ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 اللهم تقبل منا هذا القربان ٧

تقدم القراءة:

اللهم تقبل منا هذا القربان ٧

الأحد 20 محرم 1440مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

قمر بني هاشم عالي الدرجات

 قمر بني هاشم العباس بن أمير المؤمنين (ع) له عالي الدرجات والشواهد على ذلك كثيرة، وقد اختلف العلماء في تحديد الأهم منها والأكثر نصّيّة في مقامه صلوات الله وسلامه عليه. ونذكر هنا بعض الشواهد:

الشاهد الأول: استشهد البعض بفعل المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. حينما أفرد الإمام زين العابدين لأبي الفضل العباس قبرًا ولم يجمعه مع الأنصار، ونحن نعلم أن فعل المعصوم هو شاهد على شيء، ولا يقوم المعصوم بأمر عبثي، ولا بدّ أن الإمام كان يعلم بأن الشيعة سوف تقصد زيارة كربلاء، وهذا الأمر مقطوع به من أيام رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله الذي أكد أن للحسين صلوات الله وسلامه عليه زوّارًا ينعونه ويبكونه ويقصدونه وكذلك ذكر أمير المؤمنين وكأنه من الثوابت قبل كربلاء.

وإذا أفرد للعباس قبرًا مستقلًا فهذا يعني أن له زيارة مستقلة خاصة، ومما يؤكد على هذا المعنى أنه قد وردت زيارة خاصة صحيحة السند عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه للعباس وهذه لم ترد في شأن غير المعصومين.

وأيضا له صلاة ولا تستحب الصلاة في جميع مقامات أبناء الأئمة ما خلا العباس صلوات الله وسلامه عليه. وله خطاب خاص أيضا، ونحن نعرف أنه عندما يسلّم مسلم على مسلم يجب على من خُص بالسلام ردّ السلام، لذا لاحظوا مثالا على ذلك في الزيارة الجامعة نحن نخاطب جميع المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم بـ : “السلام عليكم يا أهل بيت النبوة و موضع الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم ومهبط الوحي” كل الخطابات جاءت عامة وبالجمع إلا عندما نريد أن نطلب من المعصوم الذي نزوره ونستشفع به إلى الله سبحانه وتعالى فإننا نخصه بالخطاب فنقول: “يا ولي الله إن بيني وبين الله عز وجل ذنوبا لا يأتي عليها إلا رضاكم”.

 قد يقول البعض: لماذا يخص الإمام الذي تزوره بالخطاب في الوقت الذي كان فيه ذكر الفضائل والخصائص والوظائف للمعصوم صلوات الله وسلامه عليه عامّة ؟!

لأنه لا شك أنك عندما تخاطب شخصًا بعينه فهو المعني وأنت تشير إليه، والعباس معني بحد نفسه وله عناية وبشارة خاصة، وقال البعض: إن هذا دليل على علو مقامه ومرتبته ودرجته.

الشاهد الثاني: الأوّل ربّما يصحّ أن يكون شاهدًا ولكن هذا ربما نقول بأنه دليل على ذلك لأنه أوضح وورد نصّيّا في الزيارة الصادرة عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه في زيارة عمه العباس: “لعن الله أمة استحلت منك المحارم وانتهكت في قتلك حرمة الإسلام” فإن حرمة كل الدين الإسلامي لا تنتهك بقتل أي مسلم مهما كان تقيًا وعابدًا لله، قد ينتهك هو، حرمه، متعلقاته، أبناؤه وأهله، وقد ينتهك هدفه، مشروعه، رسالته، ولكن لا ينتهك به حرمة الإسلام إلّا إذا كان تامًا وكاملًا ومعصومًا وبينه وبين الإسلام تطابق حتى يقال: انتهك فيه حرمة الإسلام، فهذا دلالة على عظمته.

