ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 كربلاء تصنعنا عرفاء ١

تقدم القراءة:

كربلاء تصنعنا عرفاء ١

الأحد 11 محرم 1442مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا رسول الله، السلام على أمير المؤمنين، وعلى الصديقة الطاهرة ﴿؏﴾ وعلى الحسن بن علي السلام عليك يا أبا عبد الله، عليك سلام الله مني أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتك.

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين

لرسول الله صلى الله عليه وآله وللمؤمنين كافة ومراجعنا بشكل خاص حار العزاء بشهادة أبي الأحرار الحسين بن علي ﴿؏﴾ الذي أبكى مصرعه كل حجر ومدر حتى رُأيت الدموع تنهال من الأحجار ومن الجدران ومن الشجر.

فإذا كان للحجر والشجر والمدر إدراك محدود وبقدر ومع ذلك تفجر بكاء لألم الحسين ﴿؏﴾ ولمصيبته فكيف الحال بالمؤمنين المعتقدين والموالين المحبين.

الحديث لهذا العام بعنوان: كربلاء تصنعنا عرفاء.

وقبل الدخول في تفاصيل البحث ومحاوره نتحدث عن الآداب الروحية والأخلاقية والمعنوية التي تخلق عندنا استعدادًا وقدرةً لأداء حق هذه الأيام العشر.

فأحيانًا يأتي الحديث عن الآداب العملية، وأحيانًا نتحدث عن الآداب الروحية، وباعتبار أنَّ فضاء البحث سوف يكون روحيًا ومعنويًا وعرفانيًا فلا بد من محاولة توسعة القلب والروح والعقل حتى يتلقى هذه المعاني بصدر رحب وبإناء طاهر ونقي.

أهم التوصيات الروحية للموسم العاشورائي

كتب بعض علمائنا الأجلاء كصاحب المراقبات وغيره من أهل هذا الفن الروحي بعض الوصايا العملية والأخلاقية للإستفادة من هذه العشرة أيام ولكننا سوف نركز على الجانب المعنوي والروحي منها.

وكما هو معلوم فإن صاحب المصيبة بالدرجة الأولى هو إمامنا المهدي صلوات الله وسلامه عليه فنحن نؤم المجالس لتعزيته وهو القائل -كما نُسِبَ إليه في زيارة الناحية- مخاطبًا الإمام الحسين ﴿؏﴾: (فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَماً، حَسْرَةً علَيكَ، وتَأسُّفاً على مَا دَهَاكَ)(١).

ولا شك أن من أهم وظائفنا الروحية هي تعزية الإمام (عج) في فقد جده صلوات الله وسلامه عليه، وهذه من المعاني الأولية، فحتى يسلك الإنسان طريقًا للارتباط بالإمام الحسين ﴿؏﴾ لا بد أن يتصل ويرتبط بإمام زمانه ويعرف كيف يشاركه همّه ومصابه.

ففي زمن الإمام الرضا ﴿؏﴾ وكما هو وارد في الروايات تذهب الناس إلى تعزية الإمام ﴿؏﴾، وكذلك الحال في زمن الإمام الصادق ﴿؏﴾. فقد روي عن الإمام الصادق ﴿؏﴾ أنه إذا هلّ  هلال عاشور اشتدّ حزنه وعظم بكاؤه على مصاب جده الحسين ﴿؏﴾ والناس يأتون إليه من كل جانب ومكان يعزونه بالحسين ويبكون وينوحون على مصاب الحسين فإذا فرغوا من البكاء يقول لهم: أيها الناس اعلموا أن الحسين حي عند ربه يرزق من حيث يشاء وهو ﴿؏﴾ دائمًا ينظر إلى مكان مصرعه ومن حلّ فيه من الشهداء، وينظر إلى زواره والباكين عليه، والمقيمين العزاء عليه، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنازلهم في الجنة وأنه ليرى من يبكي عليه فيستغفر له، ويسأل جده وأباه وأمه وأخاه أن يستغفروا للباكين عليه والمقيمين عزاه، ويقول لو يعلم زائري والباكي علي لانقلب إلى أهله مسرورًا، وما يقوم من مجلسه إلا وما عليه ذنب وصار كيوم ولدته أمه(٢)

ونحن في زمن الغيبة قد تختلف طبيعة التعزية؛ لأن المسألة في تعزية الإمام الغائب (عج) بجسده الحاضر وبروحه الحاضرة وبمشاعره معنا تحتاج إلى أن نؤصّل للعلاقة بيننا وبين الإمام ﴿؏﴾. فالإنسان منا عندما يريد تعزية إنسان بسيط مثلًا له هموم محدودة وبسيطة يذكر في تعزيته هذه الهموم التي يهتم بها، ولكن عندما نعرف حقيقة الهموم التي يهتم بها الإمام -عجل الله فرجه الشريف- وأنها لا تنفك عن هموم القرآن الكريم سنعرف كيف نشارك الإمام (عج) في هذه العشرة الأيام وما بعدها خلال هذين الشهرين المقبلين في مصابه.

وكي نعرف كيف تتكون هذه الشركة؟ وكيف ندخل في الوادي المليء بالمسؤوليات والهموم والغموم والأعاصير التي تحيط بالإمام (عج)؟ وحتى نبين النقطة المركزية؛ لا بد أن نفهم حقيقة بشرية -في تاريخ البشرية كلها منذ أن خلق الله ﷻ آدم ﴿؏﴾ وأنزله على الأرض- هذه الحقيقة وهذه المعادلة –إن صح التعبير- كانت موجودة، ومن فاز في هذه المعادلة واتبع ما أراده الله سبحانه وتعالى وأحسن التبعية سوف يكون محسوبًا على الإمام ﴿؏﴾ ومواسيًا له. 

ولبيان ذلك نقول:

السنخية الغيبية طريق لمواساة الإمام (عج)

اقترن نزول الإنسان وهبوطه من عالم القدس وعالم الجذبات الإلهية بالتفات الإنسان إلى بدنه التفاتًا يخرجه عن حالة الاعتدال، والميل إلى حاجاته البدنية ولذائذه. وعندما خلق الله ﷻ آدم ﴿؏﴾ وأسكنه -كما يعبر صاحب الميزان- جنة الاعتدال ومنعه عن التعدي بالخروج إلى جانب الإسراف واتباع الهوى قال لآدم ﴿؏﴾: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى‏﴾ طه: 118-119.

وذلك لأن الإنسان إذا ما جاع وعطش وعرى وظمأ وضحى واحتاج إلى سدّ هذه الحاجات سوف تتسلط عليه الأبعاد البدنية واهتماماتها فتغلب على الروح وتُخرجها من عالم القدس. 

ولأن الله سبحانه وتعالى يريد لآدم ﴿؏﴾ أن يبقى روحانيًا، أن يبقى همّه، وغمّه، وحزنه على أمور روحية، يبقى بكاؤه، طلبه، إرادته، تضرعه على شأن روحي؛ لذلك جعله في فضاء لا يجوع فيه ولا يعرى، لا يظمأ، ولا يضحى، ثم اشترط عليه أن لا يقرب شجرة واحدة؛ لأنه بالقرب من هذه الشجرة سوف يحدث أمرًا يصرف آدم ﴿؏﴾ عن حاكمية الروح؛ وسيهبط حينها آدم ﴿؏﴾ لأنه التفت إلى بدنه، وقهر بسلطانه.

إذ يوجد ارتباط بين الأكل من الشجرة والهبوط، وهذا يتكرر دائمًا لا في قصة آدم ﴿؏﴾ فحسب بل حتى في قصة بني إسرائيل؛ فعندما اختار الله سبحانه وتعالى لهم أن يسكنوا الأرض المقدسة، وهذه الأرض ليست مقدسة من حيث الظاهر وإنما تعيش همومًا مقدسة، وقضايا مقدسة، فبني إسرائيل لم يقبلوا بذلك المقدار من المتاع وإنما طالبوا بنفس ما طلب به آدم ﴿؏﴾: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ  مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ﴾ البقرة: 61.

بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يريد لكم أن تكون همومكم عالية، ورفيعة، وروحية، وأنتم تطلبون هذه المواد الدونية والدنيوية! مع أن الله ﷻ قد أغناكم بالمنّ والسلوى، فجاء الخطاب في الآيات ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ فالهبوط هنا ليس هبوطًا من مكان عالٍ إلى مكان دانٍ بمعنى أقل، وإنما الهبوط من المكانة؛ على غرار قوله ﷻ في قصة آدم: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ﴾ طه: ١٢٣.

لا بمعنى أنهم كانوا في جنة مرتفعة ثم هبطوا إلى جنة أسفل وأدنى منها علوًا، وإنما بمعنى استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ﴾ أي استبدال ما يريده الله ﷻ من علو الهموم بحاجات دونية؛ وهي حاجات البدن وتسليط أودية الدنيا على الروح!

إذن ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾؛ لأن هذه عملية استبدال.

