تقدم القراءة:

قليلون ونكثر بالرضا

الجمعة 5 أغسطس 2016مساءًالجمعة

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

هناك مقتضيات كثيرة لأسماء المعصومين الخاصّة لا نحيط بها علما. ولكن ورود التعليل في الروايات لأسمائهم عليهم السلام يشير إلى وجود أصل موضوعيّ، وإلى أغراض وأهداف عقائديّة وفكريّة وثقافيّة وتربويّة من تلك الأسماء. ونحن هنا نتناول بعض الآثار التربويّة والأخلاقيّة لاسم صاحب هذه المناسبة الإمام الرضا عليه السلام، ولنصطلح على أن يكون الحديث تحت عنوان: (قليـلون ونكثر بالرضا).

الاسم الخاص إيماءة بالاتباع 

إنّ لاسم الإمام الخاصّ إيماءة وإشارة لأتباعه ومحبّيه ومواليه؛ لأن ينهجوا نهجا يتناسب مع هذا الاسم. فلا يمكن أن تتبع الجواد وأنت بخيل، أو تتبع الهادي وأنت مضلّ – والعياذ بالله – كما لا تتبع الحسن وأنت سيّء الطباع … وهكذا.

(الرضا) وإن كان اسما للإمام الثامن عليه السلام إلا أنّ أحد آثار هذا الاسم هو أن يحدث في نفسك تبعيّة لهذا المعنى، ولتصل إلى مقام الرضا عن الله وبالله وما كان من الله، وأن تعالج مسألة السخط والتبرّم والقلق والضيق ممّا قسمه الله لك من العيش. ورد في الدعاء: ( وَرَضِّنِي مِنَ العَيْشِ بِما قَسَمْتَ لِي ) [دعاء أبي حمزة الثماليّ]. والعيش وإن كنّا نطلقه في اللغة الدارجة على الرزق المادّيّ كالمسكن والمأكل والمشرب والولد؛ لكنّه في الواقع يعبّر عمّا هو أعمّ، فعيشك في الحقيقة هو كلّ ما يحيطك، أو قل هو كلّ ما يمسسك الله به من خير ونعمة أو بلاء وامتحان، بل العيش هو الموضع الذي وضعك الله فيه، وهو ما نسمّيه بظرفك. وحين ترضى عن الله وما جاء منه من ظرفك ستكون رضويّا، وسترى بعد ذلك أنّك أصبحت أوسع وأكثر.

ولبيان هذه الحقيقة نقول:

الأصل الأوّليّ في طبيعة الإنسان أنّه خلق هلوعا، يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا  الْمُصَلِّينَ ﴾ [المعارج: 19-21] الهلع: هو انقباض النفس واليد، ويقابله الرضا وهو بسط النفس واليد. هذه الطبيعة البشريّة تتغيّر باتّباع الإمام الرضا عليه السلام، وهذه هي العجينة التي يجب أن تصيغ بها شاكلتك. لأنّ المأموميّة تعني تغيير نقاط الضعف الموجودة في خلقة الإنسان.

ما معنى أن يصل الإنسان إلى صفة الرضا؟

لبيان ذلك يمكن ضرب مثال:

تختلف أحوال الإنسان بتغيّر الظروف والمحيط والإمكانيّات، وتتفاوت مع تجاذبات الفتن والابتلاءات، وتختلف ردّات فعله في التعاطي مع الأحداث. فالواقع كالمحيط الكبير والبحر الزاخر؛ على سطحه تكثر التيّارات والتقلّبات، ومع الغوص فيه تهدأ الأمواج، حتّى نصل إلى الأعماق الهادئة جدّا الممتلئة بالجواهر واللآلئ.

الإنسان في تعاطيه مع الأحداث يمرّ بمثل طبقات البحر تلك، فإذا نظر إلى الأمور بشكل سطحيّ سيكون كمن ينظر لظاهر البحر، حيث الموج الهادر والمتلاطم، ولكن إذا غاص قليلا ونزل إلى عمق الأحداث سيكون كمن ينزل تحت الموج المتلاطم ليصل إلى المستوى الهادئ الدافئ من المحيط. أما إذا غاص الإنسان وتعمّق أكثر في الأحداث سيرى وجه الله، وبالتالي سيرى ما يتجوهر في أعماقه.

إنّ طبيعة الإنسان هي أن ينفعل مع الوقائع والمتغيّرات والأحداث، ولكن ردود فعل الناس تجاه الأحداث تختلف:

