ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 معكم معكم ٨

تقدم القراءة:

معكم معكم ٨

السبت 10 محرم 1439مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

التأدب مع الله أصل الآداب وأولها

      يحار العقل لدى تصور ما جرى في كربلاء، وكأنه من وهم صناعة خيال خصب لمؤلف أراد أن ينقل لنا المفارقة بين صورتين: الأولى الجاهلية الجهلاء في جيش تلبّست وجوده الفتن والأهواء، وعبأته الوحشية حتى غدا كالسباع فتكًا بل أغلظ وحشية. ونعجب تصوّرًا لمن عاش تاريخ رسول الله (ص) وعرف رحمته وشهد عطف أمير المؤمنين (ع) ورأى في آلهما النماذج المتفرّدة كيف يفتك فتكًا بالأطفال والنساء والشبان؟! إن الإنسان بما هو إنسان ليأبى أن يأتي بتلك الوحشية. لكن هذا المعسكر لا لون فيه للشفقة ولا على نحوٍ من أنحائها.

     في مُقابل هذا المُعسكر صورة لمعسكر قد امتلأ وتعبأ أصحابه لا بالسلاح والإمكانيات القتالية فقط، وإنما بما كان لديهم من سجايا وخصائص أدبية عبأهم بها رسول الله (ص)، وبتلك الشفقة التي تمثلت قيمة روحية وأخلاقية منشؤها عمق التوحيد.

     الإنسان الموحد يرى في نفسه – دائماً – أنه مُدان لله سبحانه وتعالى ولرسوله ولأهل بيت العصمة والطهارة، فيصبح مُشفقًا خائفًا من التقصير في عباداته وطاعاته، وهذا حال جميع المؤمنين المعتقدين بالرؤية الكونية(١)، ونفس شعورهم وإحساسهم – ذاك – هو ما يضمن لهم توحيدهم ومعرفتهم بأسماء الله وصفاته.

  كُلما كان الإنسان أكثر حذرًا ودقة في اتخاذ المواقف التي لا يعرف حكم الله فيها والتي يحتاج فيها إلى تعليم وإرشاد؛ كلما وجد نفسه مرهونًا لكرم الله ولطفه، وبفقده لهذه الحالة  يفقد الإنسان الشفقة تمامًا.

    إذا أردنا أن نفهم ما حدث من مجريات كربلاء يجدر بنا العودة إلى تاريخ البدو الأعراب القائم على الغصب والنهب واحتلال المواقع والاستئثار بالثروات، ولا شك أن العرب تكون أشد شراسة فيما يتعلق بالمنصب وبالمقام وبالأمر والنهي… وهذا ما وقع في كربلاء.

    في المقابل العقل أيضًا يحار عندما يتصور هذا المقدار من التوحيد العميق والقيم الأخلاقية والآداب والسلوكيات التي كانت لأصحاب الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، ويراعيها أهل بيته صلوات الله عليهم في الدرجة الأعلى لاختصاصهم بمعرفة الحق.

    وإذا رجعنا إلى النصوص القرآنية سوف يبدو لنا أن هذه الآداب والأخلاقيات والانضباط الكامل لم يكن متخلّقا بشكل فجائي على نحو الطفرة، فكربلاء ما كانت إلا الكاشف عن السيرة والسلوك، ولا يمكن لهذه الآداب إلا أن تكون وفق رسوم تربوية وسلوكيات متراكبة بحيث يصل الإنسان إلى هذه النتيجة.

    ولنا أن نلاحظ شدة الخطاب التأكيدي المتحدث عن التأدب مع الله ورسوله في قوله تعالى في أول الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فإذا طبقنا سلوك وسيرة أصحاب الإمام الحسين (ع) سوف نجد أنها وليدة هذا التوحيد والشفقة والخوف من التقصير أمام الله وأمام رسوله وأهل بيته.

