ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الإمام الحسين ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ١

تقدم القراءة:

أشهد أنك طهرٌ طاهرٌ مطهر ١

الأحد 16 محرم 1441مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

عظم الله أجورنا وأجوركم بشهادة سيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين (ع) وجعلنا الله وإياكم من الطالبين بثأره ولا حرمنا أجر وثواب الشعور بفقده صلوات الله عليه.

كربلاء معركة لا تنتهي

كل معركة لها أهداف ومبادئ وغايات تنفذ وتنتهي عبر سنوات معينة، ولكن كربلاء والتي لم تتجاوز أحداثها ثلاث ساعات -كما يقال–، فإنها كانت معبأة بالقيم والأهداف والمبادئ والقربات الإلهية، وهي كفيلة بأن تملأ عالمي الدنيا والآخرة؛ وهذا المعنى مما تؤكده وتساعد عليه الروايات التي تتحدث عن عصر الظهور وزمن الظهور والتي لها ارتباط بكربلاء. 

كما أن كربلاء بالنسبة لنا نحن الشيعة لا تمثل معركة كمعركة أحد أو بدر مثلاً، وإن كانت هذه المعارك تمثل انعطافات أساسية في حياة المسلمين وفي حركة الدعوة الإسلامية، وليست كمعركة صفين والجمل والنهروان، وليست كأي معركة يخوضها المؤمنون الآن؛ بل لها خاصية سماوية لارتباطها بأحوال الإمام الحسين (ع) بالدرجة الأولى، وأحوال رسول الله (ص) وأحوال الصديقة الطاهرة وآل بيت العصمة والطهارة؛ ولذلك من الممكن أن نقول: أنها أصل من أصولنا الثقافية وآدابنا العقائدية ولا مغالاة في ذلك! 

وقد اعتدنا سنويًا قبل طرح الشعار أن نتحدث عن آداب هذين الشهرين -محرم وصفر- لما لهما من خصوصية على قلب هذين الشهرين وهما يومي تاسوعاء وعاشوراء وسيتم طرح الآداب هذا العام من خلال الإجابة على سؤال لربما يتبادر إلى أذهان الكثيرين وقد حاول بعض المفكرين وأهل العلم أن يعطي جوابًا عليه وهو:

لماذا لم يتصدَّ سائر الأئمة ولم يباشروا عملية الأمر بالمعروف وإصلاح الأمة بنفس الطريقة التي باشرها الإمام الحسين (ع)؟

أي لماذا اتخذ سائر الأئمة أساليب تختلف عن كربلاء؟ حتى أصبحت فريدة من كل الجهات، بحيث أصبح الحسين (ع) وتر من كل الجهات، ووحيد في خصائصه وصفاته ووحيد في رسالته -إن صح التعبير- وما السر في ذلك؟ سوف نحاول أن نستنبط ونستخرج آداب هذه العشرة أيام بعد الإجابة على هذا السؤال وسوف نطرح أربع إجابات لذلك.

الجواب الأول: ظرف الإمام الحسين (ع) مختلف

وهذا الجواب عادة ما يطرح، وهو متداول عند الكثيرين. وهو أن الظروف والملابسات والشرائط التي أحاطت بالإمام الحسين (ع) ورسالته كانت تتناسب جدًا وتفجير الإمام الحسين (ع) لكل القيم الدينية في صحراء كربلاء. وهذا لم يكن يتناسب مع سائر الأئمة المعصومين (ع).

بالرغم من أن بقية من ادعى خلافة رسول الله (ص) لربما كانوا أخبث من يزيد بن معاوية؛ وكما يقال بأن المنصور الدوانيقي كان أخبث من يزيد، وآذى أبناء أهل البيت (ع)، وكان فاسقًا فاجراً معروفًا بالبخل والقتل، سفك من دماء سائر المسلمين ما ملأ التاريخ، وبرغم ذلك، فإن الأئمة الذين عاصروه لم يتصدوا لمواجهته بشكل مباشر؛ بل وكما ورد في السيرة بأنه كان في رقبة كل إمام صلوات الله عليه بيعة للحاكم الموجود مفروضة عليه بلا اختياره، ولكن زمان وظرف الإمام الحسين (ع) كانا يختلفان تماماً! 

