تقدم القراءة:

الإمام الحسن ﴿؏﴾ وخلافة الملك والملكوت

الثلاثاء 5 مايو 2020مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

لبيان مظهرية خلافة النبي ﷺ وآله أو أحد من الأئمة (ع) أو حتى الإنسان العادي لا بدّ من الرجوع بالذاكرة والتصور إلى أصل هذا المدعى، ولبيان ذلك علينا الإتيان بمقدمات قرآنية واضحة.

نبي الله آدم (ع) مظهر الإنسان المعصوم:

تعد مسألة الخلافة من أهم الأبحاث المفصلية في تأصيل المنهج الفكري والعقائدي سواء في بُعدها التكويني أو السياسي أو الاجتماعي وحتى الخلافة في تعليم الناس، وقد تناولها القرآن الكريم في معرض ذكره لسيرة نبي الله آدم (ع) من جهة كونه خليفة لله سبحانه والمظهر للإنسان المعصوم، وقص قصته بشكل يفهم فيه أبعادها ومغازيها وما تضيئ عليه ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ يوسف: 3 لما للقصة من قدرة على الجذب وإلفات الطرف المقابل الذي يسمع القصة إلى التدقيق في الحقائق التي امتلأت بها زواياها وما تحمله من معاني ومضامين هامة؛ معنى الخلافة، وحقيقة الخليفة ومرتبته.

أبعاد الخلافة الربّانية:

  • أولًا: البيان؛ الفصل المقوم للإنسان:          

 ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ * علَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ الرحمن: (3-4) فكلما كان الإنسان يرى الحقيقة بوضوح وجلاء فتشرق له زوايا الحقيقة؛ كلما استطاع بلسانه أن يفصح عن هذه الحقيقة؛ خلافة الله سبحانه بأحسن بيان.

ينقل رسول الله ﷺ وآله قوله: “أنا أفصح من نطق بالضاد”(١)، والإفصاح(٢) هو بيان المعنى بين المعاني، وليس المقصود فقط الفصاحة اللفظية، وإن كانت لا تعدو رسول الله ﷺ وآله ولا تتجاوزه كونه من بني هاشم التي تعدّ أفصح قريش، وقريش التي هي أفصح العرب.

فرسول الله ﷺوآله الصادر الأول والخليفة المظهر لجمال الله وجلاله والأفصح في إظهار التوحيد ومعالمه وصفاته بوضعها في قالب اللفظ، فقد يكون هناك من العرب من يستطيع أن ينطق الضاد بفصاحة، ولكنه لا يستطيع أن يستخدمها في الأمر الذي يتطابق مع الحقائق تمام الانطباق، ويطوّعها بحيث تفصح عما يريد فيكون فصيحًا في أداء الضاد وفصيحًا في استخدامها أيضًا، ولهذا يقول أمير المؤمنين (ع): “إنا لأمراء الكلام، ومنّا نشبت عروقه، وعلينا تهذلت أغصانه”(٣) .

فالله جلّ  شأنه وصف نفسه في كتابه الكريم بأنه مبيِّنًا للحقائق ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ النحل: 89 والإنسان خليفة الله المظهر له يستطيع أن يبيّن  الحقائق بكل دقة وعمق، وهذه الحقائق هي التي تجعلنا نفهم مراتب الإنسان ومواقعه الوجودية، وما الفصل المقوّم للإنسان -الناطقية(٤)– إلا أول مظاهر إعطاء الخلافة لإنسان ما، فميزة الخلافة هي التي أعطته هذه الاستعدادات والإمكانات الخلاّقة، والاقتدار على قيادة نفسه ومجتمعه والوجود بأجمعه.

  • ثانيًا: الإطلاق في جعل الخلافة:

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعلٌ فِي الْأَرْضِ  خَلِيفَةً﴾ البقرة: 30 فكلمة ﴿خَلِيفَةً﴾ هنا جاءت نكرة إذ لم يقل (الخليفة) فماذا يستفاد من التنكير؟

لقد أطلق(٥) الله سبحانه في هذا الخليفة كل الصفات ولم يقيّده، مما أثار استنكار الملائكة وسؤالهم: ﴿قَالُوا أَتَجْعلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ  لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾ البقرة: 30 إذ كيف يمكن للإنسان أن يخلف الله جلّ  وعلا في مظاهره الجمالية والجلالية على حدٍ سواء، كيف يمكن لهذا الموجود والذي له بُعد طيني أن يكون خليفة، كيف يمكن أن يخلِف الله في كل الأسماء؟!

