تقدم القراءة:

اللهم تقبل منا هذا القربان ٤

الأحد 20 محرم 1440مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

الفرق بين قبول القربان وتقبّله

   (اللهم تقبل منا هذا القربان) كل كلمة من هذا الدعاء تنطوي على المنهج القرآني الأصيل الذي خالط وجود العقيلة زينب صلوات الله وسلامه عليها وذاب في ذلك لحمها ودمها وسرى في عروقها.

التقبل: فيه غاية العناية لكونه أشدّ من القبول. وهو حكاية عن نهاية مجهودها وطاقتها واستطاعتها وصبرها ومكنتها سلام الله عليها، فإن كمال تقوى الفاعل هو شرط الكمال والتقبل لا القبول. وقد قال أستاذنا الجوادي في ذلك: لو كان متن العمل الذي يقوم به الإنسان تقوى ولكن الفاعل ليس تام التقوى في ذاته فلا يتقبل عمله بنحو كامل (أي يكون مقبولا وليس متقبلا).

القربان المردود

   عطفاً على حديث القرآن عن القربان وتسليط الضوء على الطرف الثاني من القربان المردود والمرفوض تظهر عملية التقرب المقبولة وشرائطها، وبالضد يعرف الضد قال تعالى في قصة ابني آدم: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ المائدة/27 هنا يُبين لنا القرآن علة رفض قربان قابيل وقد أعطى هنا (قاعدة كلية) لرفض القربان أياً كان نوعه وكشف عن معيار دائم لا يخص تاريخًا معيّنًا أو حدثًا أو شخصًا معينا، فهذا أصل كليّ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. التقوى هي روح قبول العمل لأن بدن العمل لا يصل إلى الله ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ الحج/ 37 وإذا فقد العمل هذا الشرط فلن يكون مردودًا وحسب وإنما عامله عاصٍ ومشرك.

عملية تشريح إلهي لصدر المتقرِّب

   يتضح من سياق القصة أن قلب قابيل كان – من أول الأمر-  مليئًا بالحسد الذي لا يجتمع مع قبول حقيقة ردّ قربانه وتقبل قربان أخيه، ولهذا قال مباشرة: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾. والحقيقة أنه لو كان مؤمنًا بالله طالبًا للحق ثم انكشف له أن الله لم يقبل تقربه فالأولى أن يوجل من لقاء الله تعالى ثم يشك في نفسه أو على الأقل يتّهمها بالعيب والنقص، فكل معتقد باليوم الآخرأوّل ردّة فعله بعد علمه بأن الله لم يتقبل عمله هو الخوف، ولهذا لاحظوا ماذا قال المؤمن العارف بالله هابيل، قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚوَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ المائدة/ 29.

    وكأن القرآن قام بعملية تشريح ليست مادية وليست للقربان، بل لصدريّ وقلبيّ هابيل وقابيل، تشريحًا معنويًا معرفيا، فهذا قلب مملوء معرفة وإيمانًا بلقاء الله وذاك غارق في محبة ذاته ومستعد أن يقنّع هذه الذاتية بعبادة الله.

التوحيد وتقبّل القربان

   التوحيد بالمعنى الواقعي شرط لكي يحقّق الإنسان القربى واقعًا وعقلا، يجب أن يقبله الله لا أن يقبله الناس ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ فليس العمدة أن نقبل – نحن – العمل أوأن نراه أخلاقيًا وقيميًا وأن نتعاطف مع آثاره، إنّ تدّخل اجتهاداتنا وتصوراتنا وتحليلاتنا لا تضفي على العمل مقبولية، وبالدقة أقول: من هو فاعل القبول في العمل؟ نحن؟ أم المجتمع والعرف أم ذوقنا؟!

   الآية هنا تؤكد أن فاعل القبول هو الله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ ونحن في هذا الكون لسنا فاعلًا مستقلًا في شيء، وهنا يتجلى التوحيد والفهم التوحيدي الخالص، فنحن إذا ما تساهلنا وتسامحنا وأغمضنا عن هذا البعد الذي يعطي للعمل أهميته وقيمته فإنّ تسامحنا – الإنساني بزعمنا – لن يضيف للعمل حُسنا ويجعل العمل مقبولاً ومقربا من الله، إلا بإحراز المطلوبية والمحبوبية لله. لأن القبول المقرب منحصر في الله فقط ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾، فقبولنا لا يغير هوية العمل.

الإيمان باليوم الآخر شرط آخر للتقرب

 الإيمان باليوم الآخر من أهمّ علامات الإيمان، وهو الغاية من إتيان الأعمال الصالحة، لاحظ قوله تعالى في وصف المؤمنين:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ المؤمنون/ 60

جاء في تفسير الميزان أن المعنى:

والذين ينفقون ما أنفقوا أو يأتون بالأعمال الصالحة والحال أن قلوبهم خائفة من أنهم سيرجعون إلى ربهم، أي أن الباعث لهم على الإنفاق في سبيل الله أو على صالح العمل ذكرهم رجوعهم المحتوم إلى ربهم على وجل منه.

‏وفي الآية دلالة على إيمانهم باليوم الآخر وإتيانهم بصالح العمل وعند ذلك تعينت صفاتهم أنهم الذين يؤمنون بالله وحده لا شريك له وبرسله وباليوم الآخر ويعملون الصالحات”(١).

ومن غرر الروايات قول الإمام في وصفه للمؤمن: “المؤمن يتهم على العيب نفسه”(٢).

هذا عنصر مهم وأساس في مقبولية العمل، الإيمان بلقاء الله والبعث والحشر والنشر والحساب والعقاب هو الذي يجعل الإنسان يفرغ ذمته أمام الله، وكما يقول أستاذنا الجوادي: كل فعالية يقوم بها الإنسان وهي مفرغة من الخشية من الله فهي ساقطة عن القيمة واقعًا وليس شكلًا واعتبارا.

قبول كلّ الأديان شرك جليّ

   بعد وضع هذه المعايير الدقيقة هل نجد معاذير وتبريرات لأي مسالك بشرية قد قررت حقوقًا للحيوان وللبيئة وما شابه وفرغتها من كونها آيات لله؟!

إذا تعمقنا في مسألة قبول كل الأديان سنقع في الشرك الجلي، لأن معنى تعدد الديانات واختلافها في الأصول ينتهي إلى عدم وحدة المعايير، لاحظ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ البقرة/ 165 لماذا عبر بالأنداد (الجمع)؟

لأنه بعد الانحراف عن التوحيد الخالص ليس هناك إلا فوضى الأهواء كما يقول أستاذنا الجوادي: ليس هناك سمة واحدة ولا معيارًا موحدًا ولا شروط موحدة فالأهواء كثيرة ولذلك عبر عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّه﴾ وفي الواقع هذا التعدد نتيجة طبيعية ومعقولة إثر تعدد المعايير، ولذا قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ص/ 5

والآن إذا قلنا أنه لا يوجد في الخارج ديانة حقة إلا ديانة الإسلام فسيقال لنا: إن هذا لشيء عجاب!! وماذا نفعل باختلاف مشارب الناس وأذواقهم وميولاتهم وقناعاتهم؟!

نعم جاء الإسلام لتأسيس هذه النظرة الواقعية للوجود. ولأهميتها أعطى الأنبياء كل ما عندهم قربانا مقابلها.

كربلاء قُدّم على أرضها أصفى الدماء لبقاء هذه الواقعية، ولهذا فكل تربته صلوات الله عليه في كربلاء هي شفاء من داء الشرك والهوى.



١. الميزان ج15 ص40

٢. الكافي ج2 باب المؤمن وعلاماته وصفاته

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 75٬036 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 0 (0)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (1)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 0 (0)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها