تقدم القراءة:

وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

الأثنين 5 سبتمبر 2016مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

حار العزاء وعظيم الأجر بشهادة أبي جعفر الثاني محمد بن علي الإمام الجواد عليه السلام الذي تعدّ فضائله آيات ظاهرات لا تحتاج إلى تنقيب وتحقيق. فمنذ اللحظات الأولى من ولادته؛ وحينما جاؤوا به إلى أبيه قال (ع) : “هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه”.

كثيراً مانتحدث عن شبه الإمام الجواد (ع) بالنبيَّين عيسى ويحيى الذَّين آتاهما الله الحكمة في الصغر. وهذا دليل على أن النبوة والإمامة تنبعان من مصدر قدسيّ واحد، وهو العلم الموهبتي اللدني الذي لا يحتاج إلى مراحل تستغرق زمنا، ولا إلى المقدمات والوسائط التي يحتاجها الإنسان العادي مهما كان قوي الحدس شديد الفطنة سريع الملاحظة كالدرس والأستاذ.

ولكن هناك أيضاً إشارة مهمة من الإمام الرضا (ع) إلى شبهٍ بين ولده الإمام الجواد وبين نبي الله موسى (ع) “بأبي وأمي.. شبيه موسى بن عمران”. وقال (ع) لأصحابه: “قَدْ وُلِدَ لِي شَبِيهُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَالِقِ الْبِحَار” (1) ونريد في هذه المقالة بيان هذا الشبه.

بالتأمل في قصة نبي الله موسى (ع) نجد أن حياته مليئة بالمعاجز الحسية حتى قيل عنه أنه ساحر، بل إنه لم يتهم نبي بالسحر كما اتّهم نبي الله موسى (ع) ، حتى كادت هذه التهمة تُسقط مشروعه ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  النمل: 13-14. ولكي ندرك وجه هذا الشبه سوف نبيّن معنى الآية ومناخها وملابساتها:

إن  أكثر مساقط العوام في معارضتهم للأنبياء هو تأثرهم بإعلام وسياسة الطغاة في إنكار الجانب الإلهي المقدس في أولياء الله، فكم من الجماعات والأمم عارضت وتعصبت وواجهت مشاريع المصلحين بعنف وذلك بوسائل مختلفة منها التلاعب بالكلمات وتغيير المصطلحات.

فالملأ من قوم فرعون حينما رأوا الآيات الباهرات وشق لهم موسى البحر قالوا عنه أنه ساحر، فحيلة العاجز إلقاء التهم، والعجب أن هويّة الساحر وهويّة المصلح متقابلتان تماماً ومتباينتان في الهدف والوسيلة وذلك لخصلتين لا تجتمعان:

١/ المصلح يعمل على تنمية الوعي والإدراك والقوة العاقلة عند الناس، أما الساحر فهو يوسع دائرة الخيال والوهم والخزعبلات ويروج للخرافات، ويسد سبل المعرفة فيقضي على العلم والعقل.

٢/ المصلح دائماً يشكل معارضة أمام الجبابرة والطغاة، ويعمل على إعادة الحقوق المغصوبة وربما يُقتل في سبيل نزع أقنعة المستكبرين. أما الساحر فيزدهر سوقه وتكثر بضاعته في ظل حكومة الطغاة.

إلا أن بسطاء الناس يمكن إغراقهم في شبر ماء من التلاعب بالألفاظ، حين يسمَّى من يطالب بحقوقه بطرق سلمية إرهابي، ويسمى الإرهابي الحقيقي الذي يقتل المصلين ضالاً وهو قابل لأن يستتاب. وتمرّ على هؤلاء البسطاء الأحكام التي يطلقها الطغاة والمتجبرون على جهات وأفراد وجماعات ومذاهب، وتقنعهم المغالطات الجدلية التي يروجونها بلا ميزان، حتى تكاد تقول ليت الإنسان حيوان صامت لا ناطق!!

إذن الفرق بين المصلح والساحر واضح جداً، لكن الجحود يصفّ المصلح مع الساحر، وهذا ما كان يشاع عن الإمام الجواد (ع) من قبل أقرب الناس، فها هي زوجته أم الفضل بنت المأمون، حين رأت أن شمس الإمام الجواد (ع) لا تغطَّى بغربال قالت: “كيف لا أدعو على أبي وقد زوجني ساحرا”!

لماذا نعدّ قاتل الإمام الجواد (ع) جاحدا؟

ذلك لأن الجحود آخر درجات الكفر. فالجحود لا يكون إلا بعد وصول العقل والقلب إلى آخر مرحلة من الوضوح فيرى الحقيقة جلية بلا أدنى شك – كما يقول المناطقة يستحيل أن يجتمع شك ويقين – ولذا لا يصح أن نقول عن الله أنه مستيقن لأن الحقائق كلها مكشوفه لديه من الأصل، لكن من يكون جاهلاً بأمر أو شاكاً فيه ثم ينكشف له هذا الأمر بالتدريج وبالطريق المنطقي نقول عنه أنه مستيقن وهو مبالغة في اليقين، وهنا بيت القصيد.