فالإمام الحسين (ع) حتى في زمان معاوية لم يتحرك! وذلك بناءًا على الشروط التي كانت بين الإمام الحسن (ع) ومعاوية، والتي تنص على أن يبقى الحكم عند معاوية وتحت سيطرته حتى فنائه وخلاص الأرض منه ثم ينتقل بعد ذلك إلى بني هاشم. أو في بعض الأخبار أن يصبح ويعود شورى بين المسلمين، حتى لا يتحول إلى ملك عضود. وبناءً على هذا الالتزام،  فإن الإمام الحسين (ع) أيضًا لم يقم بأي حركة إصلاحية بهذه الكيفية وبهذا المقدار من السقف في الإصرار والمقاومة ورفض البيعة والاستسلام والتسليم ليزيد كما فعل في كربلاء. فما السر في ذلك؟! 

إذا قلنا: “الظروف” فسيكون الجواب: أن المسلمين لم تنكشف لهم حقيقة معاوية إلا بعد واقعة كربلاء!

فما هو معلوم عن معاوية –كما ينقل الشهيد مطهري- بأنه لم تكن هناك موبقة إلا وارتكبها، لكنه برغم ذلك يستطيع أن يقلب الطاولة في نظر المسلمين. كربلاء هي التي عرّت معاوية وكشفت زيفه، ولربما كان هذا أحد الأسباب التي مكنت معاوية من أن يقلب الطاولة، إذ لاتوجد شروط مكتوبة ومدونة. وإن كان المسلمون يحفظون تلك الشروط؛ فلو أن الإمام

الحسين (ع) خرج على معاوية، لاستطاع الأخير أن يقول: آل بيت هاشم والإمام الحسين (ع) هو الذي نقض الشرط! وبرغم اعترافه بذلك لفظيًا إلا أنه غير مدون كتابةً. ولربما يعد هذا الجواب الذي ذكرناه أوضح جواب يجاب به ويقبله الناس. 

الجواب الثاني: خصوصية أصحاب الإمام الحسين (ع)

هناك احتمالات أخرى أيضا موجودة: منها ما قرأناه في أقوال الإمام الحسين (ع) وفي أقوال المؤرخين، وبالإمكان استنباطه من المضامين القرآنية؛ فالإمام الحسين (ع) حصل على ثلة من أهل الوفاء والانقياد والاتباع إلى أعلى مستوى في الوفاء لم يحصل عليه سائر الأئمة (ع)، حصل على ثلة من التضحويين في زمان ووقت معين. هذه الجماعة لم تجتمع إلا للإمام الحسين(ع)، نعم كان يوجد من أصحاب الإمام الصادق أربعة أو خمسة أو ستة، كما كان يوجد من أصحاب الإمام الكاظم قلة معدودين على الأصابع، لكن أن يجتمع 72 من الرجال ذوي الخصائص والصفات القابلة بأن يحملوا هذه الرسالة بوفائهم للإمام بحيث لم يكن دافعهم إلا الوفاء للإمام الحسين، فهذا لم يتحقق إلا للإمام الحسين (ع)؛ بل حتى لم يتحقق لأمير المؤمنين (ع) والسر في ذلك: أن الوفاء خصوصية تجتمع معها خصوصيات كثيرة جدًّا، وهذه الخصوصية هي التي أعطت الإمام الحسين (ع) القدرة على دفع الحركة بهذا الاتجاه، وأيضا أعطت الإمام الحسين (ع) المبرر لهذه المعركة بهذه الكيفية.

لا شك أن مسألة الوفاء ليست صرف مسألة قرار شخصي يتخذه الإنسان في زمان ووقت معين؛ فالأمر ليس كذلك! حيث أن الإنسان يتصور أن كثير من أعماله هو الذي يقررها. ويتصور أنه لو وُضع في امتحان وابتلاء معين فسوف ينجح في هذا الابتلاء ويفي لله سبحانه وتعالى. مع أن القرآن يؤكد خلاف ذلك؛ إذ أن هناك سنة إلهية هي سنة الإنساء، أي سنة الإمحاء، ولكن ليس الذهني، وإنما العملي!

  • معنى سنة الإنساء العملي:

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً المائدة: ١٣ يقول: لعناهم! وجعلهم الله سبحانه ينسون حظا مما ذكروا به ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ المائدة: ١٣ وليس معنى ذلك أن بني إسرائيل نسوا ما قال لهم موسى(ع) ذهنياً وغابت عنهم صورته، بل معناه -وهذه السنة الإلهية- أن معاصي وسيئات وملكات بعض الناس تتسبب في إمحاء عملي لاتخاذ القرار المناسب في الموقف المناسب وقد تمت الإشارة لهذا المعنى سابقا في كلمة عيد الغدير؛ لذلك فإن الذي بايع الإمام صلوات الله عليه  أربعون أو ثلاثون أو عشرون ألفًا على أقل التقادير أو ما يزيد على مائة ألف حسب بعض الروايات، وقد نستغرب كيف أن كل هؤلاء انقلبوا! وإنما حدث ذلك لأن بعض هؤلاء كان خبيثًا وسيئًا ومخططًا ومنافقًا، في حين أن البعض الآخر قد نسوا أصلًا! وهذا أخطر شيء: وهو أن يُسلب الإنسان الوفاء العملي للأنبياء. وهذا ما عبرت عنه الصديقة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها عندما قالت: (ما جعل الله لأحد بعد غدير خم من حجة ولا عذر)(١) وهذا نفسه الذي حدث في كربلاء عند أهل الكوفة. فهم من أرسل للإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه الرسائل والوعود والمواثيق والبيعة والطلب، فما الذي جعل المعادلة تنقلب؟!

قد يقول البعض: لأنهم خافوا مما قام به أمثال عبيد الله بن زياد وهذا وارد. لكن الذي يبايع -خصوصا عند العرب– فهو يلتزم ببيعته، وهذه مسألة مرتبطة بالوفاء، والذي يسبق أغلب الأخلاقيات. فإذا كان الإنسان عنده أخطاء كثيرة، لا يستطيع أن يفي حتى لو كان في قرارة نفسه يقول بأنه سيتخذ موقفًا معينًا، فلا يستطيع أن يتخذ هذا الموقف في ساعة الصفر؛ لأن الإنسان بطبيعة الحال ينسحب ويترك الساحة في أوقات الجد.

ورد عن أمير المؤمنين (ع) قوله: (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر)(٢) أي أن الذي ينسحب في وقت يجب أن يكون حاضرًا فيه، هذا لا وفاء له. وليس معنى ذلك أنه لا يتصور الوفاء ذهنيًا، وإنما لا وفاء له، بمعنى أن إرادته قد ماتت، كما يعبر الشهيد الصدر؛ وعودًا على ماسبق فإنه ربما لم يجتمع لأحد من الأئمة أصحاب أوفى من أصحاب الإمام الحسين (ع) وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه في خطبته يوم العاشر: (لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيراً من أصحابي)(٣). 

ولنلاحظ وصف الإمام لهم بالوفاء؛ لأن هناك خصوصية في الوفاء العملي بحيث تجعل الإنسان يأخذ الدور المناسب في الوقت المناسب؛ وهكذا كانت حياة وأدوار أصحاب الإمام الحسين (ع) كذلك. وعلى سبيل المثال نذكر: عابس بن شبيب. إذا تأملنا في حياته مع شوذب وكلاهما من أصحاب الإمام الحسين اللذان يؤكد التاريخ وينقل عن قصصهما الكثير؛ فقد كان عابس صديق شوذب منذ أن كانا فتية شباب وعلاقتهما وثيقة جدًا أكثر من علاقة الأخوة الرحمية، فقد كانت علاقة صداقة ومحبة واتصال روحي، لسنا بصدد الحديث عنه ولكن ارتباطهما كان وثيقًا جدًا، وعندما جاء وقت الاستئذان والخروج للبراز والقتال قال عابس لشوذب ما مضمونه: يا شوذب، تقدمني قال له عابس: لأي شيء وما السبب الذي تريدني أن أتقدم عنك به؟ أنت تقدم قبليّ. قال: ألا ترى إلى هذا الرجل (الإمام الحسين) وقد ذاب قلبه، وسوف يفقد أبناءه وإخوانه وهو وحيد منفرد وليس له أحد، وأنا أريد أن أفي له فيحترق قلبي قبل أن يحترق قلبه؛ لذا أنا أريد أن أراك شهيدًا مضرجًا بدمك قبل أن يرى الإمام الحسين العباس شهيدًا وقبل أن يرى علي الأكبر شهيدًا(٤).

وهذا مظهر من مظاهر الوفاء العميق جدًا، بحيث يصح أن يكون هذا جوابًا عن التساؤل الذي طرحناه في البدء؛ فسائر الأئمة لم يجدوا مثل هذا الوفاء فيمن حولهم، وهذا قد يحدث في كل زمان، فالناس قد يعتقدون أنفسهم أوفياء، ولكن صفة الوفاء صفة عميقة جدا. وتتبعها وتتولد عنها صفات أخرى، وقد ورد عن الإمام الصادق ما مفاده إنني لو وجدت عشرة مثل فلان، لقمت بالأمر، وهذا المعنى وارد أيضًا عن الأئمة؛ ولذلك فإن ميزة أصحاب الإمام الحسين هي الاتباع الباطني -وإن شاء الله سوف يأتينا هذا المعنى خلال الأيام المقبلة وسنبين علاقة ذلك بالبحث- وحسب ماذكرنا يمكننا أن نقول: أن من آداب هذه الأيام اتباع الإمام الحسين وتعميق الاتباع الباطني للإمام الحسين (ع).

الجواب الثالث: رحمة الأئمة (ع) بالأمة

وهو وارد أيضًا، وتوجد عليه أدلة، فالأئمة صلوات الله عليهم يمتازون بصفات، ربما فاقوا فيها بعض الأنبياء، وهي الرحمة والعطف والستر على الأمة؛ بحيث لا يريدون كشف نقاط الضعف لهذه الأمة، لأنه لو خرج الإمام ولم يقبل الإمام البيعة، يجب على بقية المسلمين أو سائر المؤمنين أن يقفوا معه ويدافعوا عنه، وسوف يحدث لهم كما حدث لأبناء الأئمة في أكثر الحروب التي خاضوها، خصوصًا تلك الحروب التي أُريقت فيها الدماء، وقُدمت فيها التضحيات الكثيرة من قبل أصحاب الأئمة، ولكن نتيجتها أن البعض كانوا يفرون في تلك لمعارك؛ رسول الله (ص) تُرك وحيدًا في أحد، وفي بدر قاتل أمير المؤمنين والملائكة، وفي كثير من الغزوات كان أصحاب الرسول يلجؤون لملجأ ومغارات. ولذلك فإن الأئمة بما فيهم من حالة الستر ورحمة الأمة، فهم أهل بيت الرحمة، ولا يريدون كشف نقاط ضعف هذه الأمة، وهذا من الحكمة. فإذا عرف المؤمن أن مجتمعه فيه من العيوب والمثالب الكثير، وتنقصه خصائص نفسية وأخلاقية وعلمية وفكرية، فمن الخطأ أن يكشف ذلك للعدو؛ بل من المعيب أحيانًا أن يكشف عيوب طفله الذي يربيه في البيت؛ بل ربما من الخطأ أن يكشف عيوبه لصديقه.

وكشاهد على ذلك ما حدث في خروج الإمام الحسين من المدينة مع عمته أم هانئ، وكانت امرأة كبيرة في السن تعتبر من المعمرات خرجت خلف الإمام الحسين وأصرت عليه أن لا يخرج! ولنتأمل جيدًا مفاد ما جرى بينها وبين الإمام الحسين حين أخبرها برؤياه لرسول الله (ص) وأخبرها بأنه خارج لا محالة، فأشارت عليه -كما كل الذين يرون الأمور الظاهرية– بعدم اصطحاب النسوة والأطفال، ثم قالت بيتًا من الشعر وقد رد عليه الإمام الحسين –وهو ما نود أن نستشهد به على كلامنا السابق- ولأن أم هانيء رأت رؤيا، فهي تعرف أن الإمام الحسين يُقتل؛ لذا قالت:

إن قتيل الطف من آل هاشم **** أذل رقاب قريش فذلتِ

بمعنى عندما تخرج يا حسين، ستذل قريش، وسيتضح أن لا كرامة عندهم، ولا شجاعة ولا قدرة عندهم للدفاع عن دينهم والوقوف بوجه عدوهم، فقال الإمام الحسين (ع) لا تقولي ذلك بل قولي:

إن قتيل الطف من آل هاشم **** أذل رقاب المؤمنين -وفي رواية أخرى المسلمين- فذلتِ 

بمعنى: لو خرج الإمام الحسين سوف ينكشف تقصير هؤلاء وسوف ينكشف جهلهم ونقاط ضعفهم وتعلقهم بالدنيا، وأن معاوية فعلًا استطاع أن يقلب ويغير الثقافة السائدة. عندما يستشهد الإمام الحسين، سوف تنكشف حقيقتهم ويتبين أنهم أذلاء(٥).

وعودًا على التساؤل الذي طرحناه في البدء:

إذا كانت كربلاء وما جرى على الإمام الحسين سوف يكشف كل ذلك، فلماذا يُظهر الأئمة ويكشفون المسلمين أكثر من مرة ويظهرونهم أذلاء؟! ولا شك أن تكرار التجربة للمؤمنين والمسلمين فيه ما يخالف طبيعة رحمة قلوب أهل البيت (ع) وستاريتهم وعطفهم ومحبتهم. 

فسائر الأئمة لا يريدون أن تدخل الأمة أكثر من مرة في أكثر من تجربة حتى تبقى الأمة فيها بذرة، ونَفَس الاقتدار والمقاومة، لأن الإنسان عندما يفشل ويفشل مرةً بعد أخرى، في الحقيقة هذا الإنسان في النهاية ينهار ولا يستطيع أن يقوم بحمل الرسالة.

الجواب الرابع: (كربلاء كليلة القدر)

وهو جواب مهم جدا ولربما يُعد أهم الإجابات والروايات أيضا تؤيده.

فالأئمة صلوات الله وسلامه عليهم رأوا نفس كربلاء كافية لرشد كل الناس، ولكمال كل الأمة، منذ وقوع كربلاء إلى نهايتها… وقد كان دورهم صلوات الله عليهم حفظ كربلاء عن التحريف، وإلا، فإن كربلاء في حقيقتها لم تكن وليدة لحظاتها؛ فالرسول وأمير المؤمنين والصديقة الزهراء صلوات الله عليهم عبؤوا الإمام الحسين حتى يتحمل هذا الدور، بعبارة أخرى، إن كربلاء أشبه بالقرآن؛ فنحن لا نمتلك سوى قرآنًا واحدًا؛ لأنه قول فصل وما هو بالهزل لأنه غير قابل للتكرار، نعم كربلاء ممكن أن يحافظ عليها مثلها مثل القرآن.

سأضرب مثالًا آخر ورد عندنا في الروايات: 

إن كربلاء مثلها مثل ليلة القدر؛ ليلة القدر في السنة ليلة واحدة لكنها خير من ألف شهر، فكل إنسان يستفيد على الأقل من ليلة واحدة من ليالي القدر في حياته، افترضوا مثلًا  أن الإنسان استفاد من ليلة القدر في كماله، أخلاقه، خوفه من الله سبحانه وتعالى، رغبته للآخرة، اطمئنانه،  فإن ليلة القدر كفيلة لتغذيته في سنة كاملة، ثم في السنة التالية لا يرجع من الصفر، بل يبدأ بحركة أشد، والدافع فيها أقوى وأكثر، والإدراك فيها أشد، فتكون تلك الليلة كافية، وقد ورد في مستدرك الوسائل: أن موسى (ع) عندما ناجى الله سبحانه وتعالى سأله لماذا ميزت أمة محمد (ص) وفضلتهم عن سائر الأمم؟ فذكر الله سبحانه وتعالى في مناجاته عدة أمور: أحدها بأن فيهم ليلة القدر، ولأن فيهم يقتل سبط رسول الله (ص)، وفيهم يوم عاشوراء، بمعنى كما أن ليلة القدر هي واحدة لا تتكرر.. إذا استطاع الإنسان أن يحافظ عليها -مع أنه لا مثيل لها في سائر الأمم– ولكنه تضاعف فيها الحسنات وتضاعف فيها الأعمال. فكربلاء أيضا كذلك لا تحتاج لكربلاء ثانية؛ ولذلك كانت وظيفة الأئمة من بعد الإمام الحسين حفظ واقعة كربلاء، وتغذية واقعة كربلاء، والتأكيد على واقعة كربلاء. لأنها كافية عند أهل السماوات، كافية في رشد ووعي الأمة. أختم بهذه الملاحظة حول الفيديوهات المنتشرة الآن عن واقعة كربلاء ينبغي أن تركز على هذه القيم في كربلاء ولذلك كانت سيرة أهل البيت (ع) المحافظة على روحية كربلاء، ولهذا ورد ربما عن المعصومين أجمع عندما يهل هلال عاشوراء، لا يرى منهم أحد ضاحكا، ترى كيف يفرح أو يضحك أو يبتسم أو يسر من يهل عليه هذا الهلال الذي يعلم أن فيه حزن رسول الله (ص) وهو في قبره وحزن الصديقة الزهراء (ع)؟! كيف لا يملأ الغم والألم من يعلم أن رسول الله (ص) في حياته كان يحزن لبكاء الحسين (ع) ويقول للزهراء (ع) أن بكاء هذا الطفل يؤذيني، ويرسل كبار أصحابه لتسلية الحسين؟! لا شك أن في هذا الهلال الشعور بالألم باتباع رسول الله (ص)، باتباع أحوال أمير المؤمنين (ع) والصديقة الزهراء (ع)، وهذا من أهم آداب هذا الشهر. ولهذا اخترنا هذا الشعار وكما سيأتينا: (اَشْهَدُ اَنَّكَ طُهْرٌ طاهِرٌ مُطَهَّرٌ). 

ألا لعنة الله على القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين.


١. كتاب صفين ص: 342

٢. نهج البلاغة الخطبة الشقشقية

٣الإرشاد للشيخ المفيدج2، ص: 92

٤. يوم عاشوراء.. أقبل عابس على شَوذَب قائلاً له: (يا شَوذَب، ما في نفسك أن تصنع؟ أجابه شوذب: أُقاتِل معك حتّى أُقتَل. فجزّاه عابس خيراً وقال له: تَقدّمْ بين يدَي أبي عبد الله حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك، وحتّى أحتسبك؛ فإنّ هذا يومٌ نطلب فيه الأجر بكلّ ما نَقْدر عليه. فسلّم شَوذب على الحسين، وقاتل حتّى قُتل) تاريخ الطبري ص:254، ج6 

٥. وجاء في معالي السبطين للحائري عليه الرحمة قال: ثم إن نساء بني هاشم أقبلن إلى أم هاني عمَّة الحسين (ع)  وقلن لها: يا أمَّ هاني، أنت جالسة والحسين (ع) مع عياله عازم على الخروج؟ فأقبلت أم هاني، فلمَّا رآها الحسين (ع) قال: أما هذه عمتي أم هاني؟ قيل: نعم، فقال: يا عمّة، ما الذي جاء بك وأنت على هذه الحالة؟ فقالت: وكيف لا آتي وقد بلغني أن كفيل الأرامل ذاهب عني؟ ثم إنها انتحبت باكيةً، وتمثَّلت بأبيات أبيها أبي طالب (ع):

وأبيضَ يستسقى الغمامُ بوجهِهِ **** ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ

تطوفُ به الهلاَّكُ من آلِ هاشـم **** فهم عنده في نعمة وفَوَاضِلِ

ثم قالت: سيدي، وأنا متطيِّرة عليك من هذا المسير لهاتف سمعت البارحة يقول

وإنَّ قتـيلَ الطفِّ من آلِ هاشـم **** أذلَّ رقابـاً من قريش فذلَّـتِ

حبيبُ رسولِ اللهِ لم يك فاحشا **** أبانت مصيبتُهُ الأنوفَ وجلَّتِ

فقال لها الحسين (عليه السلام): يا عمَّة، لا تقولي: من قريش، ولكن قولي: (أذلَّ  رقاب المسلمين فذلَّت)، ثم قال: يا عمَّة، كل الذي مقدَّر فهو كائن لا محالة، وقال (ع):

وما هم بقوم يغلبون ابنَ غالب **** ولكن بعلمِ الغيبِ قد قُدِّرَ الأمرُ [كامل الزيارات ابن قولويه ج8، ص: 195-196]

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬749 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.