ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 كربلاء تصنعنا عرفاء ٥

تقدم القراءة:

كربلاء تصنعنا عرفاء ٥

الأحد 11 محرم 1442مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

المنهج العرفاني للإمام الحسين ﴿؏﴾ في سورة الفجر

كي ندخل في ساحة كربلاء مدخلًا  قرآنيًا مدعم والروايات الشريفة وتقرير المعصوم ﴿؏﴾؛ فعله، وحركاته وأقواله، نختار هذه السورة التي من صدرها إلى ذيلها تتحدث عن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وقضيته.

وتطبيق هذه الآيات على الإمام الحسين ﴿؏﴾ ظاهر واضح وليس بحاجة إلى تأويل وتكلّف، كما دلت على ذلك الروايات، وهذا الإنطباق يعني انطباقها على الحركة العرفانية للإمام الحسين ﴿؏﴾، يقول تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ ۞ وَلَيالٍ عشْرٍ ۞ وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ ۞ واللَّيلِ إِذا يَسْرِ ۞ هَلْ في ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجْر﴾ الفجر: 1-5.

بداية السورة تتحدث عن الجهاد الأصغر للأنبياء ﴿؏﴾، وتضع قاعدة لكل مجاهد في سبيل الله ﷻ، وذيل السورة ختم الحديث عن الجهاد الأكبر، وما نسميه بعرفان الإمام الحسين ﴿؏﴾.

 

القَسَم بالفجْر

﴿وَالْفَجْرِ: هو النور العامودي الذي يظهر في كبد السماء (الفجر الصادق)، وينبسط على الأفق. ظاهرة من الظواهر الخلقية لله ﷻ ضمن قانون الخلق. 

وهذا القسم فيه دلالة على هيمنة الله ﷻ على نظام التكوين وعلى نظام الخلقة. وكل ما يجري فجر. 

﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ ورد أنها الليال العشر من غرّة شهر ذو الحجة والتي أتم الله ﷻ لكليمه موسى بن عمران ﴿؏﴾ فيها الأربعين ليلة.

﴿وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ﴾؛ كلها في الحقيقة تُبقي هذا القانون سالمًا ومحفوظًا وله غايات. ولكن من ذا يعرف أن للفجر غايات؟ وأن نظام الكون قائم على موجودات شفعية، وأخرى وِترية لا نظير لها، وأنها شرط قيام هذا النظام، وأنها ليست أمور عبثية.

﴿قَسَمٌ لِذي حِجْر﴾: الإنسان العاقل الذي له عقل، وهو ما يحجره عن الخروج للباطل والهوى والظلم والغضب والشهوة، يعرف قيمة هذا النظام، وبركة الخروج من ظلمة الليل إلى نور الفجر، وهو الذي يستطيع أن يفهم معنى قوله جلّ وعلا: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ التكوير:18، وكأن الليل جاثوم على قلب النهار يجعله لا يتنفس.

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ فعندما يسري الليل يتنفس الصبح(١)

فالقَسم بالفجْر يعرفه الإنسان الذي له عقل يمنعه من الوقوع في الأخطاء والشبهات، والتفكير المنحرف والأقيسة الباطلة، يعرف أنه ضرورة وليس هناك عبث في نظام هذه الخلقة.

وأقسام الله ﷻ بنفسها تعدّ بيّنة؛ فليس هناك انفصال بين القسم والبينة! فالفجر في الحقيقة هو النظام، وزوال الظلم والانحراف والظلمات ليُرى النور.

وقد يقال إن الحجر كمثال نعاصره في هذه الأيام(٢) يمنع حرية الإنسان، ولكن في الحقيقة هذا ليس صحيحًا! فالحرية المطلقة التي تجعل الإنسان ينسجم مع الباطل ويقبل الظلم ولو بأي نحو كان، في الحقيقة هذه لا تُعدّ حرية.

يقول أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في وصف الحرّ: “ألا حر يدعُ هذه اللماظة لأهلها! إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها.(٣)، ويقصد بها الدنيا، واللماظة: ما يُخرجه الإنسان بالمسواك مما يعلق بين الأسنان بعد الأكل. فيقول: الإنسان الحرّ لا يأكل اللماظة التي قد أكلها غيره، والتي أُخرجت من بين أسنان الآخرين. فصاحب الحجر من يمنع نفسه من أن يعيش حالة العبثية، وأن يُذهِب حب الدنيا بحيثيته وبمكانته وموقعه وإنسانيته وهويته.

وإذا ما أراد الإنسان أن يدخل في ولاية الله ﷻ، فيجب أن يكون له حجر يمنعه عن أمور، ويحفظ له أمور أخرى. عند ذلك سوف لن يهجس في قلبه غير التوحيد وصوت الحق والحقيقة، يقول الإمام الحسن ﴿؏﴾: “يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمنًا وهو يسخط قسمه، ويحقر منزلته والحاكم عليه الله، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له” (٤)

 

الله ﷻ للطغاة بالمرصاد

هذه الأقسام التي ورت في الآية الكريمة جاءت لكي توصلنا وتوصل صاحب العقل إلى أن هذا العالم فيه آيات وبراهين موصلة لحقيقة أن الله ﷻ لا يدع الظالمين والجبابرة الطواغيت يفعلون ما يشاؤون، وكأنه لا توحيد عملي في هذا الكون. 

وبملاحظة الآية قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۞ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ۞ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ الفجر: 4-6فلماذا قصة عاد؟ ذلك كونها حضارة قد بُنيت على ظلم الإنسان، ورغم أن عاد هي التي ظلمت وطغت وكفرت بنعمة الله ﷻ، لكن الآية تقرر أنه ﴿ فَعَلَ رَبُّكَ﴾!

وحين جاء أبرهة وجيشه لهدم الكعبة المشرفة، أبرهة هو الذي أعدّ واستعد وهيأ، وهو الذي قام بكل ذاك الجهد، لكن الله ﷻ يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ الفيل: 1، وهذا هو مقتضى إدراك التوحيد العملي في هذا الكون؛ فعندما يتحرك الطغاة المردة والجبابرة، فإن الله ﷻ بالمرصاد لهؤلاء الطغاة، أي في اللحظة التي من المفترض أن يقوموا بطغيانهم وظلمهم، الله ﷻ يقضي عليهم وتنهار الأمور التي كانوا يعتمدون عليها.

﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ الفجر: 9، أهناك حضارة مادية وتمتع بالحياة الدنيا أكثر من هذا الذي يسلب الحُجا ويسلب العقل ويخرج الإنسان من الحجر إلى عالم التلوث؟ 

﴿وَفِرْعوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۞ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۞ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۞ فَصَبَّ علَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۞ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ الفجر: 10-14، فرعون أراد أن يقتل موسى ﴿؏﴾! فكيف تقع على قومه هذه العاقبة؟ 

فالنتيجة لهذه القاعدة الكلية هي: أن الله ﷻ بالمرصاد للطغاة، وهذه المعاني بتمامها تنطبق على كربلاء؛ فلو أن الإمام الحسين ﴿؏﴾ لم يُزعَج في منطقة ضيقة في كربلاء؛ لا ماء، ولا كلأ ولا غطاء ولا…، ولو أنه لم يُلزم بالوقوف في هذه الصحراء، وهي محاطة بالماء، لو لم يُحاصر الإمام الحسين ﴿؏﴾ في تلك المنطقة، هل كان من الممكن أن يظهر قبح وخبث وظلم وجبروت بني أمية؟ من الذي فعل فيهم ذلك؟ الله ﷻ كان لهم بالمرصاد!

الله ﷻ يرصد الإمام الحسين ﴿؏﴾ وأصحابه ومن سيصلح على يديه

كما أظهر الله ﷻ كفر أعدائه وشركهم وطغيانهم في حق الدين وفي حق المؤمنين. لأن الله لهم بالمرصاد!

كذلك فإن الله جلت قدرته كان يُظهر توحيد الإمام الحسين ﴿؏﴾؛ فهو يرصد للحسين ﴿؏﴾ وأصحابه ومن سوف يَصلُح على يده، والله دائمًا لهم بالمرصاد، يُقيل عثرتهم، يهديهم للتوبة وللعفو ﴿ثُمَّ تَابَ علَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ التوبة: ١١٨.

فكما أن الله ﷻ لكل ظالم ومتجبر يكيد له ويسقطه، كذلك فإن أصحاب الإمام الحسين ﴿؏﴾، جاؤوا وانتخبوا على قدر.

كيف نتصور أنّ الله ﷻ نظر لما يَصدر عن الإمام الحسين ﴿؏﴾ وأصحابه، وهم يرسمون هذه اللّوحة الرائعة في التوحيد، فمسلم بن عقيل الذي أرسله الإمام الحسين ﴿؏﴾ ممثلًا  عنه في الكوفه، كان ﴿؏﴾ أبِيًا يتحلى برجاحة العقل، ويمتاز بالصدق، والشجاعة، وكما قيل: “أرسل حكيمًا ولا توصه”، لم تنقل لنا كتب السيرة أنّ الإمام الحسين ﴿؏﴾ قد أوصى مسلمًا ﴿؏﴾، ولكن المخادعون، والجبناء، والمتعلقون بالدنيا الذين خرجوا عن حِجْر النّهى؛ وحِجْر العقل؛ الذين قد غرتهم أبدانهم، وأهواؤهم، وشهواتهم، وعندما اكتشف الجلاوزة حركة مسلم بن عقيل، انقلبوا على أعقابهم، ولذا أرادوا القضاء على مسلم وعلى حركته قبل وصول الإمام الحسين ﴿؏﴾ للكوفة. 

ولذا نجد أنّ مسلمًا ﴿؏﴾ أتخذ كل ما لزم من الإجراءات؛ كي لا يصل الإمام الحسين ﴿؏﴾ إلى الكوفه، ويُنّبأ الإمام الحسين ﴿؏﴾ أنّ القوم قد خانوه؛ واستخفّوا برسوله ومبعوثه. كان الإمام الحسين ﴿؏﴾ وأصحابه في غايةٍ من الوفاء لمسلم بن عقيل؛ لذا نجد الإمام ﴿؏﴾ في اليوم العاشر بعد أن قُتلت أصحابه وجُزِروا على الصعيد بغير غطاءٍ، ناداهم واحدًا واحد؛ وبدأ بمناداة مسلم(٥)، يا مسلم بن عقيل، ياهانئ بن عروة، يا حبيب بن مظاهر ….، وهذا أجلّ  وفاء من الحسين ﴿؏﴾.



١. ومصداق ذلك: الظلم، كما تشير لذلك الآية فحينما يكون الظلم جاثمًا وكاتمًا لأنفاس الصادقين المخلصين الموحدين، ثم يبدأ الفجر بالمجيء فيزيح هذا الجاثوم وهذا الثقل فيتنفس الصباح.

٢. أن الحجر يمنع الإنسان من الاختلاط مع المصابين ويمنعه من الوباء ويجعل الإنسان في حالة صحة وسلامة ويمكن القياس على هذا الحجر العقل الذي يمنع الإنسان كي لا يختلط مع المرضى والمصابين بالأوبئة والشكوك والظنون فإنها لواقح الفتن.

٣. شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ٢٠ – الصفحة١٧٣  

٤. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٤٣ – الصفحة ٣٥١.

٥. نظر الإمام الحسين (عليه السّلام) يميناً وشمالاً فلم يرَ أحداً من أهله وأصحابه وأنصاره , فنادى : (( يا مسلم بن عقيل , ويا هاني بن عروة، يا حبيب بن مظاهر، يا زهير بن القين، يا يزيد بن مظاهر … )) وسمّى الكثير من أصحابه، ثمَّ قال: (( يا علي بن الحسين، يا أبطال الصفا، ويا فرسان الهيجاء، ما لي اُناديكم فلا تجيبون، وأدعوكم فلا تسمعون؟ أنتم نيّام؟ أرجوكم تنتبهون، أم حالت مودّتكم عن إمامكم فلا تنصرونه ؟ فهذه نساء الرسول لفقدكم قد علاهنّ النحول , فقوموا من نومتكم أيها الكرام , وادفعوا عن حرم رسول الله الطغاة اللئام … )) 

ثمَّ أنشأ يقول: قـومٌ إذا نـودوا لدفعِ ملمةٍ  *** والخيلُ بين مدعّس ومكردسِ. [كربلاء الثورة والمأساة ص ٣٣٩]. 

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬753 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.