون الطبيعي للتكاثر؛ تحبل الناقة الأم لتلد بفصيلها؛ ولكن أن تخرج الناقة من بطن الجبل فهذه آية ومعجزة إلهيّة، والتي ينظر إليها وفق القوانين الطبيعية أمر محال -وإن كان ليس من المحالات العقلية-، فهذه الناقة وبحكم الإعجاز الربّاني لم تمرّ بالمراحل الطبيعة؛ فكانت بذلك آية من آيات الله ﷻ، ولذا صحّ أن يُقال عنها ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾
الشمس:١٣، فقد نسبها الله ﷻ مباشرة له، قال ﷻ ﴿وَسُقْيَاهَا﴾، وهم بذلك كانوا مأمورن من الله ﷻ بسقياها.

وبالعودة لأمير المؤمنين ﴿؏﴾ ولي الله ﷻ والصديقة الزهراء ﴿؏﴾ هي أمة لله ﷻ وبشكل مباشر، وعبدالله الرضيع ابن الحسين ﴿؏﴾ المنسوب لله ﷻ مباشرة؛ فلا تكون الناقة أهون عند الله ﷻ ولا بأقل كرامة من ناقة صالح.

فكما بيّنا أن العنصر المشترك واحد؛ وهو نسبتها لله ﷻ، والسنة الإلهية واحدة؛ وهي تحقق ونزول العذاب ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.

أهل البيت ﴿؏﴾ يرسمون الأنموذج الأسمى:

هناك مسألة دقيقة يجب الإلتفات إليها؛ وهي أن هؤلاء الأنبياء ﴿؏﴾ قد نجاهم الله ﷻ، وقضى على أعدائهم واستنقذهم ﷻ من كل هذه البلاءات بمقدار حلمهم وصبرهم وقدرتهم على التحمل؛ بينما أهل البيت ﴿؏﴾ كونهم منتهى الحلم أي غاية الحلم، وفي غاية الصبر والاحتمال؛ يقول الله ﷻ ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعضَكُم بِبَعضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعمَالَهُمْ﴾
محمد:٤

يعلق استاذنا الشيخ جوادي الآملي فيقول: “أن الله ﷻ لو يريد الانتقام من أعداء محمد (ص) وآل محمد ﴿؏﴾ والانتصار لهم في تلك الساعة؛ فكما صبّ سوط عذابه على قوم عاد وثمود فرعون؛ لصب سوط عذاب على يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن- عليهم لعائن الله- وانتصر لأوليائه وأهل بيت نبيه الأكرم (ص) كما تشير لذلك الآية الشريفة ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾، ولكنه أمهلهم لإدراك البلاء الأشدّ وبلوغ أعلى درجاته لهؤلاء الطغاة بما يترك لهم مجال في التمادي في طغيانهم أكثر(٦)، وبلاء أهل البيت ﴿؏﴾ ليظهر منهم التضحية الأعلى والأسمى، ويتجلى الدفاع عن الحقّ في أجمل صُورِه وأبهاها. فآل محمد (ص) يتحملون من البلاء ما لا يتحمله غيرهم، أما ظهور الإعجاز والكرامة والمدد الإلهي والغيبي وما شابه كله حق؛ ولكن صروح الدين لا تقوم ولا تقوّم على الكرامات والمعاجز والمدد الغيبي؛ بل على التربية المتطورة والروح الراقية والسامية العالية، وإلا فكيف يمكن أن نتصور هذا الإنسان الذي قد يلقي بنفسه في المهالك ولا ينجي أهل بيته ﴿؏﴾ وأبنائه وحرمه وناموسه؛ إلا أن يكون هذا الوليّ من أولياء الله ﷻ فيرسل ابنه والذي هو أشبه الناس خَلقًا وخُلقًا ومنطقًا برسول الله (ص)، ويفجع في القاسم ﴿؏﴾ الذي لم يبلغ الحُلم بعد والذي هو وديعته وشمامته وريحانته من أخيه الحسن ﴿؏﴾، أليس علي الأصغر ﴿؏﴾ هو آية أكبر من فصيل ناقة صالح؟ وأكرم على الله ﷻ وأظهر من آيات سائر الأنبياء ﴿؏﴾.

ألا لعنة الله على الظالمين.


١. إشارة للآية ﴿وَنَادَىٰ فِرْعوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الزخرف: ٥١

٢. قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليُّ بن أبي طالب ﴿؏﴾: “فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا أَفْضَلُ الأَعمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ؟، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! أَفْضَلُ الأَعمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ: الْوَرَع عَنْ مَحَارِمِ الله عزَّ وجلَّ. ثمُّ بكى، فقلتُ: يَا رسولَ اللهِ، ما يبُكيكَ؟ فقالَ: “يَا عليّ، أبكي لما يُستَحَلُ منكَ  في هذا الشّهرِ، كأنّي بِكَ  وأنتَ تُصلّي لربِّكَ، وَقَدْ انبعثَ أشقى الأوَّلينَ والآخرينَ، شقيقُ عاقرِ ناقةِ ثمود، فضربَكَ  ضربةً على قرنِكَ  فخضبَ منها لحيتَك”. قالَ أميرُ المؤمنينَ ﴿؏﴾: فقلتُ: “يَا رسولَ اللهِ، وذلكَ  في سلامةٍ من ديني؟”، فقالَ (ص): “في سلامةٍ من دينِك”. ثمُّ قالَ: “يَا عليّ، مَنْ قَتَلَك فَقَدْ قَتَلَني، وَمَنْ أَبْغَضَكَ فَقَدْ أبغضني، وَمَنْ سَبّكَ  فَقَدْ سَبّني، لأنّك مني كنفسي، روحُكَ  مِنْ رُوحي، وطينُتك من طينتي. إنّ اللهَ تباركَ  وتعالى خَلَقَني وإيّاكَ، واصطفاني وإيّاكَ، واختارني للنبوّةِ واختاركَ  للإمامةِ، وَمَنْ أَنكَر إمامَتَكَ  فَقَدْ أَنكَرَ نبوّتي. يَا عليّ، أنتَ وصيّي وأبو ولدي وزوجُ ابنتي وخليفتي على أمّتي في حياتي وبعد موتي، أمرُك أمري، ونهُيك نهيي. أُقسمُ بالذي بَعثَني بالنبوّةِ، وجعلني خيرَ البريّةِ، إنّكَ لحجّةُ اللهِ على خلقِهِ، وأمينِهِ على سرِّهِ، وخليفتِه على عبادِه”.

٣. روي عن الصادق ﴿؏﴾ أنه قال: لما استخرج أمير المؤمنين صلوات الله عليه من منزله، خرجت فاطمة ﴿؏﴾ فما بقيت هاشمية إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر، فقالت خلوا عن ابن عمى فوالذي بعث محمدا بالحق لئن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري، ولأضعن قميص رسول الله (ص) على رأسي، ولأصرخن إلى الله تبارك وتعالى، فما ناقة صالح بأكرم على الله مني، ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي، قال سلمان رضي الله عنه: كنت قريبا منها، فرأيت والله أساس حيطان المسجد مسجد رسول الله (ص) تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ، فدنوت منها فقلت  ﴿؏﴾ث سيدتي ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة، فلا تكوني نقمة، فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسلفها، فدخلت في خياشيمنا” بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٢٨، ص ٢٠٦

٤. عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﴿؏﴾ يعرف بعلي الأصغر، وأمه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي.  مقاتل الطالبيين – أبو الفرج الأصفهانى ص ٥٩-٦٠، 

٥. في رواية ثم تلقى الدم بكفيه حتى امتلأتا، ورمى بالدم نحو السماء وقال: “هون علي ما نزل بي، إنه بعين الله” قال الباقر ﴿؏﴾: “فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض”.  الملهوف في قتلى الطفوف ص ١٦٩

٦. إشارة لقوله تعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغيَانِهِمْ يَعمَهُونَ﴾ الأنعام: ١١٠، وآيات أخرى تحدثت عن الظالمين.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬752 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.