الشاهد الثالث: أشار له بعض أساتذتنا ويحتاج إلى التفات وتذوق في مسألة ربما هي أقرب إلى العرفانيات والذوقيات، عندما ذهب الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه إلى مصرع أخيه العباس ورآه على ما رآه عليه في الخبر الصحيح أن الإمام رجع إلى أخته زينب يكفكف دموعه بكمّه! وهذه فيها إشارة عاطفية دقيقة، بعض أهل الذوق وأهل الفن يقولون: كأنه يلجأ محتاجا إلى زينب لتقوم بدور الأمومة.

   العباس قربان من أعظم القرابين التي قدمها الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وقد علمنا أن التقرب لله سبحانه وتعالى بالأعمال والمواقف والعبادات والتوصيات له شروط كما أسلفنا يفرضها العقل والشرع.

القربان ومفهوم الإقصاء

   لا شك بأننا إذا قلنا أن القربات لها موازين عقلية وأخرى شرعية فلا يعني ذلك أننا نريد أن نستبدّ بالعلاقة مع الله سبحانه وتعالى! أو كما عبر البعض أنه لو قيدنا طريق الوصول لله سبحانه وتعالى وتقبّل العبادات من قبله تعالى بنمط خاصّ وبكيفية وشروط خاصة فإن معنى ذلك أننا نقصي الآخر!

 الكثير من الناس وكثير من البرامج هي قائمة الآن على الإغراء، وهو قبيح شرعًا في البيع والشراء فضلًا عن المسائل الفكرية والمبدئية والعقائدية. إن إقصاء من يغري الناس بألفاظه ومن يصبغ الباطل بالحق كان موجودًا على طول التاريخ، فالإنسان العاقل يطلب الحقيقة وهذا معنى العرفان وهو الوصول إلى نور الحقيقة ومعرفتها؛ فإذا وجدنا من يأتي بالباطل ويسبغ عليه آيات وروايات وقدسيّات، ثم بعد ذلك قلنا: إن هذا باطل، فهل يعتبر هذا من الإقصاء المذموم؟!

هذه الألفاظ والمصطلحات الجديدة يجب أن نعرف متى نستخدمها. وما يحدث الآن هل هو مجرد صراع ألفاظ ومصطلحات؟! الناس في غالبيتها تمشي خلف اللفظ الذي يجذبها بغض النظر عن المضمون وعن النظر في تطبيقات المضمون سواء في المسائل المادية أو في المسائل المعنوية التي يكون الأمر فيها أقبح وأكثر إغراءً وإسقاطا لمصالح الآخرين وأكثر غشا، و(من غشنا فليس منا) نحن المسلمون، وهذا نوع من حدوث الاغتشاش في الذهن وتشويشه والعياذ بالله.

إن تحديد مفاهيم القربان – في حقيقته – لا يفيد أن المفاهيم الدينية والإسلامية هي كالسيف الصارم القاطع الذي يفرض على الآخرين بالقوة وبلا قناعة، فالإسلام ليس كذلك أبدا! وبالرجوع إلى المتون والمباني الإسلامية والآيات القرآنية وأفعال المعصومين وفعل الإمام الحسين في كربلاء صلوات الله وسلامه عليه وتقديم الإمام الحسين شخصه قربانًا لله سبحانه وتعالى نعرف أن معايير الإسلام بهذا المعنى الذي يفترضونه إقصاءً والذي ربّما قد ورد من المتلبّسين بلباس أهل العلم، الذين يذهب بعضهم إلى عدم جواز القول بأن بقية الأخلاقيات من غير المتقين مردودة!

من الطبيعي أن يقصى الباطل، ومن المفروض أن ندفع الجهل بالعلم والوهم بالحقيقة، وهذا الدفع قربان في الحقيقة، ودفع السيئة يكون بالتي هي أحسن كما أسلفنا.

إذا قلنا أن جميع الأصول الإسلامية تقتضيها الفطرة وليس في الإسلام أمر لا يقبله الوجدان فهذه ليست دعوى، هذا وجدان الآخر شاهد عليه. وعندما نقرأ الأمور كما أسلفنا على أساس الكليات والفوقيات والنظرة العلوية الملكوتية، ونقرأ كتاب الله والروايات والأدعية الصادرة عن الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين سنجد التأكيد على عناية الله بكلّ عضو من أعضاء الإنسان في الداخل وبتركيب وضعه الباطني واتصاله وارتباطه بفطرة ووجدان الإنسان.

هناك أمور لا تحتاج إلى كثير من الذكاء، الوجدان يقول لنا أنه يستحيل اجتماع النقيضين، فإن الله سبحانه وتعالى الأحد الفرد الصمد صاحب الجود المطلق لو قيل أن هناك دليل ثانٍ على أن هناك من يشاركه في الوجود والحكم فلن يقبل هذا الكلام عقل عاقل. لانه في المقدمة  قلنا أن الوجود الإلهي مطلق.. وكما يقول ابن سينا أن علاج من ينكر استحالة اجتماع النقيضين أن يضرب ثم يقال له: لم تضرب!

إن استخدام هذه المصطلحات والألفاظ تحتاج إلى معالجة لأنها تحدث فوضى من الثقافات، وإذا أردنا أن نحاكم المباني العليا للإسلام سنجد أن كل هذه المباني تقبلها الفطرة. إذا تركنا الفطرة وقلنا بأنها ليست على ميزان متساوٍ عند الناس، فهذا فطرته سليمة وقوية وبيّنة وصافية وطاهرة وله أن يميّز الحق من الباطل، وهذا قد ذهب مع معسكر يزيد وبني أمية فله فطرة مشوّشة، ولعلّنا نبرّر له بأنه يعيش في بيئة ومناخ وفي ضغوط أيّما تبرير! فلنذهب إلى الشواهد النصية القرآنية التي لا يشك فيها مسلم، فلنرى هل الإسلام يستخدم فعلا منطق الإقصاء والدكتاتورية والقوة والسيف وهل إن هذا منطق ديني؟!

إذا رجعنا إلى النصوص القرآنية سوف نجد أننا حتى لو تنزلنا عن الوجدان والفطرة والعقل كمعايير- دعوها جانبا، ربما البعض لا يستطيع أن يفهمها – إذا أردنا أن نتهم القرآن والإسلام والأئمة صلوت الله وسلامه عليهم بهذا المنهج واعتبرنا ـ مثلا ـ أنّ انحصار العمل القربي فيما يقولون به وفيما يرونه إقصاءً. تعالوا لنرى هل في القرآن إقصاء أو إبعاد أو طرد؟! وفي أسوء الحالات هل يمكن أن يهين الدين أحدًا حتى لو كان مشركا أوكافرا؟!

الإسلام وأصالة التفكير والاختيار الواعي

هناك كتاب يصلح لأن يكون كتاب هذه السنة في تفسير سورة براءة لسماحة السيد القائد، الكتاب رائع فيه إبداع سلس وسهل وعميق. لكي نتصور الحياة الإسلامية ونتصور الإسلام عندما ينزل إلى واقع الحياة الاجتماعية والحياة الاقتصادية والسياسية والأسرية بأيّ روح هو ينزل؟! أختار لكم  منه بعض الشواهد حتى ندرك بعض الأمورالمنتشرة في الأذهان والتي روج لها الغرب وحتى بعض المتدينين البسطاء وغير العلماء وأصبحت كأنها بعد من أبعاد الإسلام في الوقت الذي هي تهمة على الإسلام والدين.

 الكتاب هو تفسير سورة التوبة لعله في 500 صفحة، وأغلب المادة الموجودة فيه حديث حول تمايز منطق أهل الإيمان والقرآن والتقوى ومنطق النفاق والمنافقين ـ الذين كثروا مؤخرًا والذين يستخدمون هذه المصطلحات على أساس أنها توسعة للحس الإنساني وغيرها من العبارات التي تدغدغ المشاعر.

 المثال الأول: عندما أرسل رسول الله (ص) أمير المؤمنين بآيات براءة، وقد أمر الله رسوله (ص) قبل أن يدخل مكة بسنة أن يرسل خبرًا للمشركين والكافرين فيه إعلان براءة الله ورسوله من الكافرين. جاءت الآيات وانظروا الدقة فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ التوبة/ 2 أوّل ما يواجهنا فيها التفكير في ماذا يعني أن يعطي القرآن للمشركين فرصة أربعة أشهر حتى يسيحوا في الأرض؟!

 النقطة الأولى: التي نجدها في المعنى هي أن مدة الأربعة أشهر لن تكون حرب، أما بعدها فللرسول (ص) حق الدخول إلى مكة وله حق الحرب. إن من يعرف مسألة  ثقافات الحروب والمعارك يعرف أن الحرب خدعة ولا يحدّد لها وقت! من يريد الحرب كيف يحدّد لها وقت، والحرب مفاجأة ومباغتة ـ لدى العرب خصوصًا والمعروف عنهم شنّ الغارات ـ فكيف يعلن لهم أنه بعد الأربعة أشهر ستكون بيننا وبينكم مقاطعة وبراءة وسيسقط كلّ ميثاق بيننا؟! كان العرب يفهمون الحرب بالغارات وهكذا كانت ثقافتهم.

﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ الأنفال/ 58 هؤلاء كم نبذوا من عهود رسول الله (ص) ومع ذلك فإن القرآن قد أعطاهم موعدًا محددًا ليستعدوا للحرب(١). من  يعرف في هذه الأمور يفهم و يرى أن المعنى احتواء الآخر وإعطاء الآخر فرصة للتأمل فيما يريد القرآن وليس إقصاءه، عندما يخبرهم بموعد سقوط هذه المواثيق كأنما يقول: فكروا. أقصى ما يمكن أن يعطى للإنسان ليفكر في قضية مصيرية أربعة أشهر ويقال له: ( فسيحوا في الأرض)! يعني سيروا كالماء عندما يسيح، سيحوا في الأرض كما تريدون (فسيحوا في الأرض أربعة اشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله).

 النقطة الثانية: تختلف عن مسألة تحديد موعد الحرب – مع أنه كما قلت بأن قوام الحرب هو المفاجأة والقوة في الحرب هي لمن يهاجم الآخر، فالردع مسألة هامة لكن المفاجأة والمباغتة في الحرب هي التي تربك العدوّ، وعندما يكون هناك موعد محدّد فإنه دلالة على أن منطق الدين والأصل هو إصلاح العقول وإعطاء أساليب التفكير والفرصة للفهم ومراجعة النفس وهذا أول أمرـ .

وهناك مسألة أخرى تختلف عن إعلان وقت الحرب، فرسول الله (ص) في وقت نزول الآيات تلك كان في أوج القدرة وأغلب الجزيرة العربية سلمت لرسول الله (ص) ولم تبق إلا مكة، وكانت كل الإمكانيات في يده، وعلاوة على أنه أعلن موعدًا الحرب أعطى فترة تأجيل للحرب وأعطى فرصة للنظر واتخاذ القرار، وذلك لأن مراد الإسلام وغرضه هو الفهم والوصول للواقع والحقيقة وأن لايكون الإنسان أسيرا للعصبيات والوهم.

 عندما تقول لأحدهم بعد أربعة أشهر حدّد مصيرك فماذا سيعمل؟ المفترض أنه سيرجع لعقله ولمنطقه ووجدانه ويحاول أن يفهم، وعندما تعطيه فرصة للتفكير ثم تكون بعدها الحرب، عند ذلك لا شك أن الواقعية – كما يعبر سماحة السيد القائد – في نظر الإسلام ليست للقتال ولا للغلبة بل للإنسان نفسه، ومعرفة الإنسان للحقيقة وفصل الإنسان بين الأوهام والأهواء والمؤثرات الخارجية حتى لا يندفع الإنسان بشئ آخر غير البحث عن الحقيقة وإرادتها والتمسك بها، ولذلك بعد دخول رسول الله (ص) مكة عبّرالقرآن ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ النصر/ 2 لأنه أعطاهم فرصة للتفكير.

مثال آخر: في مورد الآية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ التوبة/ 6 يعني أيًّا من المشركين استجارك – وليس المراد منهم الذميّون، لا المسيح ولا اليهود – بل المشركون وأكثرهم هم عبدة الأصنام وشركهم عمليّ فاضح واضح!

دققوا معي في قوله: (حتى يسمع كلام الله) أجِرْه وأعطه الأمان حتى يسمع كلام الله، فإذا سمع كلام الله وسمع الحجة وألقيت عليه كاملة تامة ولم يسمعها من أي أحد، بل سمع كلام الله، ولا يعني أن يسمع القرآن بل يسمع منطق الله، منطق الواقع، فإن لم يقبله فهل أنه بعد ذلك يقتل؟ لا، القرآن يقول: لا تقتله، بل ليس فقط لا تقتله بل أمّن له الطريق (فأبلغه مأمنه) أي: أوصله إلى مكان فيه أمانه حتى ولو لم يقبل كلام الله ولا منطق الدين.

 الشيخ جوادي يلفت إلى نقطة لطيفة في الآية حيث يذكر أن القرآن لم يقل: (حتى يسمع القرآن) لأنه قد لا يفهم الشخص إذا سمع القرآن، لكن عندما تسمعه القرآن على أنه كلام (تنزله إلى حدّ الكلام، تفسره، تبينه…) بالحكمة وبالموعظة الحسنة وبالجدل ـ حسب شخصيته وعقليته وإمكانياته ـ، ثم يقول: (ثم أبلغه مأمنه)! ماذا يقابل هذه الآية؟! الثقافة التي نشرها الاستشراقيون ـ بالدرجة الأولى ـ وما فيها من صور تصوّر شخصًا يمسك القرآن بيد والسيف بيد! بل حتى في بعض قصائدنا – ولست في معرض انتقاد لأحد ـ قد نصوّر هذا المعنى، سمعت قصيدة (بيميني سلاحي وبيساري القرآن!) فكأنما إما الإسلام أو القتل، إما أن يقتنع الشخص بالقرآن ويسلّم به أو أن يكون في مواجهة السلاح! هذان الخياران فقط، وهما خياران داعشيّان. – أتمنّى أن لا يستاء من قال هذا الكلام لعله يقصد معنى آخر ـ لا يوجد شيء كهذا، لكن إذا استجارك أسمعه كلام الله فإن لم يقبل أبلغه مأمنه، يعني أنت تحمّل المسؤولية والميزانية كما لو كنت تريد أن توصل مسئولا مطلوبا وعزيزا له شأنية، فأنت تؤمن له الطريق حتى يصل.

المثال الثالث: القرآن يقول في حقّ المشركين: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا﴾ التوبة/ 28 أولًا لم يقل أن المشركين نجسون بل هم عين نجاسة، أي وصفهم بالمصدر، لم يأت بصفة مشتقّة، مثلا عندما أقول: فلان (عدل) يختلف عن قولي (عادل)، لم يقل: (نجسون) بل (نَجَس) فحمل عليهم المصدر، مثل قولنا: فلان عدل، فلان كرم. فلان نجاسة أيضا، الإسلام عبّر عنهم بهذه الحقيقة لأنّ الإسلام يهمّه الفكر.

ولأهمّيّة التفكير يمكن القول: أين هو التوحيد؟ التوحيد في العقل، التوحيد يُطهِّر. فالإنسان الذي يحمل الفكر التوحيدي يطهُر وهو طُهر، الشرك جهل وظلمات، والجهل أمر عدميّ فكيف نتصور أن تصدر عنه آثار الطهارة والأخلاق الرفيعة والملكات الحميدة؟ البعيد عن التوحيد وعن الرؤية الكونية هذا ليس متنجِّس بل هذا نجس. ثم لاحظوا اللطافة، لم يقل اطردهم، لم يطردهم القرآن ولم يبعدهم، بل قال: أعطهم خبرا أن:(لا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) تعامل معهم بكل مروءة، لأن الطرد إهانة وخلاف المروءة وخلاف عدالة الإسلام، لذا يجب أولا أن تطلعهم على الأمر.

العباس (ع) نموذج الموحّد الكامل

   العباس ابن أمير المؤمنين (ع) نموذج الإنسان الموحد الكامل، ومقتضى التوحيد الاستسلام لله والعبودية والطاعة “السلام عليك أيها العبد المطيع لله ولرسوله ولخلف النبي…”، ومنه تتولّد فضيلة الحلم، وقد جاء اتق شرّ الحليم إذا غضب، وإذا غضب الحليم واسع الصدر جلجل الميدان!

 عوداً إلى مقام العباس بن أمير المؤمنين (ع)، هناك من يذكر فضيلة للعباس وتبيينا لمقامه في قول الإمام الحسين عليه السلام له عندما أراد أن يركب جواده، قال: “اركب بنفسي أنت يا أخي”(٢) المعصوم لا يجوز له أن يفدي بنفسه من هو أدون منه، إذن ما المراد من هذه المقولة؟!

 هذه أيضا مسألة لها جذر أساسي وعميق في الدين الإسلامي، جاء في كتاب تهذيب الأحكام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يرسل سريّة كان يقول: سيروا بسم الله! إذا أراد الإنسان أن يحجّ ويصلّي ويصوم أو… يستطيع أن يعمل بسم الله، تقريباً من السهل أن يخلص في مثل هذه الأمور وينفي ما عدا الله، أما الحرب فكم يحتاج فيها الإنسان من الإخلاص حتى تكون باسم الله؟! الحرب التي فيها غضب وهجوم وحب وكره واصطلام ومواجهة! يعني أن يقتل فلانا لأن الله يريد ومن أجل سبيل الله يقوم بذلك، كم تحتاج هذه إلى تجرّد وإلى صدق مع الله سبحانه وتعالى وإلى محبّة لدين الله سبحانه وتعالى؟! وإذا أغمض عن شخص آخر ولم يواجهه أيضا هو بسم الله سبحانه وتعالى.

 سبيل الله ليس سبيل الحكام ولا سبيل شخص مقابل آخر، سبيل الله أن تعلم أن كل هؤلاء الذين ستقاتلهم هم عباد الله، تحرك وسرعلى اسم الله، لا على مشاعرك وأحاسيسك، افتح لهم طريقا للعودة لله. قاتل في سبيل الله من أجل إعادتهم إلى ربهم. سر على اسم الله… اركب بنفسي، مثل: هوى سلمان هوى علي! خذ نفسي قاتل بها، جاهد بها.

  لقد وصل العباس ابن أمير المؤمنين (ع) إلى هذه المرحلة، لذلك كان يعزّ على الإمام الحسين (ع) خروج العباس (ع) للقتال؛ لأن العباس كان يتحرك بالله وفي الله ومن أجل الله، فإذا غضب العباس فإنه يغضب لله، وإذا رضي فهو يرضى لله.

  لاحظوا العباس قائد عسكري، العباس حامل راية الحسين (ع) فيخرج من أجل طلب الماء للأطفال! هذه فضيلة للعباس وكاشف عن مقام الوفاء والمحبة والأخوة. هذه كاسرة الظهر! يحقّ للإمام الحسين (ع)أن يقول: الآن انكسر ظهري وشمت بي عدوّي… ألا لعنة الله على الظالمين.



١. هل سبق وأن أرادت إسرائيل الهجوم وإلقاء الصواريخ أن أخبرت أحدا متى ستلقي  الصواريخ؟! أو متى أعلموا أحدا بإنهم سيقتلونه؟ غالبا تسعى أن لا يعلم الناس وتأخذ احتياطاتها وتعمل خططا  بديلة.

٢. الخصائص العباسية ص270.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬749 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.