ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الذابون عن التوحيد ٨

تقدم القراءة:

الذابون عن التوحيد ٨

السبت 14 محرم 1438مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

٨- القاسم بن الحسن الآية الكبرى

(السلام عليكم أيها الذابّون عن التوحيد)

هناك صورة نمطية يجعلها البعض محورا للصراع في معركة كربلاء تتمثل في الخلاف التاريخي الطويل الممتد بين أهل بيت النبوة (ع) وأشياعهم؛ وبين البيت الأموي وامتداده، وهذه الجملة (السلام عليكم أيها الذابون عن التوحيد) هي بحد ذاتها علاج لهذا التصور الخاطئ الذي يحاول البعض أن يصوره على أنه أصل هذا الصراع.

ومما يخالف هذه الدوافع جملة من الآيات القرآنية التي تتحدث عن الفريقين منها قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ ﴾ البقرة/  6-7 فهذه الآيات – وبإجماع المسلمين – قد نزلت فيمن لم يسلموا حتى نزول سورة البقرة وهم بنو أمية، فهؤلاء يستوي إنذارهم من عدمه لأنه قد ختم على قلوبهم(١)، في حين أن الآيات التي تتكلم عن رسول الله (ص) وأهل بيت العصمة والطهارة تقول: ﴿إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ الأحزاب/33. فلا كفر أولئك منهم ولا إيمان هؤلاء وطهارتهم منهم حتى يفهم صراعهم على أنه ناشئ من انتمائهم العنصري، بل منشؤه أن أولئك بلغوا حد العمى بحيث ختم على قلوبهم ذلك لأنهم قالوا لمحمد ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ﴾ الشعراء/136. وأصروا على هذا الموقف فخاطبهم الله سبحانه وتعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾.

الغرض من هذه المقدمة أن نرقى بفهم مستوى الصراع بين الحسين (ع) ومن قاتله ونقول أن الذين دافعوا عن التوحيد وذبوا عنه والذين نخاطبهم بـ [ السلام عليكم أيها الذابون عن التوحيد ] لا يمكن أن يكون الدافع والمحرك لهم عصبية وحمية هاشمية – وإن كنا لا نشك بخصوصياتهم الأخلاقية – وليس هذا هو المرفأ الذي ينطلق منه ما حدث، فمنطلق الصراع فوق هذه العوامل.

دافع الصراع توحيدي:

إذن أصل هذه الحرب ليس الدافع القبلي العنصري، ومحور الصراع واحد وهو التوحيد، فبنو هاشم يذبون عنه، أما بنو أمية فحركتهم شيطانية ضد التوحيد، وأحد الأدلة الواضحة جدا على هذا الهدف هي قصة القاسم بن الإمام الحسن (ع)، وهي تفهم بفهم طريق من طرق التوحيد يسمى طريق الهداية.

وكما تحدثنا بالأمس عن العباس بن أمير المؤمنين (ع)، وقلنا أن الفلاسفة يقولون أن الإحساس والشعور والفطرة والميل هو أحد طرق التوحيد وقد تمركز في العباس (ع)، وكل ماصدر منه كان منشؤه هذا الإحساس الشديد، سنتحدث طريق آخر للتوحيد من خلال سيرة القاسم بن الحسن (ع).

لو كان دافع الإمام الحسين من هذه الحرب قبلي عشائري، فكيف نفهم حمله للعائلة وتقديمه للقاسم بن الحسن في ساحة الحرب؟ هذا  لا يتوافق مع الإحساس بالرحمية والطائفية والقبلية لأن ذلك لن يحقق نصرا فعليا ولا نصرا مستقبليا – بحسب الظاهر – ولو كانت الدوافع – كما هو مدعى البعض – التعصب والدفاع عن الرحم كان الأولى أن يرفق به الإمام الحسين (ع).

لكن حمل هذه العائلة، والإذن لمثل القاسم لا يحمل إلا معنى واحدا يتفق مع ما تذكره الزهراء (ع) في خطبتها حين تتحدث عن سلوك رسول الله (ص) مع علي (ع) ” كلما أوقدوا نارا للحرب قذف أخاه في لهواتها “ فهي تقول للقوم: إذا كنتم تتهمون تنصيب النبي (ص) لعلي بأنه كان بدافع القرابة والرحمية فالأجدر برسول الله أن يحافظ على علي  حتى يعطيه الحكم! لكن الحال عكس ذلك فقد كان يقذفه في الحروب ويقدّمه في لهواتها.

إذن لم يكن للإمام الحسين وصحبه وأهل بيته من هدف إلا الذب عن التوحيد، ولو تدخل أي محرك غير التوحيد لكان من شأن الإمام الحسين الحفاظ على رحمه، لا أن يأذن للقاسم بالخروج فهذا لن يفيده سياسياً ولا اجتماعيا.

ثم إن استشهاد القاسم (ع)  لن يرجع عليه هو نفسه أيضا بأي شيء فلن يحصل على زيادة في سمعة، ولن يسعد بإرضاء عمه الحسين (ع) – مثلا – ولن يزهو بافتخار عماته به بعد شهادته لأنه سيرحل قبل أن يرى كل ذلك، فلا يمكن أن نفسر خروج القاسم للشهادة إلا بفهم واحد هو أن خروجه في التوحيد ولأجل التوحيد بل هو نفسه (ع) كان مظهرا من مظاهر أدلة التوحيد الواضحة.

ولكي نبين ذلك لابد أن نفهم طريق التوحيد الذي مثّله القاسم (ع) لنشرح هذا الطريق قرآنيا:

هذا الطريق من طرق التوحيد طريق مهم ركّز عليه القرآن، وقد أوضح وشرح الشهيد المطهري هذا الطريق على نحو من التنقيح والتفصيل ببيان رائع  في تفسيره لسورة الأعلى، وبحسب نقله فإنه ينسب أصول هذا الدليل للزمخشري. هذا الدليل يسمى دليل الهداية، يحكيه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾ سورة طه.

هذا الدليل ورد في قصة نبي الله موسى مع فرعون، سنبينه بالتفصيل لنفهم بعد ذلك كيف كان سير القاسم وسلوكه الروحي وطريقه في الذب عن التوحيد تجسيدا لدليل الهداية، وأن خروجه على القوم في ساحة المعركة كان كدخول موسى على فرعون.

عندما دخل موسى على فرعون أحتجّ عليه بحجتين، حجة نعرفها وحجة تحتاج إلى توضيح.

يقول تعالى: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾ سورة طه في الآيات هناك دليلان للتوحيد:

  1. أن الله أعطى كل شيء خلقه، فكل شيء مخلوق لله ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾ سورة الإنفطار، فالقانون والنظام والخلقة والانسجام وأن الله كل شيء أعطاه مقداره هو دليل على معرفة الله ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ الأعلى: 1-3، فالأمر في نظام التكوين يسير وفق نظم معين ودقيق جدا وهو ما يطلق عليه ببرهان النظم.
  2. ثم هدى: أن الموصل لإدراك ومعرفة الله هو الهداية. الآية تعبر بـ (ثمّ) وهذا يعني أن الهداية دليل مختلف عن الخلق، لكنه ملازم له، ويمكن أن نفهم هذا التلازم بهذا المثال الرياضي: حين ترسم مربعا، فهل ترسمه ثم تعطي أضلاعه التساوي، وتقول رسمتُ مربعا (ثم) جعلتَهُ متساوي الأضلاع؟ هذا لايمكن، فذات كونه مربعا يعني أنه متساوي الأضلاع، فالذاتيات لا تعطى ولاتؤخذ.

بيان دليل الهداية من قصة موسى وفرعون:        

لقد قامت سياسة فرعون على أن يمنع وجود موسى الذي عُرف في الأوساط أنه سيقوّض حكمه، وقد بذل غاية ما يستطيع لمنع ذلك فذبح الأطفال الذكور لكي لايولد موسى، ولكن دخول موسى على فرعون بعد كل ذلك كان ينسف ربوبية فرعون التي ادّعاها، وينتهي أمره بالهلاك بما كان يتبجح بأنه يملكه ويسيطر عليه ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الزخرف: 51 فقد غرق في هذه المياه التي كان يدعي ملكه لها وسيطرته عليها.

عندما دخل موسى على فرعون، كان موسى بنفسه آية على كذب فرعون في ربوبيته، وكاشف عن أنه لم يستطع دفع الضرر عن نفسه فكيف يمكن أن يدبر غيره .. هنا أحرج فرعون وبادر بتغيير الموقف بقوله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ﴾ ؟ طه: 51 فحرَف الموضوع الأساس وهو دخول موسى آية كبرى تكشف زيفه، وحتى يحرك حميّة من حوله، تساءل عن آبائهم، ومفاد قوله: إذا كان يوجد رب غيري فآباء هؤلاء كانوا قد عبدوا أجدادي وعبدوني فما هو مصيرهم؟

وقد تفطّن موسى لمراده، لذا لم يجبه على سؤاله لئلا تضيع الآية الكبرى ودليل الهداية فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ طه: 52 ، فلم يترك موسى لفرعون فرصة ليضيّع دخوله الذي هو آية كبرى، لأن بقية الآيات قد يتسرب إليها الشك، فيمكن أن يشك الموجودون في كل معاجز موسى وسيقولون بأنه ساحر، لكن لا يمكن أن يشكوا في دخوله على فرعون الذي بذل كل وسعه ليحارب وجوده، وإذا به يربيه في بيته ليكبر ويدخل عليه ليقوّض كل دعاواه، دخول موسى على فرعون بالوحي هو الآية الكبرى التي لا يشك فيها أحد، وهذا دليل واضح للهداية.

القاسم بن الحسن آية كبرى:

عندما نرى حركة القاسم بن الحسن في خروجه على القوم نجد أنها أشبه بدخول موسى على فرعون، آية كبرى لا يشوبها شك.

فهو من جهة الخلقة دليل على بديع صنع الخالق، تقول الروايات: (فخرج علينا غلاما وجهه كفلقة القمر) وقد كان جميلا جدا، ومن جهة دليل الهداية كان وجهه يشع هداية ويكشف توحيدية حركة الحسين (ع).

إن نفس حمل الإمام الحسين لأبناء إخوته وأخواته وأطفاله، يمكن أن يكون نقطة ضعف يؤتى منها لكنها كانت نقطة قوة نقطة هداية، جاء في الخبر أن الكثير من جيش ابن سعد فرّوا من المعركة بعد دخول القاسم، لم يكن فرارهم خوفا منه؛ وإنما أثار فيهم دخوله المعركة عنصر الهداية الموجود بداخل الجميع، فهل يعقل أن يتهم الإمام الحسين أن أساس حركته أنه رفض النزول على حكم ابن عمه ثم يأذن لابن أخيه الذي لم يبلغ الحلم ليدخل هذه المعركة؟ لقد كان خروج القاسم تماما هو آية كبرى على صدق الإمام الحسين (ع) وعلى حقانيته.

ألا لعنة الله على الظالمين

 


١. تستخدم الآيات معنى الختم الذي تنهى به الرسائل. بمعنى أنهم لن يهتدوا.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬749 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.