  1. من الناس من لا يتعدّى سطح الأحداث ولا يرى أبعد من الظاهر، ولا يستخدم عقله في قراءة ما يجري، فتتجاذبه المتغيّرات يمنة ويسرة. وهذا الصنف من الناس يمكن أن يقترف كلّ المحذورات ليدفع الموج عن نفسه بأيّ طريقة، حتّى لو استدعى الأمر أن يكذب أو يسرق أو يخون، أو يغيّر مواقفه.
  2. ومن الناس من يغوص وصولا إلى الطبقة الثانية من الماء. هذا النوع من الناس له عقل حسابيّ رياضيّ يملي عليه أن يحسب الأمور بعقله، فيتوازن. لأنّ إظهار الاضطراب معيب والصبر جميل، ورد على لسان نبيّ الله يعقوب ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 83] ولكن هذا الصبر – وإن كان ممدوحا – إلّا أنّه ليس حدّ الإنسان.
  3. وصنف من الناس يصل إلى مستوى أعمق، وهو مقام من ينظر إلى أعماق الأحداث والمجريات فيرى حسن التقدير وجمال التدبير، وهو كمن ينزل إلى قاع البحر ويرى الجواهر. هذا الصنف من الناس تراه يغوص في نفسه فيرى أنّ كلّ الأحداث سلاسل ذهبيّة لوحدانية الله، ويرى أنّ طريق تجلّي الوحدانيّة كامن في أن يعيش هذا الظرف. هذا المقام هو خروج عن الطبيعة الأولى، وترقّ عن مرتبة الصبر، إنّه مقام الرضا الذي لا يبلغه إلا المصلّون.

لاحظوا التعبير القرآني الرائع ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾.

لماذا استثنى المصلّين؟

المصلّي اسم فاعل يفيد الثبوت. عند المصلّي تتغيّر معايير الحزن والفرح، لأنّ همّه في عبوديّته لله، وفي صلاته وما يتعلّق بها.

المصلّون راضون، وليسوا صابرين فقط، الصابر داخله يغلي، أما من يعيش جوهر الرضا فهو يعلم أنّ الخير والشرّ فتنة، بل يعلم أنّ حتّى الأخطاء التي صدرت منه أراد الله بها أن يعرّفه ضعفه، وأن يوقفه على مراكز اضطراره، وأن يريه عمق الخطر الذي يمكن أن يقع فيه.

الرضا أن يعلم الإنسان أنّ الدنيا فيها من يسلب حقّك ويظلمك، فيها السجن والاستشهاد، ولكنّك مع ذلك ترضى عن الله، لأنّ مقتضى التوحيد أنّه لا فاعل إلا الله، بل الله يسوق كلّ التدابير لمصلحة الإنسان.

ولكنّ الرضا أيضا مراحل ومراتب، فهناك مرتبة ترضى فيها لأنّ محبوبك راضٍ، وليس لك رغبة خاصّة. جاء في حديث المعراج أنّ النبيّ سأل الله سبحانه وتعالى: ما أحبّ الأعمال إليك؟ قال: الرضا عنّي والتوكّل عليّ.

وقد يكون التعبير عن الرضا كعمل – كما تشير الرواية – لأنّ الرضا عمل جوانحيّ بالفعل، فقد نسأل عن شخص: ماذا عمل فلان؟ فيقال راض أو صابر. أو يكون المصحّح لاعتبار الرضا عمل أنّه مسبَّب وثمرة، فسميت النتيجة والمسبَّب باسم السبب.

وهنا لفتة مهمّة:

إنّ من آثار الوصول إلى مقام الرضا أن يكثُر الإنسان؛ نقول في دعاء أبي حمزة الثماليّ: (أَنَا الْقَلِيلُ الَّذِي كَثَّرْتَهُ) الإنسان هنا لا يتكاثر بل يكثُر. والكثرة قد تكون سطحيّة عارضة وعرْضية؛ كأن يصبح للإنسان أبناء وخدم وحشم وعصبة، ويتصور أنّ هذا  معنى كونه كثيراً، ولكن الدعاء ينسب الكثرة للذات، ممّا يعني أنّ هناك كثرة طوليّة في العمق والغزارة، كما نقول لماء البئر أنّه كثير لأنّه غزير، وهذه الكثرة من نفس الماء لا بشيء خارج عنه.

الرضا يجعل الإنسان كثيرا أي عميقا، لذا يكون الواحد بالرضا كثيراً أمام المحن والمصاعب والشدائد والبلاءات، وهذا من معاني قول رسول الله صلّى الله عليه وآله (المؤمن وحده جماعة).

بالرضا يصبح الإنسان زائدا (وَبِيَدِكَ لا بِيَدِ غَيْرِكَ زِيادَتي وَنَقْصي) [المناجاة الشعبانيّة].

وإذ تعيش أمتنا في مثل هذا الظرف العصيب، ما أحوجنا إلى أن يصبح الواحد منّا بإيمانه في قوّة العشرة أو المئة، وبصلاته، وبزكاته .. وهذا لا يكون إلّا بمقام الرضا، وببركة اتّباع الإمام الرضا عليه السلام.

يقول أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي: لا يرضى أيّ موجود عن أي موجود آخر إلا بواسطة مقام الإمام الثامن عليه السلام.

ولا يحصل أيّ إنسان على أيّ توفيق؛ ولا يفرح إلا بواسطة مقام رضوان الرضا عليه السلام.

ولا تصل أيّ نفس مطمئنّة إلى أيّ مقام مرْضيّ إلا بواسطة مقام الإمام الرضا عليه السلام.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬124 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها