ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 اللهم تقبل منا هذا القربان ٢

تقدم القراءة:

اللهم تقبل منا هذا القربان ٢

الأحد 20 محرم 1440مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

   شعارنا في هذا العام بعنوان (اللهم تقبل منا هذا القربان) وهو دعاء منسوب لعقيلة الطالبيين زينب بنت أمير المؤمنين (ع)، دعاء لا يصدر إلّا عن لسان عارف بأسرار الربانيّين ومطّلع على خفايا وخبايا الأولياء وقد حلم دهرًا بأحلام تتناسب وقمم الرسل والنبيين. ولا يمكننا حمله على المبالغة  لأن سياق الأحداث الزمني الذي صيغت كلماته فيه ليست من ساعات المبالغة، وليست من لحظات الأماني الكاذبة، يؤكّد ذلك طبيعة القربان ومقامه وخصائصه ـ الحسين (ع) ـ والحال التي هو غارق فيها  بدمه، ثم إن وضع السيدة العقيلة زينب أخت الحسين (ع) ومواقفها كلّها شواهد صدق على عمق هذه المقولة وقبول هذا القربان.

   عبارة السيدة زينب “اللهم تقبل منا هذا القربان”(١) إشارة قوية واضحة ولها دلالاتها الرمزية والفلسفية الغائرة والمفتوحة على عشرات الآلاف من القراءات والتحليلات، ولقد قدّمت عبارتها كنزاً معرفياً غاية في الأهمية ومثلت مركزية في الدعوة إلى قراءة ما هو خلف الواقعة.

القيمة العلميّة والعمليّة للشعار

   كلنا يعلم أن الامام الحسين (ع) استشهد من أجل الدين ولولاه ما بقي للدين رسم ولا اسم، أمر يكاد أن يكون مسلّم به حتى لدى من لا يعرف الارتباط بين قيام الإمام الحسين (ع) والدين، وهذا هو الواقع الموضوعيّ الذي لا يمكن أن يشك فيه باحث منصف. وبمقتضى حركة الإمام الحسين (ع) – الذي خرج لإصلاح أمّة جده – فإنه في كل زمان وعلى مرّه تكون هناك مواضيع ومسائل ومواقف لها – في معالجاتها – أولويّة بالقياس إلى أهداف الإمام الحسين (ع) الأساسية وأن الدفاع عنها يصب في نفس أهدافه، ولا زال – من تلك المواقف – ما يحتاج لتقديم رؤى وأفكار ومواقف لإقامة المعطل من دين الله وردّ المعالم الإلهية ودفع الشبهات الأساسية التي تؤدي إلى الضلال. وبالتأمّل في واقع الأمة الإسلامية وفي واقعنا الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي أتصور أن لهذا الشعار أهميّة لأنّه يؤسّس لنظرة صحيحة وإحياء لحركة عاشوراء وحركة الإمام الحسين (ع) في واقعنا الذي نعيشه آنا آنا. وسيتّضح ذلك بعد بيان معنى القربان.

 شبهة التعبّد بكلّ الأديان

  لعل أخطر شبهة قد أثيرت في الآونة الأخيرة هي مقولة صحة التعبّد بكلّ الأديان، سيّما إذا كان الإنسان قاطعا بحجّيّتها، وتساوي السلوكيّات الأخلاقيّة والمعنويّة إذا قام الدليل عند أصحابها على حسنها!

  أذكر أنّ الشيخ المصباح اليزدي قال قبل عشرين سنة: لم تمرّ محنة وشبهة فكريّة منذ زمان الإمام الصادق (ع) أضرّ على الإسلام والمذهب من هذه الشبهة! حينها استكثرت هذه الدعوى، ثم بدا لي مع الأيام ومتابعة ارتداداتها أنّ تقييم الشيخ المصباح غاية في الدقة وأنه استشراف أو إلهام روحيّ أجراه الله على لسان ولي من أولياءه.

   و يلزم من ذلك الكلام أن كل إنسان يقطع بحقيقة معينة ويرتب عمله على اطمئنانه وقناعته والتزامه بها فعمله صحيح وهو غير مأثوم! بل زادوا على ذلك أنه مقرّب إلى الله ونيل رضاه! وأن ذلك الالتزام دليل على التقوى والكرامة الإلهية، وأن معنى الآية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء/ 70 أن التسليم أو العناد هما ميزان تقرب الإنسان إلى الله أو ابتعاده عنه وأنه لا يوجد ملاك واقعيّ للتشريعات ولا شيء خلف الأوامر والنواهي الإلهية إلا التسليم ولو كان في الواقع من معصية فإن فاعلها مثاب ومتقرّب بها إلى الله. وهذه هي كبرى الشبهات.

  ثم هناك تطبيقات مخففّة على هذا التأسيس خصوصًا أن الكثير من المتديّنين قد لا يقبل أو قد يتحسّس من هذا الإطلاق، فلا بدّ لهم من ترقيقه وتذويبه في الأخلاق والروحانيات وفي أسلوب التواصل والارتباط مع الآخر، والتأكيد على أنها لا تتوقف على دين ولا مذهب معين، بل حتى صدور الكرامات وقضاء الحاجات – لديهم – تحدث عن طرق اكتشاف علم النفس لقوى نفسانية تحلّ مشكلة إنسان العصر وأزمته. ويبقى محور القيمة في الموقف أو الفكرة هو قناعة الإنسان وأنها هي المسافة الفاصلة بين الحق والباطل  سواء كان الإنسان زرادشتيّا، بوذيّا، مسيحيّا، مسلما… فلا فرق.

القربان في نظام الخلقة قانون أصيل

  إذا حلّلنا هذه المقولة من السيدة زينب: “اللهم تقبل منا هذا القربان” في أبعادها فسنجد فيها جوابًا شافيًا يعالج هذه الشبهة. ولنعرّف – أوّلا – معنى القربان لفظيًا ولغويًا والذي هو العمدة في البحث:

القربان في اللغة من القرب وهو وسيله التقرب وهو أعمّ من التوسّل إلى غرض راجح أو مرجوح.

مثال: إذا أراد المؤمن أن يكون تقيّا فستكون الصلاة وسيلته، لذلك حين يقايس بين الهدف والوسيلة فقد يتوسل ـ أحيانا – بالإتيان بعمل أو تقديم شيء لنيل هذا المقام “الصلاة قربان كل تقيّ”(٢) وأحيانًا قد لا يتحقّق له القرب إلّا برفع أو دفع شيء يحول بينه وبين غايته التي يريدها، فإنه لن تقبل أعمالكم حتى تزكوا أموالكم فتكون الرغبة من الإنسان في القربى بعمله بدفعه من ماله لغيره لأنّ المال يكون حاجبًا ومانعا.

  هذا قانون جارِ في كلّ أحوال الإنسان ما دام موجودًا في دار التزاحم. فمن أحبّ العلم – مثلا- وتعلّق قلبه به فلا شك يجب ألّا يحبّ الراحة والكسل والشبع، ولا بدّ له من دفع قيمة لشراء الأهم، وسيربح في الدنيا أناس وسيشقى آخرون، وهذه المعادلة تشمل الشقيّ أيضا فالذي يريد أن يقترب إلى هدفه ـ شهواته وأهوائه ـ  فلا بدّ أن يقايس الأمور الفاصلة بينه وبينها فيبعدها ويرى ما يمكن أن يفعله ليقترب إلى هدفه.

القربان في نظام الخلقة قانون أصيل. والقاعدة في الآية مطلقة ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ القيامة/5 وإن كانت الآية التالية لها تتحدث عن مثال في حق الكافر ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ ولكن القاعدة تبقى مطلقة لاستحالة اجتماع المتزاحمين في وقت واحد. فالحياة قائمة على تقديم القرابين وفداء شيء مقابل آخر.

قربان المعنويات والقناعات!

القربان كما قد يكون أمرًا مادّيّا فقد يكون أمرًا معنويّا أيضا، كتبديل قناعة بقناعة ثانية.

مثلا:هل كان عمر ابن سعد مقتنعا بحقّانيّة قتل الإمام الحسين (ع) ؟! وهو القائل:

 أأترك ملك الريّ والريّ منيتي

 أم أرجع مأثوما بقتل حسينِ

حسين ابن عمّي والحوادث جمّة

لعمري ولي في الريّ قرّة عيني

هو هنا يقرر أن الري قرة عينه، والحسين ابن عمه. ولو تزاحم الأمران فلا بدّ أن يغيّر قناعته ليختار أخطر الأمرين بالنسبة له، كلّ قناعاته يجب أن تكون قربانًا لشهواته حتى يقول: ” يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري”.

  إننا في يومنا من حيث لا نشعر نغيّر قناعات كثيرة من أجل أهدافنا وغاياتنا، وحتى من أجل أهوائنا ونقاط ضعفنا.

لو كانت القناعة هي المعيار والميزان الثابت إذن لماذا تغيّرت قناعة عمر بن سعد؟! الإنسان ليس مجرّد قناعات. الإنسان روح وقلب وعقل وشهوات وعلم وجهل وغفلة وأمشاج…

نعم قناعات الطاهر المعصوم من الزلل معيار وميزان و ثوابته حجج.

 حينما أراد الإمام الحسين (ع) الخروج من المدينة مع أهل بيته وأخواته وأطفاله ذهب يلوذ بقبرالنبي (ص) وقبر أمّه الزهراء(ع) ليتزوّد منهما في ساعة البأس وإذا حمي الوطيس، كما قال أمير المؤمنين: “كنا إذا اشتد البأس وحمي الوطيس اتقينا برسول‏ الله (ص) و لذنا به”(٣) ليتمّم تقرّبه وليكون قربانًا محمّديًا فاطميّا كونيّا.

 ألا لعنه الله على الظالمين.



١. عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال جـ11 ص 958

٢. نهج البلاغة الحكمة 132

٣. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد / ج‏13 / 279

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬752 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.