تقدم القراءة:

حينما نجد أنفسنا في الزهراء (ع)

الأثنين 5 مارس 2018مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

مقدمة:

 لا شك أن الإنسان منذ أن يولد وهو يبحث عن نفسه يريد أن يتعرف عليها، عن حقيقته وواقعه، فيبدأ بحثه عن نفسه من المهد إلى اللحد.. هذه مسألة مسلمة والإنسان يدركها بوجدانه، ولوضوح هذه المسألة وجدانًا فإننا نجد أنه مما يثير العجب أن يبحث الإنسان عن الأشياء من حوله ولا يبحث عن نفسه وقد ورد عن أمير المؤمنين علي (ع): “عَجِبتُ لمـَن يُنشدُ ضالَّتَهُ وقدْ أضلَّ نفسَهُ فَلا يَطلُبُها”.*

هذا البحث عن النفس يبدأ من الطفولة، إذ يبدأ الطفل في تحسس أعضائه، وحتى حين يكبر الإنسان يظل هذا الباعث والدافع موجودا، فنلاحظه بشكل تلقائي ينظر إلى نفسه حين يمر على مرآة، وينظر إلى نفسه حين يرى صورة تجمعه مع آخرين يريد أن يتعرف عليها ويشخص نفسه ويعرف شكله.

عندما يرى الإنسان نفسه في مرآة، هو في الواقع يريد أن يعرف ظاهره وشكله، ولربما لذلك يستحب للإنسان أن يصطحب في أسفاره مرآة، وينقل عن النبي (ص) أنه لم يكن ينام إلا والمرآة تحت رأسه، فهذه مسألة مهمة، وحالة وجدانية وطبيعية حقانية ليست فقط لكي يعرض الإنسان نفسه على الآخرين وإنما هي حالة حقيقية واقعية تستحق الاهتمام.

ويظل الإنسان يبحث عن مرآة هي أكثر صفاء حتى يستطيع أن يتعرف على نفسه أكثر، ولهذا يجب أن نبحث عن مرآة واقعية تكون أكثر شفافية، يبحث فيها الإنسان عن قدره لا عن شكله فقط.

وكما أن للإنسان باعث ليتعرف على شكله الخارجي فلديه باعث لأن يبحث عن واقعه، لأنه بعد السعي الحثيث يُدرك أن تعرّفه على نفسه لا يكون من خلال تعرّفه على أعضائه وشكله؛ وإنما من خلال تعرّفه على حجمه الواقعي وجماله وحسنه الواقعي وسعادته الواقعية، وفي البداية يتصور الإنسان أنه بإمكانه أن يرى نفسه من خلال الوالدين والأقرباء، ثم يفهم أن هؤلاء خاضعين لعواطفهم ومحبتهم ومشاعرهم فيبحث عن صديق أو كتاب يعرّفه على نفسه، ثم يبحث عن أستاذ يعرّفه على نفسه وهكذا… فنراه يبحث عن صورة هي أكثر مرآتية ولذا إذا قيل: المؤمن مرآة أخيه المؤمن، لأنه عندما يقابله يكشف له حقيقته، وهذه الرواية تصلح دليلًا لإثبات حق الإنسان المؤمن على أخيه، وهو أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويحافظ على مصالحه، وهو بذلك يكشف له صورته وباطنه.

 هذا البعد الوجداني عند الإنسان، وهذا الباعث الطبيعي للبحث عن نفسه وجّهه اللسان الديني نحو مركز أساسي وقال لنا أن الزهراء (ع) هي ليلة القدر، هي المرآة الشفافة التي تكشف للإنسان نفسه وسعادته وقدره وحجمه ورزقه الواقعي. ورد عن الإمام الباقر (ع) في تفسير سورة القدر، قال: “إنّ فاطمة هي ليلة القدر، من عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر”(1)

 ماذا تعمل ليلة القدر؟

ليلة القدر ينكشف فيها الغمام عن السماء وعن الملائكة وتنزل فيها الملائكة لكي تحدد للإنسان قدره – والمراد بقدره رزقه المادي والمعنوي، سعادته وشقاؤه، وقدرته على العبادة والمناجاة والجهاد – وفي تلك الليلة تحديد رزق الإنسان، وعمله خيرًا كان أو شرا، توفيقه، مرضه ،صحته و سلامته… كل هذا يتعين في ليلة القدر.

 ومن لم يتوفق في إحياء ليلة القدر يخسر قدره، فالذي لا يستطيع أن يتماسّ مع ليلة القدر ولا يستطيع في ليلة القدر أن يكون قريبًا من هذه المرآة الشفافة التي تحدد له حجمه وقدره، فهذا الإنسان يضيع ويتيه عن حجمه وسعادته وصلاحه ورزقه الواقعي ولهذا ورد عندنا عن الصادق (ع) أنه قال: لمّا ضُرب الحسين بن عليّ (ع) ثمّ ابتدر ليقطع رأسه، نادى منادٍ من قِبَل ربّ العزّة تبارك وتعالى من بطنان العرش، فقال: “ألا أيّتها الأمّة المتحيّرة الظالمة بعد نبيّها!.. لا وفّقكم الله لأضحى ولا فطر”، ثم قال أبو عبد الله (ع): لا جرم والله ما وفِّقوا ولا يوفَّقون أبداً حتّى يقوم ثائر الحسين (ع)”، وهم بالتالي لا يهتدون إلى ليلة القدر ولا يعرفون حجمها، وضياع ليلة القدر هو ضياع مصير وتوفيق هذه الأمة، فإذا أضاع الزعماء والمتصدون لشؤون الأمة ليلة القدر فسوف تُضيع الأقدار والإمكانيات ويضيّعون الطاقات التي بأيديهم فيخضعون لذليل ويستنكفون عن الارتباط بموارد القرار الواقعية والحقيقة، وليس هذا إلا ارتجاج في معرفة قدر الإنسان والاستفادة منه، وفي النهاية يضيع قدر الأمة وتضيع أرزاقها المعنوية. إذاً من أضاع ليلة القدر فقد أضاع  قدره.

  ما هو سر ليلة القدر؟

يكمن سر ليلة القدر في شفافيتها، سرّها أن الإنسان يبحث عن مرآة أكثر نورانية وشفافية فيها ليرى نفسه ويعرف قدره، الزهراء (ع) ليلة القدر لأنها تزهر وتضيئ، وهي مثل النور الذي يكشف  للإنسان نفسه.

 عندما تأتي الآيات وتقول أن من معاني الآية: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ” النور/ 35

أن النور يُريك الواقع والحقيقة، ويكشف لك عن الموجودات الخارجية وعن طريقك، وهذا المعنى ينطبق على الصديقة الزهراء كمصداق لذلك النور.

ما هو ارتباط ليلة القدر بالصديقة الزهراء(ع)؟

 عندما يُضيع الإنسان علاقته بالصديقة الزهراء (ع) فهو ُيضيع المرآة التي تكشف له عن نفسه وقدره وصورته وسنته وكل ما سوف يجري عليه في هذه السنة من خير أو شر. فيجب أن تبقى الزهراء (ع) مرآة أمامنا في كل حياتنا، وفي كل يوم نجعل الزهراء (ع) أمامنا فسوف تكون هذه ليلة القدر، ولعل هذا معنى الروايات التي تقول أن ليلة القدر يمكن أن تكون أي ليلة في السنة، لأنه في أي يوم وفي أي ساعة جعلت الزهراء (ع) أمامك فسوف تحدد حجمك وقدرك، وكلما قِست نفسك من خلال هذه المرآة فسوف تعرف صلاحك من شقاءك، وسوف تهتدي وتصل إلى حجمك الواقعي. وعندما ترفع هذه المرآة سوف تتيه، ولن تكون صورتك واضحة بالنسبة لك، ولن تعرف الخير من الشر، وبدون أن نجعل الزهراء (ع) مرآة لنا لن نميز ما يصلحنا مما يفسدنا.

ولذلك ما وقع فيه أكثر الحداثيين هو أنهم لم ينقّحوا هذه المرآة، ولم يحققوا، ولم يزيلوا الشوش الذي أمامهم في المستجدات وفي التلقينات الخارجية لكي يروا أحجامهم في هذه المرآة الواقعية. فبعضهم تبدو لديه صورة الزهراء (ع) غير واضحة، وعدم الوضوح لم يأتِ من النور الصادر من الزهراء (ع)، بل من كونهم يفتحون عيونهم داخل غبار الحياة الدنيا في ظرف هذا الشوش والتجديد والاندفاع غير المتوازن تجاه التحديث  لذلك لم يستطيعوا أن يروا الحقائق، ولذلك ربما يتصورون أن الزهراء (ع) لا تصلح أن تكون أسوة وقدوة ومرآة للمرأة في هذا الزمان، وهذا أمر حساس وخطير.

يذكر أنه في إحدى السنوات، وفي حياة الإمام الخميني (ر.ض) كان تلفزيون الجمهورية الإسلامية في إيران يجري لقاءات مع النساء في الشارع في أيام ذكرى ميلاد الزهراء (ع ) وكان البث مباشرا، فسأل أحد المذيعين إحدى النساء: من هي قدوتك؟ قالت له أن قدوتها أوشين (وهي ممثلة يابانية  كان يبث فيلم من بطولتها آنذاك) فقال المذيع: ألا تصلح الزهراء (ع) أن تكون قدوتك؟ فقالت: الزهراء (ع) كانت قدوة في زمانها أما في زماننا فهي لا تصلح. حينذاك اتخذ السيد الإمام إجراءات حازمة مع المسؤولين عن الإذاعة والتلفزيون، لأنه إذا وضعنا مكان الزهراء (ع) أي شخص مهما كان موفقًا وناجحًا وسعيدًا في حياته، و أيًّا كانت تجربته فسوف نضيع  ونتيه ونضل، لأنه سوف لا يعكس لنا كل الصور بشكل صاف وصحيح ورقراق ومتوازن.

 ولهذا ما يحدث الآن من المطالبة بالتجديد والتغيير بلا موازين وبلا معرفة المعيار وبلا مركزية المرآة الأساس التي هي الزهراء (ع) يجعل هذا التجديد هو التيه والضياع.

ماذا نرى بمرآة الزهراء؟

 حين تعرض أعمالنا وأقوالنا وأفعالنا وقرارتنا وحبنا وبغضنا وإقدامنا وشجاعتنا في مرآة الزهراء (ع)، فسنرى الشخصية التي أعطت كل ما لديها من أجل الدين، التي قتلت شهيدة من أجل الحقيقة والمطالبة بحقوق المظلومين، والتي دافعت بكل كيانها من أجل إحقاق الحق والدفاع عن الولاية وإنقاذ الأمة الإسلامية، والتي تجرعت ألوان العناء للمطالبة بفدك وبإرثها حتى تضع الولاية في موقعها الرئيسي والأساسي، الزهراء (ع) التي قامت بكل هذا أصبحت حجة علينا في دورها، و مرآة نرى فيها مقدار إقدامنا ونصرتنا للحق وأهل الحق.

 وبمناسبة مولدها أقول: بعد الزهراء (ع) لا يحق لأحد أن يناقشنا ويقول: لماذا أمضيتم عمركم في سبيل هذا الهدف وفي سبيل تحقيق هذه الأمور، كان باستطاعتكم أن تعيشوا مرتاحين مثل غيركم، هؤلاء نقول لهم: هل  يمكن أن يرى شخص نفسه في الزهراء (ع)، ويستطيع أن يبرر ويجد لنفسه معاذير؟

لقد كانت الزهراء امرأة هي بنت رسول الله (ص)، ولها من الوجاهة والمقام والموقع والحيثية، ومن العبادة والطاعة رصيد كبير يكفيها لبلوغ رضوان الله سبحانه. لكن  هل كان هذا عذرًا للزهراء (ع) لكي لا تسعى في سبيل الدفاع عن المظلوم والمطالبة بحقها؟

نعود ونؤكد أن من أضاع الزهراء (ع) فقد أضاع ليلة القدر، ومن أضاع ليلة القدر فقد أضاع مرآته، ومن أضاع مرآته قد يجد صورته في المرآة الحسية ولكنه لن يجد نفسه الواقعية ولا سعادته ولا شقاءه.

 أسأل الله سبحانه أن يرزقنا في الدنيا معرفة الصديقة الزهراء (ع)، وفي الآخرة رضاها وشفاعتها وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.



* ميلاد الزهراء – 1439هـ

1. بحار الأنوار

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬124 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها