ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الإمام الحسين ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ٦

تقدم القراءة:

أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ٦

الأحد 16 محرم 1441مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

ورد في الزيارة الرجبية(١(اَشْهَدُ اَنَّكَ طُهْرٌ طاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْر طاهِر مُطَهَّر، طَهُرْتَ وَطَهُرَتْ بِكَ الْبِلادُ وَطَهُرَتْ اَرْضٌ اَنْتَ فيها وَطَهُرَ حَرَمُكَ).

وقد تحدثنا فيما سبق عن عبارة (أشهد) وهذه الشهادة -أنك طهر- نقولها ونرددها بصدق في حرم الإمام (ع)، والمعنى المستخلص أن الطهر حقيقة ثابتة للإمام الحسين (ع).

وكما اعتدنا أن نقف عند دورنا وكليفنا تجاه كلّ أمر عقدي والموقف اللازم نحوه نقف هنا عند هذه العبارة أو الشهادة، ففي واقع الحال هي تحدد دورنا وتكليفنا تجاه الحسين (ع). وهي إقرار بالطهارة والصفاء وعدم النقص والكمال أو لنقل الخلافة لسبوحية الله تعالى في حقيقة الإمام الحسين (ع) بمعنى أن لا نقص فيه ولا تناقض في حقيقته، وهذا بالضبط ما امتاز به أصحاب الإمام الحسين (ع)، فهم شهدوا بأنه طهر طاهر مطهر من أبٍ طاهر، ومن جدّ طاهر، وأم طاهرة، وقد شهدوا ذلك بعين اليقين والبصيرة والمعرفة بأن ذاته (ع) مستقرة في الطهر وتمثل حضور الله ووجه الله تعالى، ولا نقص ولا عيب ولا مثلبة في ذاته (ع).

الامتيازات هي التي تحدد التكاليف، فامتيازات الإنسان الواقعية هي التي تحدد لنا بشكل وجداني كيف يلزم التعامل معه، فمثلًا  عندما نتعامل مع طبيب مؤثِرٍ ومعطاء ويتسم بالتواضع، فسنجد أنفسنا مجبورين على تقديم احترامنا إليه، وسنرى أن علينا حقوقًا أخلاقية وإنسانية تجاهه. وكلما ازدادت هذه الامتيازات لديه اتسعت دائرة التكليف تجاهه، كذلك الحال مع المدرس وحتى الخادم. 

كما أن الامتيازات توسع من دائرة ونطاق التكليف، في المقابل ضيق الامتيازات يضيق من دائرة التكاليف ويحسر كل ما وجب أن يضحى به ومن أجله. فإذا ما أقررنا أن الإمام الحسين (ع) ليس طاهرًا فحسب بل هو طهرٌ سنعرف أن ما وصل إليه أصحاب الإمام (ع) من العشق والاندهاش والمحبة والذوبان في الإمام (ع) كانت في قبالة هذه الامتيازات، وهذه مسألة وجدانية لا يختلف عليها أحد.

 وكما أننا نؤمن ونعتقد أن القرآن الكريم ليس فيه تناقض فكذلك الإمام الحسين (ع) وهو الكتاب الناطق لا تناقض فيه، وكما أن آيات القرآن الكريم تورث اليقين والثبات والإيمان ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ الفتح: 4، وقال تعالى: ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا الأنفال: 2.فالإمام الحسين (ع) كذلك أيضًا، فكلما نظرت إليه الثلة من أصحابه ازدادوا عشقًا وولاءً وذوبانًا في ذاته (ع).

وقد يستشكل البعض أو يثير سؤالًا : إذ لماذا لا نجد كلمة العشق -وقد يجدها كلمة جديدة وواردة علينا من الخارج- جاءت في ثلاث روايات لا أكثر؟ وهي كالتالي..

عن أبي عبد الله (ع) قال: “خرج أمير المؤمنين (ع) يسير بالناس حتى إذا كان من كربلاء على مسيرة ميل أو ميلين، فتقدم بين أيديهم حتى إذا صار بمصارع الشهداء قال: …مناخ ركاب ومصارع شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم، ولا يلحقهم من كان بعدهم..”(٢).أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يمر على كربلاء فيقول: “هنا مصارع عشاقك”.  

والرواية الثانية للرسول الله صلى الله عليه وآله: “أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر”(٣)

وفي عشق الله –وهي الرواية الثالثة- قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “يقول الله عز وجل: إذا كان الغالب على العبد الاشتغال بي جعلت بُغيته ولذَّته في ذكري، فإذا جُعلت بغيته ولذّته في ذكري عشقني وعشقته، فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، وصيرت ذلك تغالبا عليه، لا يسهو إذا سها الناس”(٣)

ويجيب استاذنا الشيخ جوادي على هذا السؤال فيقول: 

لأنه في الحقيقة لم يكن هناك معشوقين كُثر، ولم يكن هناك عاشقين في الواقع الخارجي كثيرين، فمن بلغ هذه المرتبة كانوا قِلّة، والكلمات تستخدم في العادة عندما يكون هناك وفرة في المصاديق التي تحكي المعنى في الخارج، أما إذا كانت هذه المعاني لا وجود لها في الخارج، أو إذا كانت محدودة لقلة المصاديق فمن الطبيعي يكون استخدامها بالتالي محدودًا.

الخلاصة التي توصلنا إليها أنه بقدر الامتيازات تتحدد التكاليف، وبقدر ضيق الامتيازات تضيق التكاليف.

والإمام الحسين (ع) ووفقًا لذلك وقبالة تلك المزايا التي ذكرناها أستحق العشق التام والكامل الذي لا يشوبه نقص ولا ضرر ولا عيب ولا تواني فيه أيضًا.

أصبح البعض يستسهل بكلمة الولاء وقد تستخدم بشكل خاطئ وربما البعض يستهين بالكلمة ومؤداها ومعناها، وهذا فيه مشوبة توحيدية قال تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ علَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) الشورى: 23، وعليه فإذا كانت المودة مستقرة في ذي القربى، فهل يجوز الجمع فيكون ولاؤنا لأهل البيت (ع) وولاؤنا لغيرهم؟! 

من أراد أن يوالي الحسين (ع) وأهل بيت العصمة والطهارة (ع) ويقسم الولاء مع غيرهم فإنه سوف يقع في مشكلة كبيرة -كما أسلفنا ذكره في قصة الممتحنة- وهذا أكبر امتحان يمكن أن يقع فيه الإنسان، ويمزق قلبه ووجدانه، لأن مقابل رسالة رسول الله (ص) وفيض رسول الله (ص) وعطايا الله تعالى من قبل معابر محمد وآل محمد (ع)، فهذا الولاء غير قابل للتقسيم بأي نحو كان.

والقرآن الكريم يقرر أن هذا الأمر وهذا الجمع لا يمكن أن يحدث لا من جهة عقلية، ولا من جهة نقلية، فمن جهة نقلية: (وَمَوَدَّتي خالِصَةٌ لَكُمْ)(٤)، وقد وردت بكثرة في زيارات أهل البيت (ع) فماذا تعني المودة الخالصة؟ تعني أن خروج أي جزء من هذه المودّة وتوجيهها لغير أهل البيت (ع) ولو بمقدار سيكون هذا المقدار الذي اقتططعناه من حق الولاء لهم (ع) سببًا في سقوطنا، ولو رجعنا للآيات الكريمة من سورة الممتحنة سنلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قد تكلم عن هذا الامتحان الذي نمر فيه جميعًا، آنًا آنًا وفي كل لحظة، فعندما نحب أحدًا ما ونواليه.. فإننا في واقع الحال نعطيه نصيبًا من حق محمد وآل محمد (ع). 

ويشير القرآن الكريم إلى قاعدة قطعية فيقول تعالى: ﴿لَن تَنفَعكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا  أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ الممتحنة: 3، أي لن تنفعكم أموالكم ولا أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة، يوم الحقيقة ويوم الفصل، ويوم يركم الله سبحانه وتعالى الخبيث بعضه فوق بعض والطيب بعضه فوق بعض. وعندما يحصل ذلك الفصل الواقعي فأين سيجعل الإنسان الذي فرط بمقدار من الولاء الذي كان حقّا لمحمد وآل محمد (ع)؟ وهل سيكون ولاؤه خالصًا لله تعالى؟

هل نستطيع أن نجعل ولاءنا ومحبتنا وانتماءنا للأسرة والعشيرة خالصًا لله سبحانه وتعالى؟ وأن لا يكون مشوبًا بحميّة أو عصبيّة؟! -نعم لو كان لهم ميزات تربطهم بالله سبحانه فهذا أمر آخر- ولكن لو نظرنا إلى حال المتوسط من الناس فمن يستطع منهم أن يجمع بين ولائه لله سبحانه وبين ولاء غيره على نحو الإخلاص؟! فضلًا  على أن يكون ولاء البعض -معاذ الله- لأعداء الله سبحانه، هذا عين التناقض!

وهنا قد يأتينا سؤال ما الذي يضر أن نوالي الله سبحانه وتعالى وأولياءه (ع) وأن نوالي أيضًا غير أولياء الله؟ 

الجواب: إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل للإنسان قلبين، فالضدان محال أن يجتمعا، وهذه مسألة بديهة عقلية، وهو معنى قول الحسين (ع): “مثلي لا يبايع مثله”، لأنهما في واقعهما متضادين: (أشهد أنك طهر) ذاتك طهر، كيف يجتمع مع من حقيقته فسق وفجور وذاته نجاسة وانحراف، فالله سبحانه وتعالى يصف الكافرين بأنهم نجس ورجس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ  فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعدَ عامِهِمْ هَٰذَا التوبة: 28، فكيف يمكن الجمع بينهما؟ فهذا لا يمكن بحال لا من جهة عقائدية ولا من جهة عقلية، بل هناك مخاطر ملموسة وجلية جدًا على كل من يحاول الجمع -وبأي مقدار كان- بين ولائه الواقعي والحقيقي لله وولائه لغير الله، وأكد الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه على أن كل من أراد أن يجمع كل الآفاق والأبعاد في وقتٍ واحد يكون منافقًا.

وهنا يشير القرآن الكريم إلى الضرر البالغ والشديد والدقيق على الإنسان عندما يكون له ولاء آخر مع ولائه لله تعالى، فيقول في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدُوِّي وَعدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ الممتحنة: 1، فاذا كنتم قد آمنتم بالله صدقًا وخرجتم في سبيله، فلا يمكن الجمع بين الولاء (فِي سَبِيلِي)، والولاء في سبيل غيري، فهذا أكبر خطر وتناقض يمكن أن يقع فيه الإنسان. ولذا قد يُستغرب اليوم من مظاهر هي في الحقيقة عين التناقض.

والقرآن الكريم يشير لحقيقة يقول تعالى: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ الممتحنة: 2، ثَقِفَ الإنسان بشيء يعني: قَدَرَ عليه بمهارة وفطنة، وفلان ثقف الشيء، أي أنه قدر عليه بمهارة وخديعة، فالخديعة مأخوذة في الأمر، فقوله تعالى: (إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعدَاءً)، أي رغم اظهاركم لهم المحبة والولاء إلا أنهم سيكونون لكم أعداء، أي ذاتهم عدوة لكم، وماذا يمكن أن يُتوقع من العدو؟! 

القرآن الكريم يتحدث قبل هذه الآية عن نحوين وأداتين يستخدمها هؤلاء تجاه مَنْ يُخرِج جزء من ذاته خارجًا عن التعلق بهذا الطهر الطاهر: (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ)، أي: إن كنتم تحبونهم وتريدون أن تتقربوا منهم وتريدون أن تعطونهم شيئًا من المحبة والقرب والتسامح والتساهل والمرونة .. (وإن كانت هذه العبارات تُستخدم في غير مواردها، وقد تُستخدم خطأ…). فإذا ثقفوكم أصبحتم تحت أيديهم، وسيبسطون إليكم أيديهم، و(إِلَيْكُمْ) هذه ليست في مصلحتكم بل ما فيه ضرركم. فأن يبسط أحد يده على أحد يعني: أن يحركه ويحوّله إلى دمية يتحكم بها.

ومثال على ذلك: 

في السابق كان لدى الناس الدافع الغريزي للزواج وتكوين الأسرة، أما الآن فقد تغير الحال، وأصبح الشباب مبرمجون على أمور ليست في الدين أو الشرع، بل من الملفت كثرة المشاكل وقضايا الطلاق وعدم الاستقرار الأسري، ومن الغريب بحال أن الفتاة وهي ذات الخمسة أعوام كانت تتحرك –وبطبعها الأولي- في دائرة كونها أمًا! أما اليوم فقد تبلغ الثلاثين من العمر وهي لا تفكر أن تتأهل من الأساس! وكذلك الحال مع الشاب الذي يحتاج أن يقتنع بأن عليه أن يتأهل، وقد لا يقتنع إلا بشروط، فلماذا يا ترى؟ واقع غريب وخلاف للفطرة!! لقد تم إعادة برمجة المجتمعات بكل أفراده ومكوناته، وانبسطت عليهم يد خارجية، وهذا ما هو إلا إنموذج وغيره الكثير.

فإذا ما سيطر العدو بسط استراتيجيته وتفكيره وفرض منهجه وعقيدته وإيمانه بأن الله ليس هو الرازق المعطي الواهب والموسّع، فتصبح الآيات القرآنية خارج منطقة التأثير!

هم العدو الحقيقي فاحذرهم، وهذا نحو من العداء، إذ ليس شرطًا بأن يسل سيفه نحوك للقتال ليكون عدوًّا!! فإمكانية السيطرة بذاتها علينا من جانب، وتشويه الغرائز الطبيعية لدى النفس الإنسانية السليمة، وسلبها طبيعتها من جانب آخر، هو نحو من العداء. ثم تكمل الآية الكريمة بما هو أدق من كل ذلك فتقول: (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم) فمعنى أن يبسطوا ألسنتهم، قد يكون: بالسباب والشتائم، فتصبح ضمن المنظومة الثقافية لديكم، فيكونوا قد تمكنوا منكم -وهذه أحد مظاهرها فيما مضى ربما- أما اليوم فبسط اليد بأن يكون لديهم حذاقة وفطنة وثقافة في كيفية إدارتكم وإنشاء المراكز للدراسات الاستراتيجية المتخصصة في هذا الشأن، والأداة الثانية اللسان: (وَأَلْسِنَتَهُم)، وهي ما يطلق عليها في مصطلح اليوم بغسيل الأدمغة، وهذا ما جرى في كربلاء تمامًا، إذ كيف تأتّى لبني أمية أن يجمعوا هذا العدد من الجيش والذي يربوا على الثلاث مائة ألف!! اجتمعوا لمحاربة من؟! الإمام الحسين (ع) من هو في ذاته طهر طاهر مطهر، سبط رسول الله (ص) وريحانته. وقد احتج عليهم الإمام (ع) وذكرهم بأمر يعد من البديهيات: (أيها الناس انسبوني، من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمه؟ وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه، أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليس جعفر الطيار عمي؟ أولم يبلغكم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي: (هذان سيدا شباب أهل الجنة) فإن صدقتموني بما أقول: وهو الحق، والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟)، فهذه أمور واضحة وجلية، لكن الأدمغة باتت مغسولة من جراء وآثار أكل المال الحرام، فإن بسط غير المؤمن-العدو- يده على المؤمنين، فقد بسط ألسنته وإعلامه وكل إمكانياته، فالنتيجة أن يقوموا بما لا يخطر على بال أحد!

في مقابل هذا تمامًا، نرى سعة اليقين عند أصحاب الإمام الحسين (ع) وأهل بيته والتي تتطابق مع صفة الإمام الحسين (ع) بأنه طهر مطهر وأن ذاته طاهرة.

البعض يعرف أن الإمام الحسين (ع) كان صادقًا في دعواه، وأنه صاحب حق ومظلوم، لكنه لم يعي كون الإمام الحسين (ع) طُهر. ولذا نشاهد أحدهم وقد سأل الإمام (ع) فقال له: أنتم اثنان وسبعون، وأنا الثالث والسبعون، إذا أُضفتُ عليهم هل ستنتصر؟ بمعنى هل سيكون لوجودي من تأثير يذكر؟ وقد أجابه الإمام الحسين (ع): أن لا أثر. فاستأذن الإمام الحسين (ع) بالخروج وانصرف. وأي خسارة كان قد خسر!! وكأن المسألة عملية حسابية أو معادلة رياضية. إن مَن لم يعرف ويتيقن أن الإمام الحسين (ع) ذاته طاهرة، لن يتسع أُفقه وفكره ومعتقده، وسيكون توحيده ناقصًا وضعيفًا، وسيبقى واهنًا ومشتتًا ومبعثرًا، وسيتأثر بمن حوله ويفرُّ من المواجهة بنحو سريع.

فالإمام الحسين (ع) لم يكن ليضره العدد، كان يحسب القضية بما هي قضية حقة وعادلة، وإثبات لطهارته صلوات الله وسلامه عليه، لذلك قال واصفًا أصحابه: (امتحنتهم ولم أجد فيهم إلا الأشوس، ما وجدت إلا صاحب اليقين وصاحب البصيرة..) بل غيره شهد بذلك أيضًا، وهو عمرو بن الحجاج وكان من أعداء الإمام الحسين (ع) وفي جيش بني أمية، فقد صرّح لجماعته وقال صارخًا في جيش بني أمية: (أتدرون من تقاتلون؟! تقاتلون فرسان مصر وأهل البصائر، وقد انكشف عن بصائرهم كل أغشية الظلمة..)، قوم مستميتون ذائبون عشقًا في مولاهم. ولتلك المحبة كانت شجاعتهم، شجاعة الوعي والبصيرة والاستماتة والتضحية، فلم يكونوا مجرد أصحاب وجيش حرب!

كثير ما يلفت إلى شجاعتهم، كونهم أبطال جدلوا الشجعان وأبادوا الأقران…هذا كله وارد، ولكن هذا يتأتى عندما يجتمع القلب واليقين مع المعرفة، عندما يُدرَك أن من يُقاتَل لأجله ليس فقط طاهر، إنما هو طهر طاهر، فيصبح وجوده ذائبًا في هذا الطهر، ولذلك عندما خطب الإمام (ع) فيهم قائلا: (اللهمّ إنّا عترة نبيّك محمّد صلى الله عليه واله وسلم وقد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدّنا وتعدّت بنو أميّة علينا، اللهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين)، فكل كلمات وألفاظ الإمام (ع) ليست كاشفة عن مظلوميته فحسب، فالمظلومين في هذا العالم والمقتولين ظلمًا كُثر، فهل سنظل نبكي كل مقتول ومظلوم؟ أم هو كأي منهم؟! ليس كذلك نحن نبكي المظلوم المقتول والذي هو محض الحق ومحض الطهارة، الذي طُرد وأُزعج من حرم جده المصطفى (ص) واعتدي عليه وعلى عياله ونسائه وأطفاله.. (اللهم فخذ لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين)، فبادله زهير بن القين قائلًا: “سمعنا يا ابن رسول الله مقالتك ولو كانت لنا الدنيا باقية وكنا فيها مخلدين آثرنا الموت بعدك على الإقامة فيها.. “ وهذا هو عين كلام الصادق المستيقظ المستميت في محبة الطهر الطاهر المطهر.

ألا لعنة الله على الظالمين والحمد لله رب العالمين.



١. رأي الشّيخ المفيد والسّيد ابن طاوُوس، أن هذه الزّيارة تخصّ  اليوم الاوّل من رجب وليلة النّصف من شعبان والشّهيد اضاف اليها اوّل ليلة من رجب وليلة النّصف منه ونهاره، ويوم النّصف من شعبان فعلى رأيه الشّريف يُزار (عليه السلام) بهذه الزّيارة في ستّة أوقات.

٢. تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج ٦، ص: ٧٢.

٣. كنز العمال: 1872.

٤. زيارة آل يس.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬752 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.