الرواية التي افتتحنا بها تقول أنه لم يولد في هذه الأمة أعظم  بركة من الإمام الجواد (ع(؛ لأن فضائله واضحة تسلك بالإنسان طريق الوصول للاستيقان – الذي هو أعلى درجات اليقين – بأحقيته ع، وهذا ما يقرب لنا وجه الشبه بين نبي الله موسى (ع) والإمام الجواد (ع) ، فأول علائم اتصال موسى بعالم القدس أن الله باركه وبارك من حوله، جاء في تفسير الآية ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  النمل: 8 أنّ موسى عليه السلام لما وصل إلى النّار ونظر بدقّة، رأى النّار تشتعل من غصن أخضر! وتتسع الشعلة لحظة بعد أُخرى، والشجرة تزداد اخضراراً وجمالا، فلا حرارة النّار تحرق الشجرة، ولا رطوبة الشجرة تطفئ لهب النّار، فتعجب من هذا المشهد الرائع، وانحنى ليقتبس من هذه النّار ويشعل الغصن اليابس (الحطب) الذي كان معه، فأتته النّار فارتاع ورجع. ومرّة يأتي موسى عليه السلام إلى النّار، ومرّة تأتي النّار إلى موسى، وبينما هو على هذه الحالة، إذا بالنداء يقرع سمعه مبشراً إيّاه بالوحي.

وفي قوله “في النار” أقوال للمفسرين، منها: 

الأول: أنّ المراد مِن “مَن في النّار” هو موسى نفسه، حيث كان قريباً منها ومن الشجرة الخضراء التي عندها، فكأنّ موسى (ع) كان في النّار نفسها، وأنّ المراد مِن “مَنْ حولها” هم الملائكة المقرّبون من ساحة القدس، الذين كانوا يحيطون بتلك الأرض المقدسة في ذلك الوقت.

الثاني: أنّ المراد على عكس ما ذكرنا آنفاً؛ فمن في النّار هم الملائكة المقرّبون، ومن حولها هو موسى عليه السلام.

من خلال فهم هذه الآيات يمكن القول أن هذه البركة التي كانت في موسى بن عمران (ع) وبارك بها من حوله؛ رآها الامام الرضا (ع) في ابنه الجواد(ع)، فكأنه قال بورك هذا الوليد وبوركت الأمة التي ستنجو بولايته. بورك من حوله لأن فضائله واضحة مثل النار في ظلمة الليل الأليل، تسلك بالإنسان الوصول للاستيقان الذي هو أعلى درجات اليقين، وقد جاء في مضمون الرواية أنه لم يؤت الإنسان نعمة أفضل من اليقين. من هنا نقول أنه لم يولد في الإسلام أعظم بركة ممن يفلق بحار الجهل والعمى والطغيان والعلوم كما هو الإمام الجواد باب الحوائج عليه السلام.

يبقى أن نقول أن نفس ما تعرض له مشروع موسى بن عمران (ع) تعرض له مشروع الإمام الجواد عليه السلام. إلا أن التاريخ لا ينقل لنا أن الجحود الذي طغى على فرعون وقومه وعامة الناس قد أدى إلى مقتل موسى بن عمران، ولكن آيات الإمام الجواد عليه السلام التي عرّت السلطة الحاكمة أدت إلى قتله، فلم تكتف السلطات الجائرة باتهام الإمام بالسحر وإنكار فضله بل دبّرت له اغتيالاً على يد زوجته، التي عاشت في بيته ورأته يكلم أهل الإنجيل والتوراة والفلاسفة، ويحجّ كبار فقهاء المسلمين، يقول السيد الخامنائي “كثيراً ما كانت جلسات النقاش تعقد أيام أئمة أهل البيت عليهم السلام لكن أول من ابتكر النقاش الاجتماعي الحر وهو أن يجلس جمع من الناس إلى بعضهم البعض فيتناقشون هو الإمام الجواد عليه السلام ” 

لاحظ قول الإمام الرضا (ع) في شأن الإمام الجواد “هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه” أليس هو متطابق تماماً مع الآية  ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ فالإمام هو النور المبارك و الشيعة الحافين به مباركون به. ومن هنا فقتل الإمام الجواد عليه السلام جحود، ومعرفته والاستيقان بإمامته بركة لا أعظم منها على الإسلام.


1- بحار الأنوار 50 / 15

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬057 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها