ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 اللهم تقبل منا هذا القربان ٣

تقدم القراءة:

اللهم تقبل منا هذا القربان ٣

الأحد 20 محرم 1440مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

(اللهم تقبل منا هذا القربان) خطاب هو أشبه بذكر الصلوات في كربلاء، به فتحت واقعة كربلاء واتسعت، وبه اختتمت وبه تُختم.

القربان القصة الأولى التي يذكرها القرآن مباشرة بعد ذكره لقصة هبوط آدم وحواء من الجنة وحديثه عن خلق آدم ونسبته إلى الله وعلاقته بالملائكة وعلاقة الشيطان به وبذريته، بعدها يسكت القرآن عن شخص آدم وزوجه  ليباشرنا بالحديث عن قصة قربان ابني آدم! في خضم ذلك لنا أن نسأل: أين ذهب آدم؟ كيف عاش؟ وكيف تعرّف على الموجودات من حوله؟ ماهي رسالته؟ متى توفى؟ وتفاصيل كثيرة قد سكت عنها القرآن، حتى نفس ابنيه لا نعرف عنهما شيئا سوى قصة القربان الذي قرباه وانتهائها بأول سفك دم على وجه الأرض والتي عبر عنها القرآن بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ المائدة/32

 القصة أشبه بما نحن فيه من هذه الشبهة القديمة المتجددة والتي ولدت وغُذيت وتعقدت ولا تزال تولد في ظرف أي صراع ونزاع وخلاف يأخذ له طابعًا أو مبرّرًا دينيّا وينتهي في آخره إلى أسوأ ما يمكن أن يقع من الإنسان من القتل والسفك والوحشية والسبعية. وسيتبيّن لنا أن الدين أبعد ما يكون عن ذلك.

شبهة الهدنة بين الحقّ والباطل!

   أدى رفع شعارات دينية وإدخال الله والمقدسات والقربات داخل ساحة الاقتتال – للأسف – بالبعض (عندما عجز عن فك معقداتها) إلى خلق هدنة ليست من نوع الهدنة السياسية أو الاجتماعية ولا حتى الأخلاقية، بل هدنة وجودية بين التوحيد والشرك، بين الحق والباطل، بين التقوى والأهواء، بين القيم العليا والسفلى المتضادة! وقد سمعت بنفسي وفي ساحاتنا الثقافية والعلمية من يقول: ما الفارق بين مشروع الحق والباطل إذا كان كلاهما يعتقد بصحة ما هو عليه ويدافع عنه وكلاهما صادق في دفاعه! كلاهما يصلي ويصوم ويتعبد بكافة العبادات… فكلاهما يريدان التقرب!

ولنفهم هذه الشبهة القديمة الجديدة نلاحظ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾المائدة/ 27 هذه هي قصة الحق وبالحقّ. القرآن أحيانا يقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ يوسف/ 3 فيكون الجانب الجمالي هو البارز في القصة. وأحيانًا يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ وهذا منهج القرآن الكريم في طرح القصّة، فقد يكون غرض القرآن بيان حقائق ومفاهيم معينة فيذكر أضدادها ولوازمها ويضع محاور البحث كاملة لكن بطريقته التي تتناسب والهداية والتزكية، وأحيانا يكون للحقيقة التي يريد بيانها أهمية عظمى لخصوص كونها حقيقة مستمرة ودائمة في حياة الإنسان فهو يوضّح هذه المفاهيم بحدث وقع في الخارج وبقصة تاريخية وليس بصرف المفاهيم المفترضة، لأن الإنسان هو الإنسان، فحقيقته مستمرة ودائمة تتكرر، لذلك فإن القرآن مثلًا لم يذكر اسم النبي محمد صلوات الله عليه وآله إلا أربع مرات لكنه تحدث عن أخلاقه وصفاته وقيامه وقعوده ونمط حياته ووجوده ومماته ودوره.

القربان الأوّل

   لأهمية موقعية القربان في حياة الإنسان كان لا بدّ من عرض محتواه ضمن قصة واقعية يركز القرآن فيها على العناصر الدخيلة في التشكيل البنيوي لهذه الحادثة.

 فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾

قال: (اتلُ): أي قراءة متأنّية.وقال: (نبأ) وهو الحدث المهم الذي يستحق الإصغاء.

(ابنيّ آدم) وهما من جنس الإنسان وفصله ولذا لم يذكر اسميهما. إذاً المسألة طبعيّة لا لوجود حالة خاصة استثنائية.

وقال: (بالحق) لأن العمدة هنا تحديد موضوع الحق والواقع.

القرآن تحدّث عن أوّل قربان وقع على وجه الأرض وكان منه منطلق صراع الإنسان، فهناك من يسير لله فيقدم ـ لحبه وتوحيده لله ـ قربانًا واقعيًا مضمونه التقوى. وعلاقة الإنسان بالله في القرآن طرفينيّة، فعلى الرغم من أنّ الله غني عن الإنسان لكنه يتقبّل أن يبادله الحبّ بالحبّ والقربان بالقرب.

ما هو هذا القربان؟

هل هو حسي ماديّ كأضحية  كبش مثلا؟ أم هو معنوي روحيّ كذكرٍ أو صلاة أو صوم؟

   لم يذكر القرآن ما هو القربان إذ أنه ليس المهم هو هذا، ففي كل زمان وكل مكان وعلى أي ظرف وبحسب توحيد كل إنسان يمكن أن يقرب شيئًا يحبه لله تعبيرًا عن محبته وطلبه لقربه ولرضاه وهو الأهم عند القرآن، ولذا حين يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَايُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ﴾ البقرة/ 219 فإنه لا يحدّد مادة الإنفاق ولكن كل ما يمكن إنفاقه خالصا لوجه الله فهو مقبول، إذن العمدة في القصة ليس طبيعة وشكل وصورة القربان  بل أمرًا أعمق من ذلك.

   قال البعض أن القربان كان كبشًا والبعض قال حنطة، وأن علة تقبل قربان هابيل أنه اختار كبشًا سمينًا وفيه خصائص بعكس قابيل. كل هذا لم يتعرض له القرآن بل ذهب إلى الأمور الفوقية العلوية لأنه لا يهتم بمظاهر الطقوس فقط بل بمضامينها.

علامات قبول القربان

  سؤال: كيف عرف قابيل وهابيل أن قربان أحدهما تقبل بخلاف الآخر؟

قال البعض حيث كان هابيل وقابيل حديثيّ عهد بالسماء والغيب والملائكة ولا يوجد في الأرض ما يشوّش بواطنهما ولا ما يشغلهما لذا فالبعد الغيبي بالنسبة لهما قريب ويفهمان صوت الغيب كالطفل حديث العهد بالفطرة، ولعله يُستظهر من الآيات أنه كان معهودًا في الأنبياء السابقين أن علامة قبول القربان هو نزول نار من السماء تأكل القربان وبه يعرف أنه قد قُبل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ﴾ آل عمران/ 183 فلعلهما قدّما شعيرًا مثلًا أو فاكهة أو شيئًا مهمًا بالنسبة لهما وكان قبول قربان أحدهما واضحًا لم ينكره قابيل ورُدّ قربان الآخر.

المضمون هو المعيار

  اتضح أن النقطة المهمة التي يركز عليها القرآن هي التعليل الذي ذكره صاحب القربان المقبول إذ قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فيبين هنا قيمة تسمية القربان قربانًا لأنه صدر عن قيمة غالية وعالية وإرادة ربانية، فالشكليات والمظاهر والصور تتشابه وربما تكون متساوية ولكن المضمون هو المعيار، ونحن نرى اليوم في الظاهر أن هناك فعاليات وعالم يموج بالتغييرات والصراعات، وكذلك هناك مظاهر نطلق عليها حضارة وتقدم، أخلاق، رياضات روحية وتهذيب، لكن صرف التسميات لا تقدم ولا تؤخر ولا بد من معايير لبية.

هذا الهدف هو غاية الديانات لاحظوا قوله تعالى :﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ﴾ السجدة/ 18

وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ﴾ الزمر/ 9 الذوات هي المرجع وكل ما بالعرض يعود لما بالذات. لم يقل الإيمان والفسق لا يستويان لأنهما كمفهومين صوريين في الذهن ليس لهما ما بإزاء في الخارج ولا يترتب عليهما أثر وجوديّ، لذا إنما يستويان في حدود كونهما مفهومين في الذهن كاسمين ـ كما لو تصورنا مفهوم صورة النار في الذهن فهل تصدر حرارة؟ أو تصورنا مفهوم الثلج فهل تصدر برودة؟! ـ وأما إذا تلبّست بهما الذوات فهم لا يستوون.

كربلاء واجتثاث الباطل

   من كربلاء نتعلم أنه حتى بعض المشاعر يمكن أن تتشابه ويمتزج فيها الحق بالباطل، فلا بد من تمحيصها وتنقيتها وبيان المشوب من المتقبل. صرف البكاء والتفاعل العاطفيّ ليس هو المرجوّ من المؤمن فأمثال هذه المشاعر تصدر حتى من البوذيّ والملحد فلا يعيرها الدين أهمية. أليس البكاء على الإمام الحسين (ع) عبادة مارسها النبي (ص) والصديقة الطاهرة (ع) والأمير (ع) والإمام الحسن (ع)! ـ مع ذلك ـ أولم  تنهر السيدة زينب (ع) أهل الكوفة حينما بكوا على الإمام الحسين (ع) وقالت لهم: “أتبكون!! فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة”

كان لا بد للإمام الحسين (ع) أن يقوم بعمل يكشف به كفر بني أمية، إن مجرّد الانقلاب على يزيد – بل حتى مع فرض انتصار ثورة الإمام الحسين (ع) المقدسة – لن يكشف بواطن الأمور، ولن توضع منصة لمحاكمة التاريخ وفق الحق، بل كان يجب على الإمام أن يقيم الشاهد تلو الشاهد والدليل تلو الدليل والبرهان تلو البرهان ويعطى القربان تلو القربان…

كل أعمال وتصرفات الإمام عليه السلام منذ أن رفض البيعة ليزيد وأعلن عن ذلك بصراحة كلها كانت محاكمة ومرافعة بليغة للأمة علّها تتوقف عن الانحدار الهائل. إن خروجه عليه السلام في يوم التروية حيث يجتمع فيه الحجاج من مكة وانجلائه عنها خوفًا على قتله واجهاض نهضته لهو دليل صريح على كفر بني أمية لأن الله يقول ومن دخله كان آمنا، ثم تتوالى الأدلة والبراهين سافرة في أرض كربلاء.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬752 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.