ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 منهج الإمام الصادق (ع) وأدب التعامل العلمي

تقدم القراءة:

منهج الإمام الصادق (ع) وأدب التعامل العلمي

الثلاثاء 24 شوال 1441مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

كثير ما يتردد على الألسن نسبتنا كشيعة أهل البيت ﴿؏﴾ إلى الإمام جعفر الصادق ﴿؏﴾ وقد يتصور البعض أن هذه النسبة كونه المؤسس للمذهب الإثنى عشري، وهذا خطأ شائع؛ والحقيقة هي أن مؤسس هذا المذهب هو رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما محييه وناشره هو الإمام جعفر الصادق عليه السلام. 

فإن الأديان الإلهية وحتى غير الإلهي منها كثير ما يصيبها الإنحراف عن أهدافها ومقاصدها من قبل المنتحلين والمغرضين والجهال بتلك الأهداف. ولا شك أن إعادة نشر الدين الاسلامي والدعوة لله واجهت نفس التحديات والمصاعب التي واجهها الإسلام من أتباع الجاهلية الأولى والمشركين والمعاندين. الصورة والسيرة واحدة وتتكرر مع تغير في النماذج والأفراد واتحاد في الرؤى والأهواء والأغراض والأمراض.

في مقابل هذه الجاهليات؛ كان نور خليفة الله محمد رسول الله صلوات الله عليه وآله الكامل وجاذبيته وعلو قيمه وكمال خصائله وجمال سيرته هي أهم مؤثر في دعوته؛ فدخل الناس في دين الله وهم يراهنون على صدق رسول الله (ص) وأمانته؛ فالمرتكز الوجودي لهذا الخُلُق الكريم هي آداب النبي الأكرم (ص) وسننه التي أدبه الله عليها فقد قال صلوات الله عليه وآله: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)(١).  

وتبرز هذه الآداب في تعامله مع الناس كافة؛ عدوًا كان أو صديقًا، موافقًا له في الرأي أو مخالفًا ومرد ذلك أن الله جلّ شأنه قال في حق الإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الإسراء: 70 .

والله ينسب لنفسه أن معاملاته مع الإنسان ذات نمط كريم، وكونه جلّ شأنه بالنسبة للإنسان مخفي وباطن (يرى ولا يُرى)، وباعتبار النبي (ص) خليفة الله التام؛ فبهذا الملاك وهذا الاعتبار كان النبي (ص) يبرز في معاملاته التكريم التام للناس والأدب معهم.

وكما سنرى فإن ذلك ينطبق بتمامه على الإمام الصادق ﴿؏﴾ بنحو الكمال والتمام. ولقد عُرّف الأدب: 

١. اللطافة والظرافة والّدقة في الأمور(٢).

٢. وقيل: هي قوى تقي صاحبها من اقتراف السيئات.

٣. إلا أن ما يناسب كلامنا هنا هو أن نعرف الأدب بأنه: (كل عمل يطابق العقل والشرع مطابقة كاملة؛ إذا اُتي به على أفضل الوجوه وأحسنها وأجملها).

فالأدب حقيقة ننتزعها من أفعال الإنسان وحركاته، وأما الصفات النفسية الباطنية فتلك هي الأخلاق. 

ولا تطلق الآداب على الحركات الظريفة واللطيفة التي تصدر عن التملّق والكذب والحسد والتسابق على الدنيا وسرقة الأضواء واختطاف الآراء؛ بل يشترط في الآداب أن تكون ناشئة عن قوّة العقل؛ فقد جاء عن الحسن المجتبى عليه السلام: (لا أدب لمن لاعقل له)(٣)، إذن فالإنسان بحسب عقائده ومعارفه وأفكاره وعلومه يتقيد بآداب تمثل عواطفه وروحيانته وملكاته.

ولا شك أن هناك خرافات وتزويقات يطلق عليها الناس آدابًا؛ ولكن يشترط في الأدب أن يوافق العقيدة باليوم الآخر، ولعلّ التوحيد والإعتقاد القوي باليوم الآخر هما الركنان الأساسيان اللذان يصرفان وجه الإنسان عن التزويقات الكاذبة والبريق الخادع وعن الأدب العامي الموهوم. وهنا نطرح سؤالًا يتناسب ودور الإمام الصادق صلوات الله عليه الذي عاصر انمحاء معالم الرسالة المحمدية الصادقة والرجوع للجاهلية الأولى، وقيام الصراعات بمستوى المجتمع على السلطان وانكباب الأمة على وجهها وخروجها عن الصراط.

إذ كيف استطاع الإمام الصادق سلام الله عليه أن يفرض حقانيته وعلومه وحجيته في أوساط الأمة وظرفية غلبة تلك المشاحنات والمهاترات والمغالبات؟!

إن من أوضح المعالم في سيرته ﴿؏﴾؛ هي آدابه العلمية والعملية التي قابل بها الأمة، وتكريمه لكل أطيافها؛ ممثلًا الدور الإلهي ومقتديًا بالدور النبوي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.

الأمر الذي جعل ابن أبي العوجاء(٤) -وهو من الزنادقة الملحدين وأشدّهم مكابرة أمام الحق- مع صلافته وتعنّته وعنجهيته يركع أمام لطف الإمام الصادق ﴿؏﴾.

جاء في كتاب التوحيد عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر أنه قال: (كنت ذات يوم بعد العصر جالسًا في الروضة -روضة النبي الأكرم (ص)- بين القبر والمنبر إلى أن قال: قال: ابن أبي العوجاء لصاحبه: “دع ذكر محمد فقد تحير فيه عقلي وضل في أمره فكري، وحدثنا عن ذكر الأصل الذي يُمشى به، ثم ذكر ابتداء الأشياء وزعم أن ذلك بالأهمال- الأشياء حدثت بالصدفة باعتبار أنه ملحد- وأنه لا صانع لها ولا مقدر لها بل تتكون من ذواتها بلا مدبر وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال.” فغضب المفضل بن عمر. 

يقول المفضل: فلم أملك نفسي غضبًا وغيضًا وحنقًا فقلت: يا عدو الله ألحدت في دين الله وأنكرت الباري جل وعلا الذي خلقك في أحسن تقويم وصورك في أتم صورة ونقلك في أحوالك حتى بلغ بك إلى حيث انتهيت فلو تفكرت في نفسك وصدَّقك لطيف حسك لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة وشواهده جل  وتقدس في خلقك واضحة وبراهينه لك لائحة). 

 إذا ألتفتنا إلى هذا البرهان لوجدناه:

١. محكم جدًا؛ لأنه أعاد ابن أبي العوجاء إلى أصل الخلقة، وتكلم عن الصانع وجاء بشواهد كثيرة على ذلك.

٢. نقاش عقلي؛ يلقي الحجج ويستثير العقل.

ولكن في المقابل ماذا كانت ردة الفعل من ابن أبي العوجاء؟!

فقال له ابن أبي العوجاء: “يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك؛ فإن ثبت لك حجة تبعناك؛ وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا ولا بمثل دليلك يجادلنا؛ ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا وإنه للحليم الرصين العاقل لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا. ويصغي إلينا ويستعرف حجتنا حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا أنا قد قطعناه، ثم إذا إلقينا عليه هذه الحجج أدحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه رداً فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه”.

وهذا يعني:

١. ليس المهم صرف إقامة الدليل؛ وإنما الالتفات إلى نحو إقامة الدليل والأسلوب المتبع.

٢. القدرة على تحمل الطرف المقابل؛ بما يحمله من تعنت ومكابرة أمام الحق، لا بل يرى له الحق في أن يدلي بما يراه وما يعتقده.

فماذا يسمى ذلك؟! إنه “منتهى الحلم”، وهذا ما اعترف به الطرف المقابل بوصفه للإمام ﴿؏﴾ بأنه العاقل الرصين الذي لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق: “ويسمع كلامنا ويصغي إلينا ويستعرف حجتنا”.

أي: ينصت لنا كإنصات التلميذ؛ يستمع من أستاذ حجته؛ فأي أدب بارع هذا!

فالمسألة ليست قضية إلقاء الحجة فحسب؛ فلحن الخطاب مؤثر(٥)، وليست مسألة ضرب الحجة بالحجة (العقل حسام قاطع)(٦) فالعقل كالسيف؛ أي أن معركة السيوف أهون من المواجهة بالعقول.

ولكن! هذا فيما لو كان عقلاً محضًا، أما إذا ما أضيف عليه الأدب؛ فلا يجد الطرف المقابل بدًّا من الإذعان ليس للحجة؛ بل لإحساسه بالكرامة والعزّة والحرية، وهو ما جعل ابن أبي العوجاء يذعن ويعترف للإمام صلوات الله عليه في قبالة رفضه لقوة برهان المفضل ورصانته العلمية وإحكام حجته. 

تمامًا كما استطاع رسول الله صلوات الله عليه وآله أن يدخلهم في دين الله أفواجًا؛ لا لأنهم تعقلّوا بمحض التوحيد وعرفوا حقيقة الوحي؛ بل لأن آداب رسول الله (ص) وكونه مظهرًا لتكريم الإنسان، استطاع أن يمتلك قلوبهم ويوجهها نحو المعبود، فمن يمتلك العلم والحلم والأدب(٧) يمتلك العقول والقلوب.

ومن المهم لنا وبهذا المناسبة أن ننوه إلى ضرورة العودة إلى سنن وآداب النبي الأكرم (ص) وأهل البيت ﴿؏﴾؛ فعدونا أصبح يغزونا بهذه المظاهر المُدعاة، ويدخل علينا من هذه النوافذ؛ عندما رأى الأبواب موصدة أمامه؛ إذ لا يمكنه أن يحرفنا عن الشرعية أو يجعلنا نتخلف عن الفتاوى؛ دخل لنا من النافذة، وفرض علينا آدابًا وسلوكيات من خرافات قد لا تنسجم مع ديننا الإسلامي الحنيف.

لا شك أن الإمام الصادق صلوات الله عليه قد كسب القلوب، وكما جاء في كتب التاريخ كان له صلوات الله عليه (هيبة بلا سلطان)(٨)

وفي واقع الحال وكأن رسول الله (ص) قد ظهر لهذه الأمة من جديد مع ظهور هذه الجاهليات، ومع التكالب على السلطان والدرهم والدينار والدنيا والانكباب على دار الفناء. إن هذا الظهور والتجلّي للإمام الصادق ﴿؏﴾ أحيا به رسول الله (ص) وأحيا به دينه؛ ولهذا لم يتحمله المنصور الدوانيقي(٩)؛ والذي كما عرف عنه كان يبخل على الإنسان بماله؛ كيف لا يبخل بالمنصب والموقع والقلوب أن تهوي للإمام جعفر الصادق ﴿؏﴾.


١. ميزان الحكمة – ج: 1 – ص: 58.

٢. صاحب الميزان – الشيخ جوادي آملي.

٣. (لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودّة لمن لا همّة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك سعادة الدارين، ومن حرم العقل حرّمهما جميعاً) كشف الغمة وإرشاد القلوب  – ج: 1 – ص: 571

٤. ابن أبي العوجاء واسمه عبد الكريم من الملاحدة المشهورين، واعترف بدسّه الأحاديث الكاذبة في أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله )، وكفى في معرفة حاله هذه المناظرات، وقد قُتِل على الإلحاد.

٥. وهذا ما حذا بأقوام وزعماء مذاهب يقبلون من الإمام الصادق صلوات الله عليه كأبي حنيفة مثلًا  ويشهد للإمام الصادق: (أنني لم أرى أعلم منه).

٦. (الْحِلْمُ غِطَاءٌ سَاتِرٌ، وَالْعقْلُ حُسَامٌ قَاطِع، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعقْلِك) شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد – ج: 20 – ص: 69.

٧. (الْعلْمُ وِرَاثَهٌ كَرِيمَةٌ، وَالْأَدَبُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ) الإمام علي عليه السلام. ميزان الحكمة – الريشهري – ج: 1- ص: 53.

٨. “من أراد عزا بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان، فلينقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته” ميزان الحكمة – ج: 3 – ص: 1958.

٩. الإمام جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام عاش عصرا استثنائيا ربما لم يعشه سائر المعصومين وقد كفى الإمام الصادق عليه السلام سائر الأئمة مهمة أساسية وهي إشاعة ونشر وتوضيح معالم الدين الإسلامي، عاش الإمام الصادق في عصر المنصور الدوانيقي، المسمى بخليفة المسلمين في ذلك. الوقت كان المنصور أرذل وأخس وأبخل بني العباس ولهذا سمي بالدوانيقي لأنه كان أعبدهم للدنيار والدرهم. 

سبب تسميته بالدوانيقي: الدانق هو سدس الدرهم، عندما يصنعون الدرهم تسقط منه نخالة (نشارة) هذه النخالة الخفيف منها يسمى بالدانق، فقد كان يحاسب عماله بالدانق، لايعطيهم عملة كبيرة، قس على هذا إنسان بهذا المستوى من البخل هل يكون فيه صفة من الصفات الحميدة وقد جاء عندنا في الروايات لا يدخل الجنة بخيل. لأنه البخل هو أساس كل مثلبة وكل قبيح.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 56٬867 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٣ 5 (1)

إن ولاية الله ﷻ منحصرة، وليس لأحد أن يأخذها إلا من نصّبه الله ﷻ، فهي مرتبة من مراتب الوجود الإلهي؛ ولها ذات الخصائص والصفات لولاية الله ﷻ، ولها ذات أحكامها؛ لأنها ممتدة ومتفرعة من الولاية الذاتية لله ﷻ، فهذه الولاية لله ﷻ بالذات، ولأمير المؤمين ﴿؏﴾ بالواسطة وبالتبع.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٢ 5 (2)

كل الأعمال، العبادة والجهاد تصبح لغوًا، ما لم تبلغ الولاية موقعها الذي جعله الله ﷻ لها، فإذا وصلنا إلى هذه المعرفة، عرفنا معنى علي ﴿؏﴾ وأدركنا حقيقة ومعنى فقد علي ﴿؏﴾ الذي أظهره الله ﷻ وجلّاه وبيّنه.