ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الإمام الحسين ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ٩

تقدم القراءة:

أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ٩

الأحد 16 محرم 1441مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين

ورد في الزيارة أشهَدُ أنَّكَ طُهرٌ طاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِن طُهرٍ طاهِرٍ مُطَهَّرٍ طَهُرتَ وَطَهُرَت بِكَ البِلادُ وَطَهُرَت أرضٌ أنتَ بِها وَطَهُرَ حَرَمُكَ،

علي بن الحسين صلوات الله عليه ممن لا تحصى مناقبه ولا تعد فضائله والإنسان كما يقال لا يعرف بأفعاله بعد تجريدها من المعارف والفضائل والصفات.

يقول الأستاذ الشيخ جوادي أن اسم علي الأكبر ليس لأنه الأكبر في السن فحسب، وإنما لأنه كان كبيرًا في العلم والمعرفة، كبيرًا في الجهاد وكبيرًا في التضحية، فقد دخل كل هذه الحلبات وخرج منها منتصرًا فائزًا بل خرج منها شهيدًا، وكان بدنه الشريف قد توذر قطعة قطعة، ولكن مقتضى الشجاعة الكبرى أن تبقى هذه الروح متمالكة ومتماسكة وأن يبقى السمع والبصر نابضًا حيًا فيرى وجه رسول الله (ص).

ويقول -الجوادي الآملي- في معرض حديثه عن علي بن الحسين الأكبر (ع) ويا لها من مقولة عظيمة من عارف بالله وعارف بشأن علي بن الحسين (ع): للأسف قد ملأنا المنابر بالحديث عن شجاعة وفروسية علي بن الحسين (عومظلوميته في كربلاء، مع أن العمدة في شخصيته هو الجانب العرفاني وإدراكه الخاص لأبيه الحسين (ع)، وفي دليله على ذلك يقول: عندما يقول علي الأكبر (ع) للإمام الحسين (ع): هذا جدّي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدًا” عبارة تستحق التوقف عندها والتأمل، فعلي الأكبر (علا يقول: كأني بجدي قد سقاني شربة من الماء، ولا يقول: جدّي سقاني بشربة من الماء، بل قال: “هذا جدّي”، أي قد وصلت ورأيت، مشيرًا إلى جدّه رسول الله (ص) على أنه من سقاه شربة من الماء، فهو بذلك يكون قد وصل إلى مقام قد أزاح كل الموانع والحجب ليصل إلى رسول الله (ص)، إلى مقام انكشاف حقيقة رسول الله (ص) انكشافًا كاملًا  لعلي الأكبر (ع)، وهنا تظهر لنا حقيقة علي الأكبر (عفلم يكن الأكبر من حيث سني عمره الشريف، بل كان الأكبر في جهاده الأكبر، وفي شجاعته الكبرى، والأكبر في إزاحة كل الموانع عن وجه رسول الله (ص). وأما عندما يقول علي الأكبر (علأبيه الحسين (عمفتخرًا بفروسيته وقوته على قتل الشجعان وتجديل الأبطال واقتحام الصفوف وتخطي العقبات فهذه شجاعته الصغرى، فكما يوجد جهاد أكبر وجهاد أصغر، يوجد كذلك شجاعة كبرى وشجاعة صغرى، وليست الشجاعة الصغرى ما تحكي كبر مقام علي الأكبر، وحجم الأكبر. بل عندما يقتحم الصفوف ليصل إلى رؤية وجه رسول الله (ص) فيسقيه شربة من الماء لا يظمأ بعدها أبدًا، نعرف أن هذا نوع من الشجاعة خاصة تسمى بشجاعة رؤية وجه رسول الله (ص) وهي الشجاعة الكبرى.

واختصارًا للمقام وتوضيحًا للمطلب، نقول: لقد ورد في زيارة الأربعين أن الإمام الحسين (ع) خليل الله السَّلامُ على خَلِيلِ اللهِ وَنَجِيبِهِ، وخليل الله يقوم بوظيفتين، الوظيفة الأولى: كشف عالم الملكوت ورؤيته، والقدرة على إرائته ومعونة الأخرين على رؤيته(١).

والأمر الآخر كونه (ع) كسر الأصنام ويفلق الهام، وهذا ما قام به نبي الله إبراهيم (ع) والقضاء على الشياطين، ويشترط لكل من أراد أن يصل إلى هاتين الخصوصيتين -إزالة الحجب واكتشاف عالم الملكوت- التبعية لخليل الله إبراهيم (ع)، لإن الله سبحانه وتعالى عندما تحدث عن إبراهيم (ع) قال﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ الأنعام: ٧٥ وكلمة نُري: فعل مضارع تفيد الدوام والاستمرار، بمعنى دائمًا وليس لمرة وحدة. فيكون بذلك عالم الغيب والملكوت منكشفا وبشكل دائم ومستمر لنبي الله إبراهيم (ع) وكان هذا بعد أن أحرق (ع) كل الحجب والظلمات والموانع التي تحجب النور.

وكما أن القرآن الكريم يؤكد على موقعية التبعية، تتأكد هذه المسألة في زيارة المعصومين (ع) من موقعية وأهمية التبعية والاتباع لأهل البيت (عوَأمري لأمرِكُم مُتَّبَع.

وفي كربلاء هناك على الأقل ثلاثة ممن بلغوا أعلى المقام في تبعية الإمام الحسين (ع) وهم؛ علي الأكبر، والسيدة زينب، وأبو الفضل العباس (ع).

ولو عدنا للنظرية القرآنية للتبعية نراها تضع لنا الثمرة الناضجة والواقعية، فعندما أراد خليل الله إبراهيم (ع) أن يهدي أبيه قال﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا۞ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عنكَ شَيْئًا۞ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا۞ يَا أَبَتِ لَا تَعبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عصِيًّا﴾ مريم :٤١-٤٤  

هذا التأكيد القرآني في ذكر نبي الله إبراهيم (ع) لأنها قاعدة، قال جلّ  وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾

وأول ما خاطب به نبي الله إبراهيم (ع) أبيه ناصحًا بقوله: ﴿لِمَ تَعبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عنكَ  شَيْئًا﴾ فإبراهيم (ع) لم يخاطب ذاك المعبود، هو يخاطب هذا العابد المستضعف فكريًا وذهنيًا، هو من يجب مخاطبته. ﴿لِمَ تَعبُدُ﴾؟ فهذه لا تستحق أدنى العبادة، أنت من اتخذت منه إلها، وجعلت منه معبودًا، وككل الطغاة والظالمين، الناس هي التي تعبدهم وتجعل منهم آلهة مطاعة وتنقاد إليهم.

﴿مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عنكَ  شَيْئًا﴾ فأنت تعبد يا أبتاه ما لا يسمع لا يبصر، وليس المراد هنا من لا يسمع ولا يبصر من خلال آلة السمع والبصر، بل من فقد البصيرة والفهم ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ  وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ الأعراف: ١٩٨، ﴿وَلَا يُغْنِي عنكَ شَيْئًا﴾ أي لا ينفع ولا يأتي لك منه بالخير، لا يستطيع أن يدفع عنك الضرر أو المرض، بل يعود عليك بالسوء في الواقع.

ثم قال إبراهيم (ع): ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ  فَاتَّبِعنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾

ثم وفي خطوة لاحقة يقول إبراهيم (ع) لأبيه واعدًا له بنقله إلى مقام الكشف: ﴿فَاتَّبِعنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ أي إن اتبعتني وتركت عبادة من لا يسمع ولا يبصر، وتركت عبادة الشيطان بمقدوري أن أريك ملكوت السموات والأرض وأن ﴿أَهْدِكَ  صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.

من المتبع وما أثر هذا الإتباع؟

الاتباع دائمًا أثره الكشف. تحدث الله عن إبراهيم (ع) أنه يرى ملكوت السموات ويرى ملكوت الأرضين فإذا اتبعتني سوف ترى ملكوت السماوات والأرضين سوف تحرق كل الحجب التي تمنعك عن رؤية عالم الغيب.

أولياء الله معارفهم وعلومهم جمة ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، أي لدي من العلوم والمعارف والكشوفات والإدراكات ما لم يأتك منه شيء، وكما نرى أنه (ع) لم يشر لأباه بالقول بأنك جاهل، أو يتحدث عن نفسه كونه عالم، فيدعوه تعال كي أزيل هذا الجهل بعلمي، بل قال له بلطافة وظرافة عندي خزائن العلم وهذا الاتباع بذاته سيكون سبيلا لهدايتك ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾، ويقال هنا معنى الصراط السوي الذي لا انقطاع فيه، فهو مستقيم ويمكن أن ترى آخره ومنتهاه وهذه حالة من حالات الانكشاف وإدراك وعرفان الحقيقة، وكان شرطها الاتباع ﴿فَاتَّبِعنِي أَهْدِكَ  صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.

ولذلك نرى في القرآن الكريم تفريقًا بين الدعوة إلى رؤية ملكوت السماوات والأرض والنظر في ملكوت السموات والأرض يقول تعالى﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الأعراف: ١٨٥ فالنظر في الشيء غير الرؤية له، كثير ما نذهب للبحث وتحري الهلال، ونقول بحثنا ولم نجد الهلال؟؟ لكن من يراه يقول أنا رأيت الهلال، وهو يعني أنه نظر فرأى الهلال وتجلت صورته له، وفرق كبير بين من ينظر ولا يجد الهلال، ومن ينظر ويجد الهلال.

والقرآن الكريم أحيانا يدعونا ويحفزنا باتجاه إزالة الحجب ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نستطيع أن ننتهي إلى هذه النظرية وبهذا القدر فندرك أن لهذا الكون خالقا وموجدا، ولهذا النظام مدير ومدبر له.

ولكن الأنبياء والأولياء (ع) هؤلاء ما جاءوا لشرح نظريات أو لإثبات دليل فحسب، بل حقيقة دعواهم ومن خلال اتباعهم -وليس صرف سماعهم- هداية البشرية إلى ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ وجعل الأمور منكشفة والحقائق بينة وجليّة، وبالتأكيد هذه مرتبة ومقام لا يصل إليها إلا الأوحدي من الناس أمثال علي الأكبر (ع) والذي رباه الإمام الحسين (ع).

فمسألة علي الأكبر (ع) إذا أردنا أن ندرسها يجب أن نضعها في هذا الإطار وهذه الحيثية التي اتبع فيها الإمام الحسين (ع) والإمام الذي يقول(ماذا فقد من وجدك) والمتبِع يستفيد من اتباعه بأن يرى ما يراه المتَبع، وهذا في واقعه هو جهاد علي الأكبر (ع)، وبطيّه (ع) لهذه المرحلة صح له أن يقول: “هذا جدّي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدًا”، وإلا كما أشرنا في بداية البحث لقال وكأني بجدي، أو سوف يسقيني جدي (ص).

والاتباع من المسائل العقلائية التي يدركها كل صاحب عقل، فوجب على الجاهل اتباع العالم.

نعم على الجاهل أن يتعلم، وهذه المشكلة الأكبر التي تجعل الناس لا يرون الحقيقة ولا يدركونها حتى.

ولا نتصور أن الاتباع أمر سهل يسير، ولا إن عادت كربلاء وجاء الإمام الحسين (ع) سنسير معه ونتبعه وننصره … القضية ليست بهذه البساطة والسهولة، بل من الصعوبة البالغة، فالغيب بالنسبة لنا ليس مرئيّا أو جليّا هو بيّن  للإمام (ع)، وسيكون أثر اتباعنا ونتيجته علينا: الانكشاف. وهذا ما تجلى لعلي الأكبر (ع).

المسألة الثانية والضرورية لخليل الرحمن أن ﴿لَا تَعبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ فالإنسان عندما يصل إلى مرحلة الخلّة ومحبة الله سبحانه ويكون خليلًا  للرحمن، فهذا السالك الواصل والذي هو عين الحقيقة وهو الحقيقة يجب -أولا- أن ينفي ويزيل أمورا ويدفع أخرى تواجهه، ولا يسعه أن يصل إلى مراحل عالية وهو يواجه في سيره هذا الشيطان الذي يتربص به ويوسوس وينفث في داخله.

لذا قال (ع) لأبيه: ﴿لَا تَعبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، فأنت ومن دون الرحمن تعبد هذا الشيطان الذي اتخذت منه إلهًا، عليك أن تترك تصورك الخاطئ وفهمك الغير الواقعي بتركك عبادة الشيطان.

