ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الإمام الحسين ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ٤

تقدم القراءة:

أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ٤

الأحد 16 محرم 1441مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

عظم الله أجورنا وأجوركم بشهادة سيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين (ع) وجعلنا الله وأياكم من الطالبين بثأره، ولا حرمنا في هذه الدنيا خدمته وفي الآخرة شفاعته، ورزقنا الله الشهادة تحت سيفه وفي الصف الأول المدافع عنه

ورد في الزيارة الرجبية “اَشْهَدُ اَنَّكَ طُهْرٌ طاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْر طاهِر مُطَهَّر، طَهُرْتَ وَطَهُرَتْ بِكَ الْبِلادُ وَطَهُرَتْ اَرْضٌ اَنْتَ بِها وَطَهُرَ حَرَمُكَ” والتي تستبطن معان عميقة مرتبطة بطهر الإمام الحسين (ع) وقدسيته، وهذه المعاني تؤيدها كثير من الروايات وآيات التطهير وآيات أخرى، ومما لا شك فيه، أن طهر الإمام الحسين (ع) أمر محسوس؛ لأنه وكما قلنا صفة ثابتة وذاتية للإمام الحسين (ع)، وهذه الصفة تختلف عن قولنا مطهر، فمن عاش وعاشر وجرب وارتبط واتصل بالإمام الحسين (ع)، فإنه يطهر ويرى نفسه أمام طاهر طهر. كما يرى الإنسان وجوده أمام قدسية الله -وكما سنبين ذلك- فعندما يرى سبحانية الله وقدوسيته ويسبح لله هو بذلك يرفع نقصه وعيبه وعجزه ويأسه، وهذا مطابق تمامًا لما ورد في زيارة الإمام الحسين (ع) رزقنا الله وإياكم زيارته في الدنيا وشفاعته في الآخرة، ويكفي الإنسان أن يلتفت يمينًا وشمالًا ويزور الحسين (ع) بهذه الكلمات، وسيعتبر زائرًا، فيطهر، ويغفر الله سبحانه من ذنوبه ما لا يغفر بالمجاهدات والعبادات وهذا فيه سر، أما ما يقابل هذه المعاني من السقوط والانحراف وقتل الحسين (ع) وحرق خيامه وسبي نساءه، فما لم نثبت هذه المعاني وندرك أبعاد هذه الحقائق، فسيعد ذلك نقصًا غير قابل للعلاج والترميم والتصحيح؛ ولذلك فتح لنا الأئمة (ع) طريقًا رحبًا واسعًا من التطهير وهو العودة للإمام الحسين والارتباط به؛ كي يجنبونا ذلك النقص، وكي لا نغرق في واقع هذه الدنيا ومساقطها وننجرف مع ما يضعه لنا عدونا، ونواجه التحديات التي أمامنا؛ لذا، علينا أن نبقى متشبثين بهذه الحقائق، وأن لا تختل هذه الأعراف وهذه الآداب والعبادات بحيث أن جيلًا  يبتعد عن الإمام الحسين (ع) إلا في هذه العشرة الأيام فإن ذلك الجيل لن يفقد كرامته وطهارته وقوته وقدرته على اتخاذ القرارات فحسب، بل سيصبح هذا الجيل كما أصبح الجيل الذي تولد بعد وفاة رسول الله (ص): جيلًا  مستسلمًا لا يفهم الفارق والمائز بين بيعة الأمير (ع) في يوم الغدير وبيعة غيره، وهذه مسألة أساسية وفي غاية من الحساسية؛ لذلك يجب أن نفهم الذوات القدسية الطاهرة ونرتبط بها وبصفاتها ونتعبد بها ونحبها ونعشقها ونبذل في ذلك المال والنفيس من أجلها، فإنه معوض من قبل الله سبحانه وتعالى. من بذل قرشًا أو مالًا أو عطيّة في سبيل الإمام الحسين (ع)، فإنه معوض في الآخرة بما لا يُعد حسابه وكذلك في الدنيا وهذا أمر واضح.

مسلم ثقة الإمام الحسين الذي يشهد بطهره

إن من أصحاب الحسين (ع) من رفع الله سبحانه وتعالى مراتبه بسبب معرفته لهذه الحقيقة، هو مسلم ابن عقيل، فقد كان في هذه الحقيقة من السابقين السابقين يقول تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ۞أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ الواقعة: ١٠-١١ 

مسلم كان ثقة الحسين (ع) وابن عمه والسابق إلى طاعته، ونحن نعلم أن السابقين إلى طاعة الله تعالى أولئك مقربون في كل شيء، مقربون من رضا الله سبحانه ومن طاعته، ففارق كبير بين من هو تبع وتبعي ويتبع – وهذا أمر حسن- وبين الإنسان السابق الذي له تاريخه، وله ثقله وميزانه وحسابه الخاص عند الله؛ ولذلك كان مسلم ممثل الإمام الحسين (ع) في ثورته.

وكما هو واضح، أن الله عندما ينتخب خلفاءه وممثليه ومن يحملون رسائله، فإنه يكون بينهم وبين المرتبة الربّانية والإلهية نوع من الاقتراب والولاية والسنخية، وإلا لأي سبب وما المبرر في انتخاب فلان على أن يحمل رسالة الحسين (ع)؟! أبناء عمومة الإمام الحسين (ع) كثر، فكان اختيار الإمام الحسين لمسلم لميزة فيه جعلته يقول عنه: (أرسلت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي)(١)، وقد تتعدد مناشيء الثقة: فتكون مالية أو لرجاحة العقل أو حسن التدبير أو لالتزام الشخص بما يريد أن يقوله المرسل ويوصل ما يريد. وهذا أمر مجرب في الحياة السياسية والاجتماعية والمالية. وحيث أن الإمام الحسين (ع) صاحب ثورة وحركة ومنهج وتطهير وتغيير، تعيّن أن يرسل من يُمثله مطهرًا لهذه الأمة، حاملا لأهدافه (ع)، مطيعًا لإمامه إطاعة كاملة، رغم مشاورة الإمام الحسين له في انتخابه لهذه الرسالة وحمله للأمانة، إلا أن مسلم يرى في الإمام الحسين (ع) القدسية والطهر كما جاء في الزيارة “اَشْهَدُ اَنَّكَ  طُهْرٌ” لأن السقوط ينشأ من انعدام تلك الرؤية. فالذين سقطوا لم يعتقدوا بأنه طهر، ولم يروا هذه الصورة المنعكسة عن قدسية الله في مرآة الإمام الحسين (ع) الصافية، التي لا تموج فيها. كما يرى نفسه صافيًا في هذا الطهر، يعكس الصورة بشكلٍ صحيح، وهذا هو واقع المشكلة. عندما لا نشهد هذه الصورة، ولا نراها، فإن أي ريح ومخاطر وأحداث ومتغيرات، يمكن أن تبعدنا عن مرآة الإمام الحسين (ع)، وإذا ما ابتعدنا عن هذه المرآة فكيف سنرى أنفسنا؟ سوف نصبح كما يقول القرآن عبثاً وألعوبة بين يديّ  وألسن أعداء الله -كما سوف يأتينا- والذي يكشف لنا هذا المعنى هي رسالة الحسين (ع) التي حملها مع مسلم ابن عقيل إلى شيعته والكاشفة عن ثقة الطهر المطهر به(٢).

فقد حمّل الإمام الحسين (ع) هذه المهمة الشاقة الصعبة والمستصعبة لمسلم ابن عقيل؛ لأنه كان يراه أهلًا  لذلك، فمسلم تربى في أحضان القرآن، وفهم معانيه، فإذا قرأتم أو سمعتم في الروايات أن مسلم ابن عقيل كان في الليلة الأخيرة والتي بات فيها في بيت طوعة يقرأ القرآن طول ليله، فلإنه كان يتعبأ بمعاني التوحيد والحقائق الربانية العميقة -كما سيتم إيضاحه- لكي يستقبل غده ونهاره ممتلئًا بها. وهذه الميزة المهمة، من أهم الأسباب التي لا تجعل الإنسان يسقط ؛ فهذه المعارف والحقائق والإدراكات والتفسيرات تحفظ الإنسان عن الانزلاق والتقصير والجُبن والخوف والتراجع، وتملأه بسالةً وكرامةً وشجاعةً، ولو بقي وحيدًا فريدًا. أما الروايات التي تتحدث عن أن مسلم بعد أن صلى في المسجد لوحده خرج منكسرًا في سكك الكوفة، فهذا الأمر غير مقبول، ولا يمكن أن يكون انكسارًا. نعم، العاقل المدرك يدرك أن هذا ليس من شأن مسلم، فهو أحق بالانتصار ممن بايعوه؛ ولكن مسلم كان يواجه مشكلة كبيرة جداً، وهي أنه كان مبعوث الإمام الحسين (ع). نعم، بعض المسؤوليات تثقل الظهر، لكن مسلم كان بقدر هذه المسؤوليات، وهذا ربما هو الملاك في انتخاب الإمام الحسين (ع) لرجل من أهل بيته وثقته ومورد اعتماده، بحيث لم يوصه الإمام الحسين (ع) بالكثير من الوصايا وإنما كان يرى فيه وصيًا وتبعًا لطهره
(ع).

الرؤية التوحيدية في القرآن غنيمة عاشوراء 

ورد في الروايات أن مسلم قد قضى ليلة استشهاده وهو يقرأ القرآن، وهذا ما نريد الوقوف عنده، فالقرآن له منطق خاص ربما لا يوافق منطقنا في فهم الأحداث والمجريات. فنحن مثلاً نبيع ونشتري ونتعامل ونصادق ونتحدث، ونحن لا نلتفت إلى هذه الأمور الأساسية الأصيلة؛ في حين أن الرؤية القرآنية التي يريد القرآن أن يربينا عليها، هي مسألة حساسة نخرج بها من هذه العشرة الأيام ومن شهر محرم، ولا يكفي أن تتحول إلى لقلقة لسان، وإنما هي حقيقة واقعة كانت مجرى ومدار أحداث كربلاء، وهذا ما يبينه القرآن من أن محورية الحب، البغض والموالاة، القرب والبعد عن الآخرين كلها هو التوحيد لله سبحانه، وهذه هي النظرة التوحيدية المتكاملة يقول تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدُوِّي وَعدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ الممتحنة: 1 

  • الآيات فيها نكات عديدة:

١- حينما يتحدث القرآن عن العداء يقول ما مضمونه: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة…، والآيات لها قصة تاريخية وأحداث خارجية يستخرج لنا منها قواعد أساسية نبني عليها حياتنا. فيقول أن هناك أعداء ليسوا أعداءكم خاصة، ليس بينكم وبينهم عداوة في شأن خاص، في قضية أو أرض أو ممتلكات خاصة -وهذا ما يشغل الناس عادة من العداء- ولكن القرآن يقول أن هناك أعداء لتوحيد الله، أي أن محور عداوتهم هو الله سبحانه، بالمثل فإن أعداء الإمام الحسين (ع) لم يكونوا يعادونه لأنه ابن رسول الله (ص)، وأنه سكن في المدينة وله هذه الكرامات. نعم، هذه تثير عداوتهم، ولكن عدوهم الأول هو الله سبحانه.

٢- لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة تريد أن تميز بين الالتحاق والاتصال والارتباط والتواصل مع الطهر، وبين التواصل بالضد مع عدو الله سبحانه، والرضا بتصرف الأعداء، وهكذا في الواقع الخارجي، فإن هؤلاء الذين يعادون الأمة ويعادون مصالحها لهم عدو أساسي هو التوحيد؛ ولذلك لهم عدو أساسي هو مظهر التوحيد صاحب العصر والزمان (عج)، لهم أعداء أساسيون وهم المتصلون بالتوحيد

٣- الآية تلفت لنكتة مهمة جدًا وأساسية: تعادونهم لا بمعنى تكرهونهم. نعم، آل مؤمنون يكرهون أعداء الله، ولكن لا تتخذوا هؤلاء أولياء، بمعنى: لا تقوموا بأي عمل يرضي أو يُقبل أو يقبله أعداء الله بأنه نوع من الارتباط والتواصل والرضا. فالمحور في هذه القضية هو ما يخرجك من أصحاب الإمام الحسين (ع) أو يدخلك فيهم، وهذا هو المحور الذي يجعلك مع هذه الجماعة ويفصلك عن الجماعة الثانية، هذه هي نقطة التقسيم والانقسام. فلنلاحظ التعبير الدقيق: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) رائعة كلمة (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) فقد يُحب الإنسان شخصًا بعد تفكر وتأمل، بعد أن يرى منه مستحقات المحبة والمودة، فيرضى عنه، ويتقرب منه، لذلك، لأنه قد رأى فيه مقدارًا من التعقل والفهم للدين والإسلام والسنة والتاريخ، فيحبه، وأحيانًا أخرى تكون هذه المحبة إلقاء، يعني لغوية، هذه المحبة بلا دليل، يعني محبة جزافية. وهذا ما يحدث فعلاً عند كثيرين، فإنهم يحبون أعداء الله ويوالونهم وقد يروعنا هذا الكلام، ولكنه كلام الله سبحانه، وهذا ما فهمه واستوعبه مسلم ابن عقيل، وهو مكمن قيمة واقتدار وقوة مسلم ابن عقيل: أنه لم يتخذ أعداء الله وأعداء رسوله أولياء

٤تقول الآية: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) فالمشكلة بينكم وبين أولئك الأعداء، في فهم وحقيقة الإسلام أي: الإسلام الذي تعتقدون به، لا الإسلام الذي يصطنعونه- إسلامكم الذي أنزله الله سبحانه عليكم، ليس الإسلام المزخرف. ولو أردنا الوقوف عند مصطلح الإسلام المزخرف، لوجدنا أننا الآن نعيش في ظرف غريب من المزخرفات ومن زخرف القول، فهناك أناس يعملون لهم دورات ويصبغونها بزخارف القول ويصبغونها بالآيات والروايات، وهذه المسألة تحتاج إلى معايير وموازين وتخصصات، لذلك نستغرب أن أناسًا معروفون بالبساطة وعدم العلمية صاروا معروفين ومشهورين وأصبحت لهم مكانة..، وهذا ترويج لزخارف القول، يجب أن ننتبه ونحذر ونعرف أين إسلامنا الحقيقي والواقعي، لكي نعادي من يعادي إسلامنا الحقيقي والواقعي، ولكي نقبل من يقبل إسلامنا الحقيقي والواقعي. وهكذا استطاع مسلم ابن عقيل أن يشخص أعداء الله، لذلك كان له هذا الاقتدار وهذه القوة والشجاعة والتوحد في ميدان الحرب، وصدر عنه هذا القول (أقسمت أن لا أقتل إلا حرًا وإن رأيت الموت كأساً مرًا) ثم يقول: (أخاف أن أٌخدع أو أغرا)
(٣)

هذا هو منطق القرآن، هكذا من لا يخدع أو يغر فهو يتخذ أعداء الله سبحانه أعداءه، لأنهم فقط يعادون الله سبحانه، ويعادون رسول الله (ص)، لا أنهم يعادون رسول الله باعتباره محمد ابن عبدالله، ولا باعتباره من قريش، ولا باعتباره ولد بالمدينة، وإنما باعتباره متصلًا ومرآةً وناقلًا عن رسالة الله سبحانه وتعالى.

المشكلة عندنا اليوم، أننا نلقي بالمحبة والمودة وبالتعلق بلا تعقل، دون أن نبحث أن هذه الأمور مضرة أو مفيدة، أضرب لكم مثالًا في الواقع الخارجي:

نحن نفرح إذا فلان ابتعث في الغرب وعاش حياة مدنية في فهمنا، وجاء متغيرًا ومتطورًا، نحن لا نستطيع أن نشخص إن لم يختلط بعداوة الله -ونرجو أن لا يكون كذلك- وأين ما هو حق وعلم في هذه الحصيلة التي رجع بها، الغرب يخلط بين العلم والشهوات، يخلط بين العلم والذاتية والأنانية، يخلط بين العلم وأضداد الدين… هذا يعادي إسلامكم، هذا التلاعب بزخرف القول هو ما كان يقوم به المشركون السابقون! هو ما قام به عمرو بن العاص، هو ما قام به معاوية؛ لهذا فإن من أكبر مشاكل معركة الجمل وصفين، أنه كان من بين أصحاب أمير المؤمنين (ع) وجيشه أولئك الذين تحولوا إلى خوارج، ولم يستطيعوا أن يحملوا رسالة أمير المؤمنين (ع)، وأن يفرقوا في هذه الحرب بين الحق والباطل، فامتزجت واختلطت عندهم الأمور، ولم يكن عندهم تفريق بين أعداء الله وبين الخلافات والصراعات المؤقتة. حتى أن حروبًا قامت فقط بغضًا لأمير المؤمنين (ع).

في اليوم العاشر عندما خطب الإمام الحسين (ع)، وبعد أن حجهم بكل الحجج: على ماذا تقاتلونني؟ قالوا: بغضًا لأبيك! فهؤلاء الذين خرجوا مع أمير المؤمنين (ع) في الجمل وصفين، ورأوا عدله، هم من نشر البغض في الكوفة لأمير المؤمنين (ع)، لأنهم ينشرون الشائعات ويغرون الناس، وهؤلاء الذين يودون لو أنهم ثقفوا في الواقع الخارجي، أن ينشروا ما يريدون وما يتصورون من تصورات خاطئة؛ هؤلاء أعداء لله سبحانه وليس من السهل أن تشخص عدو الله سبحانه، وإنما هذا نوع من الوعي والفهم للطهر، حينها سوف تجد أن كل من يخالف الحسين هو عدو فقط لا للحسين ابن علي بنفسه، فعلى أي شيء يعادي الإمام الحسين (ع) على أخلاقه؟ أم على عطاياه؟ أم على مواهبه؟! وكما هو وارد: يأتيه الفقير المحتاج ويعطيه كل ما عنده دون أن يرى وجهه! هل هذا يُبغض أو يمكن أن ُيكره؟! ولكن أولئك أعداء الله سبحانه لو استطاعوا أن يحاربوا الله سبحانه بشكل مباشر بلا وسائط، بلا هذه المعابر لحاربوا الله سبحانه، لكن لا يوجد وسائط إلا الحسين وأهل بيته (ع).

٥- في قوله تعالى: أعدائي وأعداؤكم، نكتة هامة؛ إذ محور عداوة أولئك بالدرجة الأولى هو الله سبحانه وهذه العداوة ليس في الخارج من يمثلها إلا هؤلاء المؤمنين (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) و ثم قال: (قَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) حينما يتحدث عن قوة هؤلاء الذين يريدون القضاء على الوسائط؛ لأنهم لا يصلون إلى الله سبحانه، القوة لله، لكن الله حين يأمر المؤمنين يقول الله سبحانه﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ الأنفال: 60 

وهذا منطق القرآن، وهذا ما فهمه وما قام به مسلم ابن عقيل هو في شأنه قد أعد لهم ما استطاع من قوة، ولكنه ليس إلا واسطة، ليس إلا صورة وانعكاسًا لله، والقوة لله جميعا وهذا ما يريد أن يثقفنا عليه، فعندما نتوهم قوة شخص، نحن لا نلتفت إلى أن القوة في الحقيقة هي لله سبحانه، أيضًا عندما نخاف نقص الاستطعام والرزق، فالله هو الرزاق يقول تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الذاريات: 58 نعم، أنتم تتحركون وتذهبون وتأتون، لكن الرزق من الله سبحانه، وحتى عندما يكلمنا الله عن الخلق في قصة النبي عيسى يقول﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي المائدة: 110 في ذيل الآية يقول بإذني، أي بإذن الله، لا يوجد أحد يستطيع أن يقدم ويؤخر إلا الله سبحانه.

مسلم بن عقيل أنموذج الغرق في حقائق القرآن والاتصال بطهر وقدسية عدله 

عندما يتصل مسلم بن عقيل بهذه القدسية الطاهرة للإمام الحسين (ع)، والذي هو مرآة وانعكاس لقدسية الله، هل يمكن أن نتصور أن مسلم سوف يتراجع عن رسالته وأداء هذه الوظيفة الشاقة جدًا؟! وهو الذي غرق وشرب وأخذ الكؤوس من هذه الحقائق القرآنية، فهل سوف يتراجع؟! بل على العكس، فالأمر لم يكن كذلك؛ مسلم كان غاية في الأخلاق والنبل والشجاعة والمروءة والتضحية للإمام الحسين (ع)، يرد علينا في الأخبار أن مسلم بعد أن بايعه الألوف وأعلنوا له تمام البيعة للإمام الحسين
(ع) وأرسل للإمام الحسين (ع) بذلك، ولكن الناس نكثوه وغروه وانقلب عليه الكثير من الناس حتى من أظهر له البيعة، لم يبقَ  إلا مسلم وهانئ ابن عروة، فقد كانا مدار الحركة. مسلم ابن عقيل القائد بالأصالة ومعه هانئ ابن عروة فلابد من الخلاص منهم! صلى مسلم صلاة المغرب الأخيرة وكان حوله ثلة، خمس عشرة يأتمون به، ليس أكثر من ذلك، وبعد أن التفت لم يجد من هؤلاء الثلة أحدًا! ولكن شجاعة مسلم وبسالته وثقة الإمام الحسين (ع)به، لم تدع هذا الامر يثنِي من عزم مسلم، ولم تجعله يتراجع ويستسلم، لم يبحث عن المعذرية رغم كثرة طرقها، لكنه رأى نفسه مسؤولًا  أمام أمور كثيرة: هو مسؤول أمام خطاب الله سبحانه! وعندما أعطوا مسلم الأمن والأمان، رفض لهم مسلم الأمن والأمان، لأنه لا أمان لهم، وخرج مسلم يتلفت يمينًا وشمالاً وإذا به وحيدًا فريدًا(٤).

وذلك لم يكسر من عزم مسلم، لكنه يكسر قلب محبي مسلم، الذين يعرفون طهر هذا الرجل، الذين يعرفون حسن نوايا هذا الرجل، ثقة الإمام الحسين (ع). خرج مسلم من المسجد وهو يتلفت يمينًا وشمالاً، لم يجد طريقه! إلى أين يذهب؟ كل مكان سوف يذهب إليه مسلم لن يؤويه أحد. سوف لا يحتويه أحد. هل من الممكن أن يخيل إلى أذهانكم أن مسلم الذي عاش في الكوفة، ابن عم الإمام الحسين (ع)، ثقته، أخاه، مرآته، هل يمكن أن تتخيلوا أن مسلم لا يؤويه أحد؟! لا يجد من أهل العشائر والكبراء الذين بايعوه أحد؟! لا يجد ملجأ يلجأ إليه إلا باب امرأة تسمى طوعة؟! وقف مسلم عند باب هذه المرأة، ولربما تكون المرأة خيرًا من ألف رجل! وأكثر عزة وكرامة من الرجال! في الرواية: أن مسلم وقف عند بابها وخرجت وهي لا تعرف مسلم ابن عقيل. قالت: يا أيها الرجل، ما وقوفك عند باب داري؟ أنتم تعرفون أن الشرفاء والعظماء وأهل البيوت الرفيعة لا يقفون عند أبواب النساء، ولكن كان مسلم متحيرًا، لا لنفسه، بل لثقة الإمام الحسين(ع)، قد ملأ الحياء من الإمام الحسين كل وجود مسلم وقال لها: يا أمة الله أنا عطشان فهل لي بشربة من الماء؟ فأخرجت له المرأة كأسًا من الماء. ولكن مسلم بقي واقفًا مستندًا على باب تلك المرأة فقالت له: لا أجيز لك الوقوف على باب داري، ثم قالت له: من انت؟ فقال لها: أنا مسلم ابن عقيل، ولسان حاله: إن أهل الكوفة بايعوني وغدروا بي.

ألا لعنة الله على الظالمين



١. تاريخ الطبري ج4 ص262

٢. كشاهد على المعنى ماقرأته في كتب أحد المستشرقين قبل ثلاثين سنة: أن امتياز مسلم ابن عقيل هو صفاءه وطهره. كان الكاتب يريد أن يقول: أن مسلم ابن عقيل قد غرّه أهل الكوفة، لأن عادة الشعوب والنّاس الذين ألفوا الكذب واللف والدوران والتقلب -بما لايخطر على بال الصادقين والمؤمنين منهم- أن يكذبوا عليهم وينقلبوا عليهم ويخدعونهم. فالإنسان الصافي الصادق عادة لا يحتمل الكذب واللف والدوران والخديعة، ولو احتمل هكذا أمر فإنه لا يصدق بوقوعه ومن خلال التجربة الحياتية نرى ذلك واضحًا، فعندما ينقلب فلان من الناس نتفاجأ! وذلك لعدم السنخية، فالنفوس الطاهرة الصافية لاتتوقع هذا المقدار من الكذب والفشل في الامتحانات.

٣. (أقسمتُ لا أُقتلُ إلاّ حرّا ويُخْلَطُ الباردُ سُخْناً مرّا كلُّ أمرئ يوماً ملاق شراً وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نُكْرا رَدَّ شُعَاعَ الشمس فاستقرّا أخافُ أن أُكْذَبَ أو أُغرَّا). [مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: 44/244، مقتل الحسين (ع)، الخوارزمي 1/209 ـ 210].

٤. راجع كتاب ١ـ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: 44/244 ، مقتل الحسين (ع)، الخوارزمي 1/209 ـ 210

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬752 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.