تقدم القراءة:

الإمام الحسن (ع) مَظهر العدالة العليا

السبت 18 مايو 2019مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

نبارك للأمة ميلاد أبي محمد الحسن بن علي السبط الأكبر

خصوصيّة وحظوة أهل البيت (ع) لدى رسول الله (ص)

يمكن أن نقول أن هناك امتيازات مشتركة بين رسول الله (ص) والأربعة المعصومين (؏) أمير المؤمنين والصديقة الزهراء والحسن والحسين (؏) كما أن هناك خصوصيات وقيمة عالية قد حظي بها هؤلاء الأربعة (؏) لم يحظَ بها بقية المعصومين (؏) وهي حظوتهم بتربية رسول الله (ص) بشكل مباشر، فلا يشك أحد من المسلمين أن رسول الله (ص) قد عني بتربية أمير المؤمنين(؏) بشكل مباشر وتغذيته المادية والمعنوية وكان يؤهله للقيادة والولاية والإمامة بأمر من الله أو كما يقول ابن أبي الحديد: كان يتوسم في أمير المؤمنين سمة الولاية والإمامة والجدارة بقيادة الأمة وبترقيه للمراتب الروحية العالية، ويضيف: إن هذا التوسم إما أن يكون بوحي من الله وإما أن يكون من ذات رسول الله (ص) وممّا لا شك فيه أنه يصيب الحق ولا يخطئه فالفراسة من سمات المؤمنين فكيف برسول الله وهذه الحظوة لأمير المؤمنين من رسول الله (ص) لم يشك فيها أو يردها أحد، وقد استشهد بهذا أمير المؤمنين (؏) واحتج على القوم بذلك حيث قال: “ولقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به (ص) من لدن أن كان فطيمًا أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علمًا، ويأمرني بالاقتداء به”، فكان رسول (ص) يرفع منزلة أمير المؤمنين (؏) في أعلى الدرجات، وإن كنا نؤمن أن هذا الإعداد والتهيئة كانت بأمر من الله وغيرنا لا ينكر هذه الخصوصية وهذه الحظوة والحبوة من رسول الله (ص) للإمام علي (؏) والتي كانت له دون غيره من المسلمين.

أما الصديقة الطاهرة فمنذ أصل تكوينها كانت تفاحة الفردوس وقد حظيت بالتربية المباشرة من رسول الله (ص) فقد تولى رسول الله (ص) تربيتها بمفرده منذ توفيت أمها السيدة خديجة (؏) وكان عمر الزهراء (؏) خمس سنوات فأصبحت يتيمة الأم ومن الطبيعي أن تكون أقرب من رسول الله وألصق به وهذا مقتضى الحال أن يركن الطفل لوالديه أو أحدهما في حال فقد واحدًا منهما فيكون له الأم والأب في وقت واحد.

وكذلك الحال مع الإمام الحسن والحسين (؏)، فإذا كان أمير المؤمنين (؏) لا يسبق رسول الله (ص) في تسمية الإمام الحسن ولم يسبقه في تحديد شيء من متعلقاته، ما يجدر أن يلف به ويرتديه ومأكله ومطعمه…، فلا شك ومن الأولى ألا يسبقه في سائر التفاصيل من أمر ونهي وتوجيه، فتسمية الولد أيسر ما يمكن أن يتولى شأنه الأب وبلا مؤونة، وقد يتصور أنها لا تحتاج لوحي أو نبوة، إلا أن أمير المؤمنين (؏) لم يسبق رسول الله (ص) في هذا الشأن فضلاً عن بقية التفاصيل اليومية.

والشاهد على ذلك – تلك الحظوة والخصوصية للمعصومين الأربعة واشتراكهم مع رسول الله – اشتراك هؤلاء الأربعة (؏) مع رسول الله (ص) في آيات ومواضع عديدة: في آية المباهلة، والتطهير وآيات ﴿هَلْ أَتَىٰ علَى الْإِنسَانِ﴾ الإنسان: ١ من سورة الإنسان، وآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ البينة: ٧ وغيرها الكثير من الآيات القرآنية والتي نزلت في حق هؤلاء الخمسة صلوات الله عليهم وقد جمعت وبينت في كتب عدة.