كثيرا ما نتصور وجود الشيطان من حولنا، ونقول ونكرر: لعنة الله على الشيطان، وندرك إغراءه وغوايته لنا في كل حين، لكن تبقى لدينا حقيقة الشيطان التي لا نستطيع إدراكها.

ولنضرب مثالًا

تأتي كل منا بعض الخواطر والأفكار السيئة، يحدث بها نفسه، يغضب يحقد على فلان من الناس يكره آخر، قد نتوجه نحو الصلاة تملتئ أنفسنا بالتشويشات، نجاهد في إبعادها، قد لا نفلح، ونحن لا نريدها بصدق، فهل يكون مصدرها ذواتنا حقًا؟ مرات ندرك أن واقع ذاتنا أفضل من هذا بكثير إلا من أصبحت ذاته عدوانية وشيطانية وكان من أعداء الله سبحانه.

إذن من أين تجتاحنا وتسيطر علينا هذه الأفكار والتشويشات؟! أيمكن أن لا يكون لها علة أو سبب ما؟

يقول سبحانه وتعالى ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ  فِي صُدُورِ النَّاسِ ۞ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ الناس: ٥-٦ هناك شياطين من الأنس توسوس لنا، كما توسوس الشياطين وتنفث في صدر الإنسان.

فالحديث عن الشيطان ليس بالخيال، ولا هو كلام وهمي أو خرافة  -أستغفر الله-، هو واقع وحقيقة، فالشيطان موجود ودأبه الوسوسة لبني الإنسان كما توعد.

ألا ترون من الناس إذا سأله أحدهم أن يتبرع بشيء من ماله، أو ينفق في سبيل الله خاف مغبة الفقر ونقص المال، أو من ابتلي بالبخل، فمن أين جاء هذا الحرص الشديد على بذل المال مغبة الفناء، من أين جاء لهذا الإنسان أن يرضى لنفسه دون السخاء فيتصف بالبخل، من يرضى لنفسه هذا، وخاصة لو كان الإنفاق في سبيل الله.

من أين جاءه هذا الخوف والحرص؟ وما الباعث عليه؟ ولماذا يخشى الفقر ومن وعده به؟ أهي من نفسه..؟ أم هو الشيطان كما قال جلّ وعلا﴿الشَّيْطَانُ يَعدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ البقرة: ٢٦٨ فيأتي للإنسان من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله ويرى الإنسان من حيث لا يراه، ويوسوس له ويعده الفقر والضعف والخذلان.

الشيطان ينفث في صدر الإنسان ويزين له السيء من العمل، ويعده سوء العاقبة إذا لم يمتثل لأوامره، ولكنه يعد ويخلف، وهو كما يقول عن نفسه﴿وَوَعدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إبراهيم: ٢٢ أي غررت بكم وأعطيتكم الوعود الكاذبة؛ الفقر، الخوف، الهزيمة .. إلخ وزينتها في نفوسكم. لكنه دأب الشيطان يعد ويخلف وعده دائمًا وأبدًا

وأما إنكار عمل الشيطان هذا، والقول بأن مجيء وسيطرة هذه الأفكار بدون سبب وأن هذه الأوهام والشكوك وغيرها من الظنون والخواطر والأفكار ليس لها مؤسس أو باعث، ما هو إلا إنكار ونفي لنظام العلية التي يسير عليها هذا الكون، وهذا معناه هدم لكل المنظومة العلمية.

والآن، فكيف نتجنب غوايته، ونحصن أنفسنا من وسوسته فنصل إلى مرتبة الإنسان المُتبِع لأولياء الله سبحانه وتعالى، فينكشف لنا عالم الغيب ونراه أو نكاد أن نراه فنكون من المتقين كما عبر عنهم أمير المؤمنين (ع) في خطبتهفَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعذَّبُونَ

فهو يصفهم “فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا”، هم لم يروا الجنة ولكن انصرافهم نحو العبادة وطاعة ومحبة الله عز وجل، ونبذهم للخلاف وترك الدنيا كمن رأى الجنة وإن لم يكن رآها حقًا.

لذا يلزم علينا أن نتفكر آنا آنا -كما نتفكر في الله تعالى والتوحيد والعقيدة- حتمًا يجب أن نفكر في هذه المنفيات والسلبيات وهذه الموانع التي تحيل دوننا ودون السير نحو توحيد الله سبحانه وتعالى.

يجب أن نفكر في معالجة هذه النفس وإصلاحها من خلال القضاء على هؤلاء الشياطين، من كانت ساحتهم داخل النفس أو خارجها.

وكان فعل نبي الله إبراهيم (ع) وما قام به علي الأكبر (ع) في المقام الأول هو القضاء على هؤلاء الشياطين

صدر المتألهين يقسم الناس إلى أربعة: يردون على الصراط، ثم يسلكون اتجاهات أربع:

١هناك من هو إنسان بهيمي أي إرادته بهيمية إن صح التعبير، لا يهمه غير المأكل والمشرب .. حاله حال البهيمة، قد تسمن وقد تصاب بالضعف وفق ما يتأتى لها من الزاد.

٢وآخر إرادته سبعية ومعنى ذلك مثله كمثل الأسد والسباع، همّه الدائم كيفية الغلبة والنصر-ولو بدون وجه حق- وهذه في واقعها رغبات شيطانية، ومثل هذا الإنسان يحشر على صورة السباع لأن هذه هي صورته الحقيقية

٣صنف ثالث من الناس شيطاني تمام الشيطنة، منسلخ عن كل خير فلا يخطر له فعل الخيرات بتاتًا، وقد سبق وأن تحدثنا كيف يسيطر الشيطان على نفس الإنسان وينفث في صدره ويسول له فعل الشر.

٤النوع الرابع من الناس كما يصنفهم صدر المتألهين هم الذين يمتلكون ذواتا ملائكية، أي منقادون من ذواتهم، وتراهم يسجدون لولي الله ويتبعونه، أرواحهم رقيقة وشفافة كما الملائكة، يسلكون دائمًا الطريق المستقيم، لذا يقول نبي الله إبراهيم (ع): ﴿فَاتَّبِعنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ مثلهم كمن تتنزل عليه الملائكة﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ علَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعدُونَ﴾ فصلت: ٣٠

وهذا أمر طبيعي، فبدل أن تستوطن الشياطين على نفوسهم، استوطنها حب الله تعالى فأصبحت قلوبهم كالملائكة، وتصير في أنفسهم وقلوبهم طيبا، وهؤلاء عندما يدركون موارد وساوس الشيطان يقطعون بها، وهم في الواقع كما يقطعون الشيطان الخارجي في جهادهم الأكبر، هم في جهادهم الأصغر يقطعون كذلك بهذا الشيطان، ليروا الآخرين وجه الله سبحانه وتعالى، ووجه أولياء الله (ع)، وهذه في الواقع هي مواعيد الإمام الحسين (ع)، فلم يعد أحدا بالنصر بتاتًا، ولكنه وعد بكشف الحقيقة ورؤيتها وتجليها، وأول المتبعين هؤلاء هو علي الأكبر (ع).

ولكي ندرك المعنى نطالع ما رجزه (ع):

أنَا علِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ علِي           نَحْنُ وَبَيْتِ اللهِ أَوْلَى بِالنَّبِي

تَاللهِ لَا يَحْكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعي            أَطْعنُكُمْ بِالرُّمْحِ حَتَّى يَنْثَنِي

أَضْرِبُكُمْ بِالسَّيْفِ أَحْمِي عنْ أَبِي       ضَرْبَ غُلَامٍ هَاشِمِيٍّ علَوِي

فليس لكل من أتى الحرب كان بوسعه أن يجاهد جهاد هاشمي علوي!

ألا لعنة الله على القوم الظالمين.



١الفرق بين عالم الملك والملكوت: عالم الملك هو عالمنا الظاهر هذا الذي نشهده بما فيه من أفلاك وأملاك وكواكب وأرض وسماء وبر وبحر، أما عالم الملكوت فهو عالم الغيب الحاكم الذي يدير عالمنا الظاهري هذا، أي عالم الباطن إن صح التعبير.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬749 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.