  وللآية إطلاق كلي في ( لا تقدموا )، وعدم تحديد التقديم برأي أو حكم وما شابه يفيد أن لا تقدموا – أنتم ولا غيركم – رأيًا ولا موقفًا ولا قرارًا ولا ما اتصل بذلك من شؤون بين يدي الله ورسوله.  يجب – أولا – كموالي أن تتأمل لتصل إلى نتيجة القطع بما قاله الله ورسوله، ثم بعد ذلك ابحث في نفسك عن مقدار إدراكك وتطبيقك لأحكام الله ورسوله.

   إن من يتبنى نظرية الإيمان بلقاء الله سبحانه وتعالى – حتما – سيراعي الأدب، راغبًا ساعيًا لأن يستقبل الله يوم يلقاه مبيضًا وجهه (اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه) وبياض الوجه هو بياض القلب والضمير، ولا يتحقق ذلك إلا أن يكون الإنسان في مرتبته الوجودية بمعية ولي الله مطلقًا متأدبًا معهما – أي مع الله ووليه – ومع المؤمنين، وجوهر هذه الحقيقة وأصلها مرتبط بإيمان الإنسان وبتوحيده لله. وهي منشأ لباقي الآداب الاجتماعية.

    وعليه يكون أصل الآداب – في الحقيقة – هو التأدب مع الله، وليست المسألة ضغوطات اجتماعية ملزمة، إذ لا قيمة للعلائق بهذا الحسبان. لذا لاحظوا القرآن إذا ما تكلم عن طاعة رسول الله (ص) أو طاعة أولياء الأمر (ع) فإنه يرجع هذا الحق لله سبحانه وتعالى إذ ليس هناك من حق في عرض حقه، كل الحقوق له سبحانه، حتى حقوق أوليائه هي ليست شيئًا إلى جانب التوحيد، ومن الاشتباه الكبير أن يُفهم أن هناك (اثنينية)(٢)، هناك – فقط – شيء واحد هو التأدب بين يدي الله تعالى، والمقتضي – تاليا – التأدب بين يدي رسول الله (ص) والحفاظ على حقوق المؤمنين.

   وللتوضيح:

 عندما يأمرنا القرآن بأوامر ذات ثلاثة أضلاع أو ذات ضلعين فإنه يعيدها كلها إلى أصل واحد، كمثل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال/24  ولو كان هناك اثنينية في الأمر باستجابتين منفصلتين لقال: (استجيبوا لله وللرسول اذا دعوكما لما يحييكم) بتثنية الضمير، لكنه عندما جاء بالضمير المفرد عرفنا أن المراد أصل واحد.

     إنه ومع ذكر رسول الله (ص) في الآية إلّا أنه ليس هناك من له حق عليك إلا الله، إذ ليس في الدار غيره ديار، وهذا الحق الإلهي لا بد أن تُرى تجلياته ومظاهره تأدبًا مع رسول الله (ص) ومع المؤمنين، ولذلك تتم سورة الحجرات آياتها بآدب اجتماعية في الآيتين الحادية عشر والثانية عشر بداية من قولها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ …﴾ إلى ﴿ … وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ  تعضدها الروايات التي تدور مدار حقوق المؤمنين والآداب تجاههم، لأن من تصدرعنه سيئات كالسخرية والغيبة إنما هو – واقعا – إنسان لم يرد وجه الله سبحانه وتعالى(٣)، وبفعله ذاك امتداد للجرأة على الله، فكيف لمثله أن يكون معتقدًا بوحدانية الله سبحانه وتعالى؟!

  وفي آية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  النساء/ 59 يأمر الله بإطاعة ثلاثة: الله والرسول وأولي الأمر، لكن يقول: وإذا اختلفتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول ولم يقل لأولي الامر! وعلّة عدم ذكرهم هو أن لا يكون الخليفة ضلعًا حاضرًا في حضرة الله وحضور رسوله.

     وباستجماع ما مرّ من آيات نجد أنها تختم بجمع كل الآداب الواردة فيها وبالعودة بها إلى (كل يعمل على شاكلته) وإلى طاعة الله وإلى الشفقة منه والخجل من لقاءه.

    بالعودة إلى الآية الأولى من الحجرات الآمرة بالتأدب مع الله سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ   فإن ختامها كان بـ (واتقوا الله) وكأنها تريد أن تقول: حتى عندما لا تقدم بين يدي الله أو بين يدي وليه فلا بد أن تكون متقيًا، ليتم التفريق بين من يتقي وفق معادلة اجتماعية خشية انكشاف زيغه ونفاقه وبين غيره. وللأسف هذا النوع من تقوى الناس هو عين ما نقع فيه حين نتقي من فلان وفلان فيما ليس من حقيقة تقوى الله في شيء.

  ثم تقول الآية بعد الأمر بالتقوى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) مع أن رسول الله موجود ويسمع!! وذلك لأنه حتى سمع رسول الله (ص) ليس إلا مظهرًا من مظاهر سامعية الله.

    قد يقال: أنه من الصعب أن لا يقدم ممن كانوا يعايشون الرسول بين يديه، وهم معه في حربه وفي سلمه يتعاطون مع مواقفه مباشرة ويتعاملون مع حكمه وقضائه، ولهم مراودتهم المستمرة بين يديه غدوا ورواحا!

  الجواب: يقتضي الأدب ضوابط هي رشحات توحيد صحيح ضمن منهج عملي يضمن للإنسان أن لا يقع في ما وقع فيه جيش بني أمية أو أصحاب الجمل و صفين، بل ولا يقع في ما وقع فيه المتأخرون(٤). على المرء أن يتأدب سلوكاً بأوامر الله تعالى وأوامر أولياءه وأن يجتنب نواهيه أو لا أقلا يعيش الحذر والاشفاق من التقصير.

خصوصية الأدب مع رسول الله (ص)

انتقلت الآية الثانية من الحجرات للحديث عن تأدب أخص مع رسول الله (ص) فقالت:

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

   جاء الخطاب بنداء المؤمنين حتى يعطي سببًا لاستجابة الدعوة ولتحمّل هذه الآداب وقبولها، وليُعرف إنما للآداب قيمة إذا كانت نشأتها عن الإيمان والاعتقاد بالله، وإلا وجب أن نحدد بواعثنا في الآداب فلا تكون ضمن مجريات المناخات الخارجية المتداولة اجتماعيا. لا بد أن يكون الباعث لك هو إيمانك ولذلك قال: (يا أيها الذين آمنوا).

   لاحظوا الدقة في الآية حيث لم تقل: لا ترفعوا سيوفكم ولا رماحكم، فهذا من الوضوح بحيث لا يحتاج أن ينزل به وحي قرآني، وإنما قالت: (لا ترفعوا أصواتكم) فالصوت نوع من السلاح المعنوي الذي لا يلتفت إليه الكثير ممن يخرّقون الناس به و يكسرون موقعهم وهيبتهم.

      وما كان في المؤمنين أسرع من أهل البيت (ع) في تلبية هذا النداء الإلهي، لأنهم يعاشرون رسول الله والإمام آناً آناً. فلا يُتصور أن القاسم بن الحسن انضبط بتلك الآداب يوم العاشر وهو المتأدب منذ طفولته بأدب عمه الحسين عليه السلام.

    هذا النوع من الرقة والشفقة والخوف من الوقوع في الخطيئة، وهذا النوع من ترقيق القلب والآداب يمكّن الإنسان من أن تصدر عنه أعمال ظريفة، والأعمال الظريفة تدخل القلب تلقائيا وتجذبه.

      جاء في تفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه في (ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) “أن رسول الله (ص) كان بالمسلمين رحيما وعليهم عطوفا وفي إزالة الآفات عنهم مجتهدا حتى أنه كان ينظر إلى كل من يخاطبه، فيعمل على أن يكون صوته (صلى الله عليه وآله) مرتفعا على صوته ليزيل عنه ما توعده الله به من إحباط أعماله” (٥) لشدة حنانه وعطفه ومحبته ولإزالة الآفات عنهم مما توعدهم الله به.

(وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ)

الجهر مقابل الإخفات، وجَهَرَ  بِالكَلاَمِ و بِالقَوْلِ: رَفَعَ بِهِ صَوْتَهُ. والأمر – هنا – مسألة ترويض وتأديب ولهذا قال: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول) لكي لا تحبط أعمالكم.

  يجب على الإنسان أن يلتفت إلى أن يتأدب بهذا الأدب اليوم عند زيارة قبر النبي فحرمة النبي ميتًا كحرمته حيًا، وعلينا أن لا نتهاون بها باعتبارها أمورًا جزئية، ولنلتفت إلى أن الجرأة عليه برفع الصوت في حضرته كفر والعياذ بالله. ولأننا كموالين نعتقد أن ما للرسول الله (ص) هو عينه لأهل بيته (ع) لا بد من أن نلتزم ذلك الأدب في ساحة البقيع، وإلا فإن خلاف ذلك ليس فقط مجانبة للأدب؛ بل من خلاف المعتقد.

    وإذا كنا نتجاوب مع الوضع السائد في ساحة البقيع ونتعاطى معها كساحة للبيع والشراء ولعب الأطفال فهذا يسلبنا التأدب في محضر أهل البيت (ع)، وإذا كنا غير غافلين عن ذلك وقاصدين ومريدين فهذا معناه أننا متعلقين بالدنيا. يمكننا من خلال التأدب في ساحة البقيع أن نوصل رسالة صحيحة لعقيدتنا بأهل البيت (ع).

هذه الآداب الظاهرية التي دعا إليها النص القرآني تحفظ الإنسان لكي لا يهوي. ولكن لماذا سقط الذين كانوا حول رسول الله (ص)؟

     ليس لأنهم لم يجاهدوا، بل لأنهم كانوا يقترحون على رسول الله (ص) ويشككون فيه، ويحاسبونه مثل ما يحاسبون أنفسهم؛ بل أشد من ذلك! والآيات في سورة الأحزاب تتحدث عن الذهاب لرسول الله (ص) والحديث في منزله، فتقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ الأحزاب/53

     تقول لا تتحدثوا بالقرب من رسول الله (ص) وسلم بأحاديث عادية.. ذهبت وأتيت و…، كما تستأنسون بالحديث مع أحد، لأنكم بذلك تضيعون وقت رسول الله (ص)، فعليكم في محضره أن تسألوه لتتعلموا وتعرفوا، وإن لم يكن لديكم ما تقولون  فاسكتوا حتى يتكلم هو صلوات الله عليه وعلى آله.

   حتى مع بعضنا البعض يجب أن نراعي هذه الآداب، فلا بد من مراعاة الطولية بين المؤمنين، ولا نرفع التكلّف مع كل أحد، فقد ورد – مثلا – في آداب التلميذ مع أستاذه (لا تجعل ذرب لسانك على من علمك) و (قم لمعلمك وإن كنت أميرا) في الحقيقة الذي يحفظ الإنسان هو هذا النوع من التأدب.

لذلك لاحظوا أن الشيخ المفيد كتب كتاب (آداب المفيد والمستفيد)  وهو من كبار علماء الطائفة، ما السبب؟

    لأن عدم التقيد بهذه الآداب هو ما يجعل العلم والعالم ليس له جذابية، إذا هذه الأمور وإن كانت تبدو لنا في الوهلة الأولى مجرد آداب لكنها في غاية الأهمية.

   في هذه الآية ينهى القرآن عن رفع الصوت في محضر النبي (ص)، لأن بداية ما يمكّن الإنسان من ضبط نفسه هو صوته، لأن في اختياره كلامه نوع انضباطه السلوكي، ثم هذا يعينه على تقوية الشاكلة حتى تصبح شاكلة لها معية مع الامام (ع) ثم يصبح العمل أيضا له معية مع الإمام (ع).

   ولقد ضرب أهل بيت العصمة والطهارة – خصوصا – المثل في التأدب في محضر رسول الله (ص)، فأمير المؤمنين (ع) – بما مضمون الخبر-  إذا أراد أن يدخل على النبي (ص) كان يضرب الباب بأطراف أصابعه ليستأذن على رسول الله (ص)، فيقول له النبي: (داري دارك) فيقول هكذا التزم بما أمرني الله سبحانه و تعالى.

   في المقابل التاريخ ينقل لنا تصرفات مضادة، وكان يكفي للمسلمين أن تكون تلك التصرفات حجة  لمقام آل محمد (ع). يروى أنه عندما أراد الإمام الحسين (ع) دفن الإمام الحسن (ع) إلى جانب رسول الله (ص) خرجت إحداهن تنادي بصوت عال فقال الإمام: “لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي” ثم قال: “حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا”، وهو عين ما علمونا إياه عليهم السلام في عقيدتنا إذ نقول في استئذان الزيارة: “أشهد أنك ترى مكاني و تسمع كلامي …”  ونخاطب الله سبحانه بالقول: “اَنِّكَ حَجَبْتَ عَنْ سَمْعي كَلامَهُمْ، وَفَتَحْتَ بابَ فَهْمي بِلَذيذِ مُناجاتِهِمْ،”.

    في مقابل أولئك الذين يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي (ص)، هناك من يغض صوته من حيث المضمون والمؤدى أيضا، وهذا واضح في سيرة ربيب بيت النبوة القاسم بن الحسن (ع). ذلك الغلام الصغير، الذي لم يجرب الدنيا بعد، ولم يدخل الحروب ومناوشاتها، سأله الإمام الحسين (ع): ولدي قاسم كيف تجد طعم الموت؟  قال: “يا عمّاه، والله الموت بين يديك عندي أحلى من العسل”  فبشَّره الحسين بالشهادة.



١. الرؤية الكونية عبارة عن مجموعة من المعتقدات والنظرات الكونية المتناسقة حول الكون والانسان بل حول الوجود بصورة عامة. ” يحتكم إلى تلك الرؤية العقل البشري في ظل مرجعية بنائية لتأسيس رؤية أديولوجية تساهم في تشخيص مبدأ ومنتهى حركته ” كتاب الرؤية الكونية الإلهية الدوافع والمنهج للشيخ العبود ص8 / ط2

٢. المسألة هي واحدة في الآداب والاستجابة لله وللرسول، وإنما رسول الله هو وجود طريقي لأمر الله. ولا توجد ( اثنينة) في حصة الله وحصة الرسول ولا فواصل بين أمرهما. وهذا ما وقع فيه البعض ممن لا يبرر سؤالهم لرسول الله في شأن تولي الإمام علي الولاية من بعده وقولهم : أفهذا شيء منك أم من الله؟. أنظر ما اتفق عليه المسلمون من تفسير سورة المعارج.

٣. إن منشأ الغيبة هو الخبث الذاتي، لذلك روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «يؤتى بأحد يوم القيامة فيوقف بين يدي الرَّب عزّ وجلّ ويدفع اليه كتابه، فلا يرى حسناته فيه، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي؛ لا أرى فيه حسناتي. فيقال له: إنّ ربّك لا يضل ولا ينسى؛ ذهب عملك بإغتياب الناس. ثمَّ يؤتى بآخر ويدفع اليه كتابه، فيرى فيه طاعات كثيرة. فيقول: إلهي ما هذا كتابي؛ فِاني ما عملت هذه الطاعات، فيقال له: إن فلاناً اغتابك، فدفع حسناته اليك” المكاسب، ج5، ص:10 (ايصال الطالب)

٤. يحكى عن انضمام أحد المراجع الكبار تحت لواء قائد شاب عشريني في جبهة القتال الأمامية في الحرب العراقية الإيرانية  للتعبئة ورفع المعنويات، وكان يتلقى أوامر القائد العسكرية في إحدى الغارات ويبادر للاستجابة مسرعا على كبر سنه وصعوبة حركته فعجبوا منه وسألوه عن ذلك فقال: أنا لا أقدم بين يدي الله ورسوله، وهذه أوامر ونواهي القيادة  بالنسبة لي في هذا الموقع والوقت  كأوامر المولى ويجب أن لا أقدم بين يديه.

٥. تفسير الحسن العسكري ص477

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬749 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.