إنذار العشيرة الأقربين أصل قرآني ومسؤولية رسالية

وكأصل قرآني فإن النّبي (ص) كان مأمورًا بإنذار عشيرته الأقربين في الدعوة قبل سائر النّاس، وهو ما دلّ عليه التاريخ كذلك فالأسرة والعشيرة وموقعها اللصيق من نفس الإنسان أشبه بموقع ذات النفس نقرأ في الآية الكريمة قوله ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ التحريم: ٦، نعم ومما لا شك فيه أن مسؤولية الإنسان الأولى هي تجاه أهله وأرحامه وعشيرته – كما يكون هو وبالطبع الأولى الأكثر تأثيرًا – فإنه يجب عليه إنذارهم، ويتحتم عليه استنقاذهم قبل غيرهم من عموم النّاس، وهذا ما دلّت عليه الشواهد العقلية والتجارب الإنسانية ولا سيما في مجتمعاتنا العربية القائمة على النسيج العشائري وهذا الأمر منظور في الآية الكريمة ﴿وَأَنذِرْ عشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء: ٢١٤ (1) كما أن الغالب في الإنذار والتنبيه والإيقاظ ومعالجة العيوب أن لا يتحمله ولا يتقبله الآخر بسهولة إلا أن يرى طولية وقدسية للمربي. 

إن عشيرة رسول الله (ص) لقرب موقعها منه ولمعرفة أفرادها بخصائصه وسجاياه الكريمة وخلقه الرفيع وما اتّسم به من شمائل نبوية… – في الأعم الأغلب وكما هو المتوقع من العشيرة – ستتشارك معه وتصطف بجانبه في حمل الرسالة وتحمّل أعبائها.

وهذه العِشرة ستكون عند الإنسان الواعي والصادق ومن يمتلك روحًا شفافة ورقيقة أكثر اشتدادًا ووهجًا؛ فهم العشيرة وهم الأقربون، ولقد تعاطى الرسول مع أهل بيته (؏) وفق معطيات الآية الكريمة والأمر الإلهي ﴿وَأَنذِرْ عشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

وفضلاً عن الأمر الإلهي هو ما تفيده التجربة الإنسانية، وما تقتضيه عناصر العلوم الإنسانية في التربية وقواعدها بحسب معايير المجتمعات الإنسانية. وكما يعبر – أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي – الأمر بالإنذار الوارد في الآية الكريمة لا يراد منه التخويف من العذاب بل مغبة المعصية والوقوع في النقائص، فالتحذير للحياد عنها إنذار بذاته. فسقف الإنذار لدى رسول (ص) مرتفع سيما لهؤلاء الأربعة (؏) ألصق النّاس به، أمير المؤمنين (؏) والصدّيقة الزهراء والحسنان (؏) فهم أهل بيته وأحق بالاهتمام والتربية والتعليم والتغذية ماديًا ومعنويًا وهذا من صميم رسالته (ص) وشعوره بالمسؤولية، وهذا من القواعد وأساسيات الفكر الديني الإسلامي، بخلاف الآراء والتوجهات الغربيّة التي تعتبر ذلك تدخلًا في شؤون الآخرين، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعضٍ ۚ التوبة: ٧١ سيما من لديه الكفاءة والمعرفة، ويتحلى بالحلم والعلم والتقوى، فهو الأجدر بذلك وهذا نابع من عمق الشعور بالمسؤولية والإحساس بالآخرين ووجوب هداية الآخرين وهو من مقتضيات حمل الرسالة التربوية.

رسول الله (ص) مظهر العدالة العليا

وإذا ما وقفنا مع هذه الآيات القرآنية الكريمة، وبعيدًا عن كل تلك القواعد والنظريات آخذين بعين الاعتبار الأمر الإلهي سنجد رسول الله (ص) لم يكن ليقصر جهدًا في إنقاذ أهل بيته ورفعهم لبلوغ أعلى المقامات والدرجات، واستنقاذهم من كل مسببات النقائص الروحية والعلمية والفكرية – فضلاً وبعيدًا عن انتخاب الله واصطفاءه لهم (؏) – فلن يرضى لهم رسول الله (ص) إلا الأعلى من السمات والصفات.

 وقد تكون العدالة أهم ما يتصف به الإنسان، والتي لو لم يتسم بها الإنسان وكان له ما كان من الأخلاق الرفيعة والحسنة لعدت خدشًا لفضائله ونقصًا في خلقه الكريم، والعدالة لها درجات ولرسول الله (ص) الدرجة العليا من العدالة وبهذا يعبر القرآن الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعلَىٰ خُلُقٍ عظِيمٍ﴾ القلم:٤، ظهورًا للملكات والخصائص العالية للنبي الأكرم (ص) والتي لا يجاريه فيها أحد، فكل خلق نصطلح على تسميته كريمًا هو في واقعه أدنى من خُلق رسول الله (ص)، ولهذا فهو المظهر للعدالة العليا ولن يرضى لمن يربيه بأدنى من تلك المرتبة العليا.

  • شبهة وجواب

وهناك شبهة نقف عند علاجها، فكثير ما نتصور أن الأخلاق العالية ﴿وَإِنَّكَ لَعلَىٰ خُلُقٍ عظِيمٍ﴾ تكون في جنبة المحبة والتسامح والتساهل والرحمة، وهي ما يحسن أن يطلق عليها خُلق وأخلاق فحسب، أما التنبيه والتوجيه والإنذار فقد يتصور البعض أنها من السمات الخشنة، وقد انتشر وأذيع وروج لهذا التصور مؤخرًا، وهذا تصور خاطئ وفادح فهو إجحاف وعدم تغذية للجانب الجلالي في نفس الإنسان.

يقول الشيخ قرائتي – وهو أحد مفسري القرآن الكريم:

ذهبت أصلي جماعة خلف أحد آيات الله، ولم  يهتفوا بعد الصلاة بشعار  يفيد التبرؤ من الظالمين وأعوانهم بين الفريضة والأخرى، لكن تمت قراءة التعقيبات فقط دون الهتاف!  فيقول استغربت وتحدثت بذلك مع إمام المسجد فقال: نعم هؤلاء ليس ديدنهم الدعاء أو الهتاف ضد أحد، فاستأذن – إمامَ المسجد – بمنحه دقائق ليقف بينهم واعظًا. فتحدث إليهم وقال :ما لديكم هو نصف إسلام وليس الإسلام كله !! فالقرآن الكريم وصف من هم مع رسول (ص): ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّـهِ وَ الَّذِينَ مَعهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّـهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ عَلى‏ سُوقِهِ يُعجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عظِيماً﴾ الفتح: ٢٩

وحسب الآية السابقة فقد ذكر لهم صفاتًا أربعًا، أشداء على الكفار، رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدًا، ورابعها يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانًا، وكما أراكم ركعًا سجدًا تبتغون فضلاً من الله، ولكن لا أراكم أشداء على أحد، ولا رحماء بينكم! وهذه الصلاة بطبيعة الحال ليست تعبيرًا عن الشدة ولا عن التراحم، فكم من مضطهد وقد ظلم في ظهرانينا أو في أقطار الأرض قصرنا في الدفاع عنه – وهو من مصاديق الرحمة العامة بين النّاس التي تحدثت عنها الآية الشريفة – وهذه الصلاة لا تكشف عن هذه الحيثية أيضًا. 

وبالعودة للآية السابقة والتي تحدثت عن خلق رسول الله (ص) ﴿وَإِنَّكَ لَعلَىٰ خُلُقٍ عظِيمٍ﴾ علينا أن نعي أن الأخلاق ما هي إلا دائرة متكاملة تجمع بين صفات الجمال وصفات الجلال. وترجيح جنبة دون أخرى أو إلغاؤها هو عدم اعتدال في كمال الصفات الأخلاقية، وإنما الكمال حينما يصبح الإنسان المؤمن شديدًا على أعداء الله ، ويكون لأهله منذراً كما يكون مبشرًا، فالإنسان دائمًا بحاجة لمن يهدي له عيوبه ونقاط ضعفه ليقومها، وإذا أحب الله عبدًا جعل له ناصحًا ووفقه أن يقبل النصيحة.

الإمام الحسن (ع) مَظهر العدالة العليا

الإمام الحسن (؏) هو سبط رسول الله (ص) وقد تربى على يد جدّه المصطفى وفي كنفه المبارك وقد تعهده بالتربية والتعليم والتزكية في أعلى درجاتها، فلم تبقَ منقبة إلا وقد زين بها الإمام الحسن (؏) ولا مثلبة أو منقصة إلا ويزكيه وينجيه ويطهره عنها ممتثلًا لقول الله وأمره ﴿وَأَنذِرْ عشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وإذا ما تأملنا في سيرته (؏) سنجده كامل الاعتدال، بل في أعلى درجات العدالة، شديدًا على الكافرين ومنذرًا للمؤمنين ومن هم حوله، فقد كان كما كان جدّه رسول الله (ص) في علياء صفاته وكمالها.

وإذا أردنا تطبيق ما سبق على صُلح الإمام الحسن (؏) مع معاوية، والذي تسرده كتب التاريخ، وهي في واقعها لم تنصف الإمام الحسن (؏)، بل هي مكمن مظلوميته الحقيقية والتي تدعي قبوله بالصلح مع معاوية! مع أننا لن نجد من أهو أشد على معاوية ودولة بني أميّة من الإمام الحسن (؏).

ففي كل معاهدة صلح بين طرفي خلاف، سيجرّ كلٌّ الحبل إلى جنبه مدعيًا أنه صاحب الحق والأحقية دون الآخر مهما يكن طبيعة الخلاف القائم بينهما سياسيًا أو إداريًا أو على أي ملكية أو أي شأن من شؤون الدولة أو الحكم. ومن المعتاد لو انتهت بالصلح فستنتهي بإعلان طرفي النزاع بتقسيم لما هم مختلفين عليه – سواء كان ملكًا أو حكمًا أو أرضًا أو مالًا أو حقًا… – نصفًا بنصف.

ولكن الإمام الحسن (؏) قد أعطى معاوية الملك كله شرط أن يأخذ منه إقراره بعدم صلاحيته على إدارة شؤون الدولة الإسلامية، وعدم قدرته على سياسة أمر المسلمين، والاعتراف منه بعدم صلاحيته وأهليته لتولي أمر القضاء! وهذا ما تفيده شروط الصلح التي أملاها الإمام الحسن (؏) فلا يعد هذا صلحًا، بل بواقعه يعدُّ فضحا منه (؏) لمعاوية.

وقد أقرّ له معاوية بذلك وقبل بتلك الشروط ووقع على ما حكم بانعدام أي شرعية له كانت أو تكون سواء كانت حينما حارب الإمام علي (؏) أو حينما رفض تسليم الحكم للإمام الحسن (؏).

إن هذا الخط السياسي للإمام الحسن (؏) هو منهاج رسول الله (ص) والذي تعلّمه من جدّه المصطفى (ص)، فحينما كان رسول الله (ص) يرسل خالد بن الوليد في بعض السرايا كان صلوات الله وسلامه عليه وآله يبرأ علانية من أفعال خالد وأخطائه.

فالرسول الأكرم (ص) كان يعرف من هو خالد وما هي خباياه، وكما خبر (ص) ظاهر خالد عرف باطنه؛ فلذا – وإن كان قد ولّاه على سرية من السرايا – إلا أنه (ص) كان يكشف للنّاس الأخطاء التي يقع فيها خالدً والأعمال التي يرتكبها، فتتبين عدم أهليته وينزع منه الشرعية.

نعم، النّاس كانت ترى لخالد قدرة عسكرية، ولكن النّبي (ص) يعالج أمراض النّاس الفكرية، ويفهمهم أن الاقتدار الواقعي لا تمثله القدرة العسكرية (2)

كذلك كان الإمام الحسن (؏)، فقد التزم بسيرة جدّه (ص) وأخذ ذات الموقف مع معاوية – وإن أعطاه الملك – إلا أنه قد سلبه الحق كله والقدرة على تعريف المفاهيم الدينية، وتشخيص المحق من المبطل. 

فمعاوية لا يصلح أن يكون قاضيًا فضلًا عن أن يحكم في الدولة الإسلامية.

وقد صرّح (؏) في أكثر من محفل عام أن معاوية وضع نفسه في موضع ليس له بأهل. وهذا ما حاول معاوية استرجاعه ولم ولن يكون له ذلك.

لقد وضع الإمام الحسن (؏) معاوية تحت مجهر محاسبة النّاس، حتى قال هو نفسه – معاوية – : “بيني وبين النّاس شعرة إن شدوا لها أرخيت” هذا كان حال معاوية والذي كان يسعى لاحتكار الدّين، وقد انطلى ذلك الأمر على أتباع معاوية ومن نهج نهجه حيث قالوا: “من غلب، فله الجمعة” فالغلبة حسب نهجهم الأموي تكون لصاحب السطوة والسلطة وله – تبعا – أن يحدد ما يقال في أهم مركز إعلامي وهو منابر يوم الجمعة!

لقد اختار الإمام الحسن (؏) هذا المسار والذي كان لا بدّ منه – مع قلّة الناصر وعز المعين – وتجاوز (؏) بكل اقتدار هذه المحنة وبيّنَ بما لا ريب فيه أنّ من تسلّط على شأن الأمة وتقلّد زمام الحكم لا يعني ذلك أنه بات يملك الشرعية. متبعًا في ذلك أثر جدّه رسول الله (ص) ومحتذيًا بنهجه وسيرته في أعلى مراتب العدل العليا والعدالة العظمى والكبرى كما يطلق عليها العرفاء. لقد جمع الإمام الحسن (؏) في العدالة بين المحبة والرأفة والرحمة وما يزاحمها من بعض الفضائل العليا من الشجاعة والاقتدار والتخطيط والتدبير وحسن السياسة. 

جعلنا الله وأياكم حسنيّين دينًا ودنيًا.


1. العشيرة كما ورد في كتب المعاجم: هي مجتمع إنسانيّ صغير يشترك في ملكيّة واحدة ويتضامن في أخذ الثَّأر من خصومه، وهو أضيق من القبيلة. وعَشِيرَةُ الرَّجُل: بنو أَبيه الأَقربون وقبيلتُه وهو مأخوذ من كثرة العِشرة والمُعَاشرة والعِشرة: بمعنى المخالطة، والصحبة.

2. أخرج البخاري في الصحيح من حديث عن ابن عمر  قال: بعث النّبي (ص) خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولوا صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كلّ رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي (ص) فذكرناه، فرفع النبي (ص) يديه فقال: “اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”، مرتين.

وقد بوب البخاري في الصحيح على بيان رد اجتهاد الإمام إذا خالف الحق واحتج بهذا الحديث، ونقل ابن حجر عن ابن سعد وابن إسحاق أن خالداً بعث داعيًا للإسلام لا مقاتلاً، وذكر ابن حجر: أن ابن عمر وخالد أختلف فهماهما لكلام بني جذيمة، ففهمه ابن عمر على أنهم أرادوا الإسلام، وأن هذه اللفظة كانت مشهورة عند قريش تطلقها على كل من أسلم، وأما خالد فقد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام فقتلهم متأولاً، فحلف ابن عمر على أنه هو ومن معه من المهاجرين والأنصار لن يقتلوا أسراهم، فلما قدموا على الرسول (ص) أنكر على خالد العجلة وعدم التثبت في فهم كلامهم، ثم أرسل (ص) عليًا رضي الله عنه بمال ليدفع لهم دياتهم، فلم يبق منهم أحداً إلا ودفع ديته. وهذا تصريح عملي من النّبي (ص) أن عمل خالد بن الوليد لا يمت للدّين بصلة.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬949 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها