ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 من مريم إلى الأحمد

تقدم القراءة:

من مريم إلى الأحمد

الأحد 22 ربيع الأول 1439صباحًاالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين. وأبارك للمعصومين سيما خاتمهم ومراجعنا بشكل عام، وقائد الأمة الإسلامية حفظه الله، والمؤمنين ولكنّ ميلاد النبي الأعظم (ص) وسبطه بالحق الإمام جعفر الصادق (ع)، كما وأهنئ الجميع بأسبوع الوحدة الإسلامي.

وأهنيء – أيضا – بكن رسول الله (ص) والإمام الصادق، لأن في كل موطيء تطئنَه وكل عمل ونشاط تزاولنه خدمة للإسلام والدين والمذهب وبشارة وإرضاء لرسول الله (ص).*

إنه من الطبيعي أن يُلتزم بالعبادات على الصعيد الشخصي، فالمؤمن يعتقد أنه بتركها وعدم الالتزام بها يكون مستحقا لسخط الله سبحانه ولعذابه، ويرى في نفسه العبد الآبق الفار من مولاه. ولكن أن ينشغل الإنسان – أيضا – بإقامة وإحياء الدين ومظاهره خصوصا إظهار مكامن محاسن الدين فهذا مما يُعدّ شرفا عظيم المنال. 

قال الإمام جعفر الصادق (ع) في وصية لشيعته: ” وكونوا لنا زينا ولا تكونوا علينا شينا، حببونا إلى الناس ولا تبغضونا إليهم جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل شر ” وقد ورد عنهم (ع) ” إن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا” (1) وبأمثال هذه النشاطات التي تقمن عليها يكون تحبيب الناس في رسول الله وأهل بيته الطيبين الطاهرين (ع).

و(الحب هو مهر الجنة) وشرطها، ومحبة أهل البيت بعد التوحيد هي مهر الجنة، فمن استطاع إظهار محامد وجمال رسول الله (ص) وآل بيته (ع) وحببهم وقربهم إلى القلوب سواء بالدليل العقلي أو العلمي البرهاني، أو الوعظي الإرشادي والحركي السلوكي فإنه يؤهلها  بعمله – ذاك – لدخول الجنة.

ولقد ورد في الروايات أن الرسول قال لعلي صلوات الله عليهما: “لإن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت” فكل نشاط تقمن به يؤدي إلى إصلاح طفل، امرأة، شاب، هو إحياء للمجتمع، وهي رسالة لا يقوم بها إلا الأنبياء، فالتحبيب والتبشير وتقريب الناس إلى محمد وآل محمد (ص) وظيفة روحية معنوية ورسالة كبيرة.

جاء في سورة الصف قول الله تعالى نقلا عن نبي الله المسيح عيسى بن مريم قوله: ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ  الصف/6.

وحديثي عن الرسالة التبشيرية التي حملها عيسى بن مريم، النبي الذي لم يقم إلا بوظيفتين:

  • الأولى: يحل لبني إسرائيل ما حرم عليهم ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ  آل عمران /50.
  • الثانية: وهي العمدة والفصل الأساس والمقوم لرسالة نبي الله عيسى والمتمثلة في التبشير ليس فقط بنبوة النبي من بعده بل كان مبرزا لمحاسن ذلك النبي ( أحمد ).

والمعنى يراد من ذات معنى اسمه ( أحمد ) الذي سوف يأتي من بعده وليس محمد، وإن كان كلاهما اسما للنبي الأعظم، لكن رسالة عيسى ترتكز على الأحمدية لا المحمدية. وبيانه:

إن أحمد هي مبالغة من محمد، ولأحمد تأثيرها الوجودي المختلف عن محمد والأعلى في المرتبة والموقع الوجودي، فمحمد هو في حد نفسه محمود ورسالته وكذلك أعماله وأخلاقه وصفاته كلها محمودة، فيقال: ( محمد ) مبالغة في الحمد وفيما يصدر عنه من جمال وكمال وفضيلة وأخلاق وعلو ورفعة شأن، وهو ما أسماه به أبواه أو أسمياه بأمر إلهي.

لذا كان التبشير بأحمد وليس الإخبار به، وفرق بين الإخبار والتبشير، فبالتبشير يهيء الناس ويعدهم لقبول محبة الرسول أحمد والانجذاب إليه. ولأن هذه الرسالة تحتاج إلى محض وتكريس في البعد الروحي كان عيسى بن مريم نبيا روحيا من أصل تكوينه لم يشارك فيه إلا البعد القدسي الروحي، ولم يشارك في وجوده فحل، وإنما كان متوّلدا عن مريم بنت عمران على نحو المعجزة، التي كانت الملائكة تتنزل عليها وهي قائمة تناجي الله سبحانه وتعالى منقطعة لتقول لها: ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ  آل عمران/43.

وفي هذا الحال التي تنقطع فيها الأنثى في محرابها إلى الله سبحانه وتعالى يأتي جبرئيل ليتمثل لها بشرا سويا يعلمها بأمر الله وبمعجزته التي بها سوف تحمل بذكر اسمه عيسى رسولا للناس ممسوحا في الله، يحمل البشرى بمحمد (ص).

إن مسؤولية الحمل بعيسى – في الحقيقة – مقدمة لبيان خصائص محمد بن عبد الله، ولهذا لا يمكن أن تحمل هذه الرسالة إلا امرأة، ولا يمكن أن تؤدي هذه الوظيفة الجمالية إلاّها، ثم بعد ذلك تأتي نشاطات عيسى الواسعة الذي لم يكن ليُكنّه بيت ولا أن يسكن إلى أرض، طوافا فيما يقوم به – من إشفاء الأبرص والأكمه، وإحياء الموتى، والنفخ في الطين وتحويله إلى طير – مبشرا تبشيرا سلوكيا  بـ أحمد.

ولماذا هو أحمد بالذات؟

لابد أن يكون المبشر به في رسالة عيسى هو أحمد لأن رسالة عيسى سماوية محضة، والرسول محمد (ص) يقول: ” أنا في السماء أحمد مني في الأرض “(2) فأحمد اسم سماوي.

ولكن هل المراد من معنى اسم ( أحمد ) أنه يحمد الله أكثر مما يحمده أهل السماء وأهل الأرض؟!

أو أن المراد أن أهل السماوات يُدركونه أكثر؟!

أم أن معناه كقول أمير المؤمنين(ع): ” سلوني قبل أن تفقدوني فأني بطرق السماء أعرف مني بطرق الأرض “(3) من حيث أن طرق السماء غيب غامض على الناس و(أنا أكثر) علما بها من طرق الأرض فسلوني ما شئتم. ويكون قول الرسول في المقابل بنفس معناه: أنا في السماء (أكثر حمدا)؟

هناك معنى آخر قد يُراد وهو: أن من هو في السماوات منصرف إلى عالم الوحدة والتوحيد والأحدية، غير منشغل بعالم الكثرات ولا يغفل عن الله سبحانه يرى أحمد هو طريقه إلى الأحدية، ويرى أن الفيض الإلهي يتجلى في السماوات من خلال أحمد الذي هو واسطة ومرآة، بهذا المنطق سوف يصبح محمد أحمدا في السموات ليحول الناس والملائكة إلى حامدين لكل شيء.

هذه القدرة والمكنة والعلم والإدراك علّمنا إياها الأئمة في تفاصيل الحياة، ففي الدعاء الوارد قبل الوضوء عند النظر إلى الماء نقول: ” الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً، والإسلام نوراً “ فنرى الماء الرقراق سببا ( للطهارة الخارجية ) وسببا للنور ( الطهارة الباطنية ) في حين لا يرى غيرنا ذلك (4)! فمن الذي أرانا الإسلام وأزاح عن وجوهنا وواقعنا وحياتنا الاجتماعية والفكرية والسياسية الثقافية ما يخالف النور؟ إنه محمد بن عبد الله الذي نقول في زيارته: ” الحَمْدُ للهِ الَّذِي اسْتَنْقَذَنا بِكَ مِنَ الشِّرْكِ وَالضَّلالِ “. بل نحمد الله على كل تفاصيل حياتنا لمعرفتنا بمحمد، ومن يعرف أحمد سيكون حامدا لله في كل شؤونه، وها نحن نقول في دعاء يوم السبت: ”  اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ اَنْ خَلَقْتَ فَسَوَّيْتَ وَقَدَّرْتَ وَقَضَيْتَ وَاَمَتَّ وَاَحْيَيْتَ وَاَمْرَضْتَ وَشَفَيْتَ وَعافَيْتَ وَاَبْلَيْتَ “. 

ليصبح القدر والقضاء حلوا يستحق الحمد لدى المرض والشفاء والحياة والموت، وسوف يكون سببا لمعرفة تنقلات أحوالنا إذا عرفنا فضائل وشمائل وخصائص وكمالات رسول الله (ص) وأدرجناها في المجتمع وفعّلناها عند الناس، سيكون كل شيء جميلا في علاقة المؤمنين حتى ما نعتقد أنه سببا للمزاحمة، هل هناك أشد من الموت  حتى نقول حامدين: “اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ اَنْ خَلَقْتَ فَسَوَّيْتَ وَقَدَّرْتَ وَقَضَيْتَ وَاَمَتَّ وَاَحْيَيْتَ وَاَمْرَضْتَ وَشَفَيْتَ وَعافَيْتَ وَاَبْلَيْتَ”.

ليصل الإنسان إلى مقام الحمد لابد أن يكون في حد نفسه شاكرًا، فالله لم يقسم الناس إلى مؤمن وإلى كافر بل ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا  الإنسان/ 3. والذي يعرف محامد رسول الله يصبح شاكرًا لله مطلقا وللجميع، وشكره إنما عائد له، يقول تعالى: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ   لقمان/ 12.

عندما تشكر جميل محمدةٍ وفضل لشخص ما فإن هذا الشكر إذا انتهيت إلى علته الغائية في الحقيقة هو حمد لله سبحانه وتعالى عبر بيان وانكشاف واتضاح الواسطة الذي في السماء هو أحمد، وعندما تدرك هذا المعنى فإن حمدك سيصل إلى السماء، فليس كل عباداتنا تصل إلى السماء، لكن إذا حمدت وفق هذه المنظومة كان حمدك حمدا سماويا، وله أن يصل بك إلى مرتبة ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ .

إن كل ما تقمن به من نشاط وفعالية وخدمة تمسّ رسول الله (ص) وتمس الدين والإسلام والجعل الإلهي فلكن به استحقاق الشكر الجزيل، وهذه نعمة علينا وعليكن وعلى المؤمنين أن منّ الله سبحانه وتعالى على منطقتكن – التي لم يتصور أن يكون فيها عمل بهذه الدرجة من التنظيم والجدية والفاعلية – بوجود الأخوات الفاضلات اللاتي أُعدّهن بمثابرتهن لأعوام طويلة جزءًا من المشروع الديني الإسلامي الضروري الحيوي، وأرى فيهن صفات بيت النحل بمكوناتها: الملكة والعاملات، والشيء بالشيء يذكر فإذا قيل عن أمير المؤمنين (ع): (أمير النحل) لخصوصية الانجذاب والاقتداء به صلوات الله عليه.

وأرى في استمرارية عملهن والإبقاء على صفاءه وعمقه وعلميته على اتساعه للمجتمع حقيقة كاشفة عن أن الميسم الأحمدي قد مس هؤلاء، وعلى أن المرأة وصلت إلى مستوى من الوعي ومن الفهم ومن تحمل المسؤولية ومن الجدّ بحيث تريد أن تقدم الشكر لرسول الله (ص) مقابل هذه الرسالة، وهذا نوع من الحمد مثل قولنا: ” اللهم لك الحمد إن قدرت وقضيت وأمت وأحييت ” ولكنه نوع سلوكي.

 اسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقهن وأن يعطيهن الجد والاجتهاد والقوة والنشاط والإصرار والمبدئية والبقاء على هذه الرسالة.

اختتم – أخيرا – بنفس ما قاله عيسى بن مريم: ” مبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد “، ولأنه الأحمد فحق لنا أن نظهر محامده وفضائله ومعارفه وعلومه، وأن نظهر رسالته التي كلها نور للناس بكل تفاصيلها العقائدية والشرعية والفكرية والثقافية، وهذا هو الدور العظيم الذي به الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبشرى به، والذي تتحملنه رسالة إسلامية إلهية أخروية.

أسأل الله لكن التوفيق والعزّ وأسأل الله أن يمدكن بكل أسباب الخدمة لدينه وأن يجعل لكن به إن شاء الله نيل شفاعة رسول الله وآل بيته الطيبين الطاهرين في الآخرة ومجاورتهم في الجنة.

وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.


* كلمة العالمة الفاضلة بمناسبة المولد النبوي 1439هـ في محفل الحوزويات بمدينة الجبيل

1. في معاني الأخبار، عيون أخبار الرضا (ع): ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن الهروي قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: رحم الله عبد أحيا أمرنا فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا”

2. البحار 96/16

3. نهج البلاغة  خـ 189

4. لولا أحمد لما رأينا الماء طهورا، عندي زميلة كانت ذاهبة إلى أمريكا تقول من أكثر الأشياء التي آذتني أن هؤلاء لا يعرفون معنى الطهارة والنجاسة ويأتون بمواد معقمة ويغسلون فيها النجاسة ويكتفون بذلك!

     

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

إحصائيات المدونة

  • 38٬206 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الإمام العسكري هو العسكريّ بحق 5 (1)

كون الإمام العسكريّ ﴿؏﴾ هو أبو الإمام المهدي ﴿عجل الله فرجه الشريف﴾، وباعتبار أن الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) من سيقوم بمشروع العدل الإلهي الكامل، ويقيم دولة العدل، ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وسيطهر الأرض في الطول والعرض، فلا شك إن هذا القيام يحتاج إلى أتباع ومعاونين يصحّ لنا أن نسميّهم بالعسكريين.

كمال الانقطاع لرسول الله ﷺ 4 (2)

الاتباع معناه الانقطاع، والذي ينقطع وينقاد لرسول الله ﷺ ففي الحقيقة هذا يحبه الله ﷻ، وعند ذلك لا يبقى للعاقل أدنى مطمع بعد أن ينال محبة الله ﷻ ورضاه.
إذًا فمحمد ﷺ والذي منّ الله ﷻ به علينا، إذا ما انقطعنا له ﷺ أغنانا عن كل شيء؛ لأنه يقبل بوجهه وبروحه وقلبه ﷺ علينا، ويقطعنا عن ما عداه، فهو يغنينا ويثرينا ويروينا ويكسونا ويفيض علينا كونه مظهرًا لباسط اليدين بالعطية.