علاج الهبوط واتباع أودية الحياة الدنيا

أما فما يرتبط بعلاج هذا الوضع والذي هو الهبوط في وادي البدن فهو ذكر الله ﷻ؛ فعندما يرتبط المؤمن بإمام زمانه ﴿؏﴾ والذي هو أيضًا (ذكر) حسب ما يشير القرآن الكريم، وعندما يتبعه تبدأ سيطرة العقل والروح وسلطان الهمّ الواقعي بالسيطرة على الهموم البدنية والشهوانية، واتباع أودية الحياة الدنيا، حينها يبدأ البدن بالتقهقر وتغلب عليه أحكام الروح ويصبح هذا البدن واهتماماته مجرد معبر، وتنشط في الإنسان الحركة الروحية، وهذا ما يسمى والذي سوف نتحدث عنه بالحركة الجوهرية ويصبح الإنسان المتبع لما أنزله الله ﷻ مسارعًا في تصحيح همّه.

ورد في شرح الآية: ﴿قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعضُكُمْ لِبَعضٍ عدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى‏﴾ طه: 123، والآية ﴿وَ مَنْ أَعرَضَ عنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعمى‏﴾ طه: 124.

يقول صاحب الميزان: إن كل الأحكام الشرعية الفقهية إنما كانت -يعني المِلاك فيها- كي تغلب حركة الروح حركة البدن، ومعنى الاتباع المشار إليه في الآية الشريفة حالة مثل المشي والسير والسلوك فمن اتبع هداي وأعرض عن الحياة الدنيا فلا يضل ولا يشقى(٣).

كما نلاحظ أيضًا الإطلاق في الآية؛ فلم يقلّ لا يضل ولا يشقى في الدنيا، أو لا يضل ولا يشقى في ماله، أو لا يضل ولا يشقى في أفكاره أو بدنه، وإنما أطلقها في كل شيء؛ فلا يضل ولا يشقى في غاياته وفي عاقبته، ولذلك يقول صاحب الميزان أطلق الضلال والشقاء لكي ينفي كل أشكال الضلال والشقاء عنه في الدنيا وفي الآخرة جميعًا بشرط اتباع الهدى.

والأمر الآخر الذي نلاحظه من خلال الآيات السابقة أنه مقابل هذا الذي لا يضل ولا يشقى فلماذا قال ﴿وَ مَنْ أَعرَضَ عنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكاً﴾؟ مع أنه وحسب ما يقتضيه السياق يتعين أن يقول ومن لم يتبع هداي فإن له معيشة ضنكا فلماذا قال ﴿وَ مَنْ أَعرَضَ عنْ ذِكْرِي﴾؟

لعل السبب الأول: أن المِلاك في الشقاء والضيق هو الابتعاد والإعراض عن الذكر، ونتيجة هذا الإعراض أن تضيق حياة الإنسان من كل جانب؛ لأن الإنسان عندما ينقطع عن الهدى ولا يتبعه فإنه سوف يتعلق بالدنيا ويجعلها مطلبه الوحيد ويصبح همّه بإصلاح معاشه والتوسعة والتمتع فيه، بالرغم من أن أودية الدنيا لا سعة فيها؛ فهي ذاتها ضيقة “أسكَنتَنا داراً حَفَرَت لَنا حُفَرَ مَكرِها”(٤).

إذن كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من هذه الهموم الضيقة؟ 

الجواب: هو أن يشتغل بالهموم الواسعة والعالية، وأن لا ينزل إلى حضيض رغبات هذه الدنيا الدنية، عند ذلك سوف يكون مشاركًا لإمامه صلوات الله وسلامه عليه في الخصوصية الروحية.

فمع أن بدن الإمام ﴿؏﴾ غير موجود -غائب- لكن هذا الموالي المواسي ليس همّه البدن؛ فروح الإمام (عج) حاضرة، ولا شك أن الإمام (عج) لا يهتم ولا ينشغل بسفاسف الحياة الدنيا؛ حينها سيكون حال هذا الموالي المواسي والذي علت وارتقت همومه؛ قد سانخ الإمام (عج) في همومه.

ولذا نلاحظ كما جاء عندنا في الرواية عن حقيقة الغيبة؛ أن يدخل الإنسان وأن يعيش مع الإمام صلوات الله وسلامه عليه في عالم هو من أرفع العوالم فقد جاء في الرواية (الغيب أمر من أمر الله سر من سر الله غيب من غيب الله)(٥).

وهذا التفسير والفهم  للآيات يقود الإنسان للابتعاد عن أودية الحياة الدنيا، ويرتبط ويحلّ في الوادي الذي فيه الإمام ﴿؏﴾. وهذه أهم مسألة ينبغي للإنسان في هذه العشرة الأيام أن يدركها ويلتزم بها ليكون مصاحبًا مواسيًا لصاحب المصيبة الأساسية ولكن بطريقة تتناسب معه بحيث يكون بحال يجعل بينه وبين الإمام (عج) سنخية غيبية، وهذه مرحلة عظيمة جدًا في تاريخ الموالين وهي مرحلة عروج وصعود، ليس فيها نزول بالضدّ كما طلبه الله سبحانه وتعالى حين قال لبني إسرائيل ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ علَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ﴾ البقرة: ٦١، بينما الذي يرتبط بالإمام (عج) يخرج من الذّلة والمسكنة، ومن غضب الله ﷻ، وهذا ما يؤهله لكي يكون مواسيًا للإمام (عج).

وكما يتعين أن نلتفتت أن مواساة الإمام ﴿؏﴾ ومواساة الصديقة الزهراء ﴿؏﴾ ليست مسألة مشاعرية عاطفية بحتة كما قد يتصورها البعض.

الجرح الأمض على قلب الصديقة الزهراء (ع)

ختام الحديث نذكر بهذه الرواية الشريفة: ورد في صحيحة أبي عبيدة عن الإمام الصادق ﴿؏﴾ أنّه قال: «إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها، فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام»(٦)

وهذه الرواية موجودة في الكافي والبحار وفي أكثر كتبنا الروائية أن الزهراء صلوات الله وسلامه عليها بعد أن فقدت رسول الله ﷺ نزل عليها من الهمّ والحزن والألم ما عبرت عنه -صلوات الله وسلامه عليها- صبت عليَّ مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليَا، مصاب جلل ما مرت به الصديقة الزهراء ﴿؏﴾؛ وفاة رسول الله أو شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله هي بنفسها فقد لم يحدث قبله ولا مثله ولا بعده في الوجود وهي تفهم هذه الحقيقة، وأخذ الخلافة من الإمام علي ﴿؏﴾ وحوادث السقيفة وما جرى عليها ﴿؏﴾ فبلا شك أن الزهراء ﴿؏﴾ كانت تعيش حالة من الحزن الذي لا يمكن تصوره بحال.

ولكن في الرواية (٧) أن جبرئيل ﴿؏﴾ كان ينزل على الصديقة الزهراء ﴿؏﴾ فيتلوا عليها ما سوف يجري على الإمام الحسين ﴿؏﴾ في كربلاء وكانت تتسلى بذلك(٨). الإنسان المصاب في بدنه عندما تكون فيه عدة جروح تنزف فإنها تستهلكه، ولكن جرحه الكبير يشغله عن تلك الجراحات الصغيرة، والزهراء صلوات الله وسلامه عليها أمٌ ليست ككل الأمهات، هي أم ٌ تلد العظماء تربيهم لكي تجعلهم في خدمة الدين والإسلام وفي نشر الحقائق، ولذلك نلاحظ الإمام الحسين ﴿؏﴾ إلى يوم العاشر حفظ للزهراء ﴿؏﴾ هذه الفضيلة فقال: “وهيهات ما آخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله، وجدود طابت، وحجور طهرت”(٩).

السلام عليك يا أبا عبدالله.



١. زيارة الناحية المقدسة.

٢. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو الطيب الحسين ابن محمد النحوي، قال: حدثني أبو الحسين أحمد بن مازن، قال: حدثني القاسم بن سليمان البزاز، قال: حدثني بكر بن هشام، قال: حدثني إسماعيل بن مهران، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، قال: حدثني محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: إن الحسين بن علي (عليهما السلام) عند ربه (عز وجل) ينظر إلى موضع معسكره، ومن حله من الشهداء معه، وينظر إلى زواره وهو أعرف بحالهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم، وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله (عز وجل) من أحدكم بولده، وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه (عليهم السلام) أن يستغفروا له، ويقول: لو يعلم زائري ما أعد الله له لكان فرحه أكثر من جزعه، وإن زائره لينقلب وما عليه من ذنب. [الأمالي ص ٥٤-٥٥]. 

٣. تفسير الميزان، ج14، ص224.

٤. الصحيفة السجادية، مناجاة الزاهدين.

٥. علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج1، ص246.

٦. اصول الكافي: ج1، ص 240 – 241.

٧. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن حماد ابن عثمان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة (عليها السلام)، قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) دخل على فاطمة (عليها السلام) من وفاته من الحزن مالا يعلمه إلا الله عزوجل فأرسل الله إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يكتب كلما سمع حتى ألبت من ذلك مصحفا قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون. [شرح أصول الكافي – مولي محمد صالح المازندراني – ج ٥ – الصفحة ٣٣٨]. 

٨. من الجدير التوقف عند كلمة التسلية؛ فالمكلوم المجروح ليس هناك ما يسليه عن جرحه في واقع الحال، وليس هناك ما يعزيه ويخفف من آلامه إلا شيء واحد، فالإنسان لا يشغله عن الجرح الذي هو آلم بذاته، الجرح الذي هو أوقع على قلبه من الجرح الذي يعيشه.

٩. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج٤٥ – ص٩.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬752 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.