في حين نجد الآيات الشريفة عندما تحدثت عن الجانب البشري –البُعد الطيني- في الإنسان انقادت الملائكة ولم تستنكر: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعونَ﴾ ص: 71-73

والأمر الآخر الذي يستفاد من الإطلاق في الآية الشريفة: ﴿إِنِّي جَاعلٌ فِي الْأَرْضِ  خَلِيفَةً﴾، أن هذه الخلافة ليست مقيّدة بالأرض؛ إذ لو قال: جاعل خليفة الأرض لفهم أنه خليفة أرضي، لكنه قدم الظرف والمظروف على الخليفة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾، أي من هو في الأرض هو خليفتي، أي أنه خليفة في كل شيء، إذ كيف يُجمع فيه البُعدين؛ الملكي والملكوتي لدى الإنسان؟! فقطع الله على الملائكة بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾.

والقصة بيّنت لنا مواقع ثلاثة موجودات:

  • موقع الملائكة: وبسجودهم لآدم (ع) بينت أنهم خدّام له.
  • موقع آدم (ع): الخليفة المطلق.
  • حقيقة إبليس: لأنه كان يعيش حالة المُسوح(٦) والمتعبد المنقطع لله سبحانه، وبذلك التدبير الإلهي ظهرت أبعاد شيطنته واستكباره عندما عادى آدم (ع) ولم يسجد له، فكان ولا بدّ أن يُظهر الله سبحانه واقعه للملائكة ﴿وَإِنَّ علَيْكَ  لَعنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ص: 78. 

الإمام الحسن (ع) خليفة الملك والملكوت:

الإمام الحسن (ع) بكونه خليفة الله جلّ  وعلا وبشكل مباشر وبدون وسائط؛ خليفة الله في أسمائه وصفاته وتدبيره، كان هو وحده (ع) الذي يستطيع أن يقوم بدور الكشف على وزن الكشف الذي قام به الله سبحانه للشيطان فيفضح ويعريّ  معاوية.

فمعاوية كما عرف عنه كان داهية(٧) العرب -مع الأخذ في الاعتبار الفرق بين الذكاء والشيطنة- قد تقمص دور إبليس وسار على نهجه؛ لذا كان التدبير الإلهي أن يكشف حقيقته خليفة المدبّر وهو الإمام الحسن(ع)؛ فكتب صلحًا لا يحمل أي سمة من سمات الصلح(٨)، إذ أعطى فيه للإمام (ْع) الحق أن يسبّ معاوية ويعريّه ويفضحه علنًا أمام الملأ؛ صلح حقيقته الفضح، صلحٌ كاشفٌ ومبرر للإمام الحسن (ع) أن يمارس كل أنواع البيان والتوضيح والإفصاح عن هذه الطامّة التي سوف تحرق الأمة وتلحق بها وتقضي عليها. 

وتمامًا؛ فكما أمر الله سبحانه إبليس بالسجود لآدم (ع) والذي في واقعه كان كشفًا لواقع إبليس، فكانت نتيجة هذه الفضيحة أن جعل الله اللّعنة على إبليس تترى إلى يوم الدّين يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ 

كذلك فعل الإمام الحسن (ع)؛ فبهذا الصلح أعطى مبررًا لكل المسلمين أن يلعنوا معاوية، بل وأن يكون لعنه نحو من العبادة: (اللهم العن أبا سفيان ومعاوية ويزيد ابن معاوية عليهم منك اللعنة أبد الآبدين)زيارة عاشوراء.

فإذا أردنا أن نضع الإمام الحسن (ع) في موضعه فلا يمكن أن يكون للإمام (ع) دورٌ إلا تمثيل الخلافة الكاملة لله سبحانه، والتي من سرائرها وتفرعاتها وأبعادها هي الخلافة السياسية، وإلا من ذا يستطيع أن يقوم بهذا التدبير الإلهي الذي يطابق تدبير الله جلّ  شأنه! سوى خليفة لله سبحانه تعالى.

فالله قد اختار الإمام الحسن (ع) وانتخبه لجدارته، وجعل له هذا الدور وخلع عليه من أسمائه وصفاته (ع) بحيث لو تمثل لنا عالم التجرد؛ وتمثل العقل الكلّي كما ورد في الرواية “لو كان العقل رجلًا  لكان الحسن”(٩).

فالعقل يقوم بوظائف كثيرة، وأحد وظائف العقل التدبير -العقل التدبيري-، وهذا في الحقيقة يجعلنا نرى أنه ليس بمستطاع أي أحدٍ أن يقوم بدور الإمام الحسن (ع)،  فهذا ادعاء كاذب وخطير؛ لأن دور الإمام الحسن (ع) يحتاج شجاعة طويلة مستمرة، فإذا كان الإمام الحسين (ع) قد استمرت حربه لمدة (١٠) ساعات، فالإمام الحسن (ع) امتدت حربه الإعلامية ضد معاوية لمدة (١٠) سنوات. لقد كان دور الإمام الحسن (ع) ربّاني وصعب في ذات الوقت، فالمسألة تحتاج إلى عقل تدبيري، تحتاج إلى قوة ونفس طويل، وإلى إمكانيات ذهنية، كما تحتاج إلى البيان والفصاحة في الشخصية، وكذلك الكثير من الحلم ليس لاحتواء الناس فحسب، بل الحلم لتعرف الناس كيف تتبرأ وليجعلها تتبرأ، لقد تمركز دور الإمام (ع) وعلى مدى (١٠) سنوات باتجاه واحد؛ وهو ضبط شيعته وكل من كان حوله لتصب أنشطتهم في كشف حقيقة معاوية وفضحه وانكشاف شيطنته، وهذا أحد أبعاد الخلافة الربّانية والإلهية للإمام الحسن (ع).


١. أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين – ج: 1 – ص: 542

٢. أفصح عن الشيء بان وظهر، المرأة عندما ترفع مقنعتها عن وجهها نقول أفصحت عن وجهها يعني أبانت.

٣. نهج البلاغة: الخطبة ٢٣٣، غرر الحكم ٢٧٧٤

٤. يؤخذ على الخليفة الثالث أنه كان (يعجم) لا قابلية لديه على الخطابة والبيان، فكيف يتسنى له قيادة الأمة وهو لا يستطيع أن يبين لها منهجها ومستقبلها وقوانينها وتشريعاتها.. لا يستطيع أن يجري لها مجرياتها.

٥. نستفيد من التنكير (خليفة) العموم والاطلاق، لم يقل إني جاعل في الأرض خليفة في علمي ولا خليفة في رحمتي ولا خليفة في بصيرتي وإدارتي وتدبيري، لا بل أطلق كل الصفات في هذا الخليفة.

٦. المُسوحَ: أصبح راهبًا.

٧. مثلما الشيطان استطاع أن يغش الملائكة حتى حسبوا أنه منهم، فكذلك معاوية، فهو عندما ولى يزيد على الحكم قسم ليزيد كل منطقة كيف يتعامل معها، أهل الشام تعامل معهم بهذه الطريقة، أهل الكوفة، أهل مصر تعامل معهم بهذه الطريقة، وعندما اراد أن يتكلم مع أهل المدينة قال وأما أهل المدينة فإنهم أعمامك ورحمك لا يريد أن يقول برهم واقسط لهم لا، وإنما يريد أن يقول اشتريهم هؤلاء يرون أنفسهم في عرضك ولا يرون ميزة لك عليهم لا تحاربهم، يزيد من غبائه خالف أبوه وحارب الإمام الحسين (ع) وتلاشت دولة بني أمية.

٨. بمعنى أن الناس تتصور أن الإمام الحسن عليه السلام عمل بالتقية فكتب الصلح وسالم؛ فمن عادة الناس أن تصالح لتهادن وتنكفئ على نفسها وتنزوي في زاوية وتلتزم الصمت.

٩. فرائد السمطين – ج: 2 – ص: 68.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬949 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها