تقدم القراءة:

أشهد أنك قد أقمت الصلاة ١

الجمعة 17 محرم 1437مساءًالجمعة

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

١- أشهد أنك قد أقمت الصلاة ” إطلالة على الأبعاد العرفانية والسياسية والاجتماعية

(أشهد أنك قد أقمت الصلاة)

لقد تكررت هذه المقولة في كثير من الزيارات الخاصة بالإمام الحسين (ع) ولهذه المقولة أبعاد إنسانية واجتماعية وسياسية وعرفانية، وبحسب التتبع فإنه لا يغلب فيها بعد على البعد الآخر. قد يغلّب البعض في هذه المقولة الجانب السياسي على الجانب الاجتماعي والبعض يقول أنها مقولة عرفانية بالدرجة الأولى، ولكن بحسب التتبع و عرضها على الآيات القرآنية سوف يتبين لنا أن كل هذه الجوانب مهمة وأساسية وتختزلها هذه الدعوى التي نقولها في الزيارة .

معنى إقامة الصلاة

إقامة الصلاة كما نصّ القران هي نتيجة وهدف كبير وهو الغاية النهائية للدولة العادلة وهيمنة القوى الإلهية في الأرض ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ سورةالحج-41.

يتصور الكثيرون أن الغاية والهدف من قيام دولة إسلامية وحكومة إلهية هو إقامة الحدود والديات والقصاص والحقوق ولكن هذه في الحقيقة مقدمات لابدّ منها، ولكنها مقدمات طريقية لهدف أكبر وهو إقامة الصلاة. إذن إقامة الصلاة تتوقف على المكنة في الأرض، ووقوع الإمكانيات في يد الإلهيين، من هنا فإن الشخص الإلهي هو الشخص الذي يقيم الصلاة . والمعنى الذي ندّعي استفادته من النص هو أن لإقامة الصلاة معنى شمولي، فالزيارة لا تشير إلى إقامة الإمام الحسين (ع) صلاته فحسب وكما يعبر الأصوليون الصورة والمادة لا تشير إلى ذلك ، فنحن لا نقول (أشهد أنك قد أقمت صلاتك)، بل الصلاة هنا اسم جنس تفيد أن كل صلاة صدرت من أحد فالإمام الحسين (ع) هو الذي أقامها، وسيتبن هذا المعنى مفصلا خلال البحث .

ولندرك بعضا من شمولية إقامة الصلاة نقول: من المعلوم أن إقامة الصلاة بشكل فردي تستلزم إبعاد وطرد كل ما يعارضها من الغصب والخبث والنجاسة فالإنسان مثلا لايصلي بثوب مغصوب أو غير طاهر، وبلا شك أن من يقيم الصلاة يجب أن يبعد ويطرد كل الغصب والخبث أصلاً، من هنا فإن مقولة (أشهد أنك قد أقمت الصلاة) ليست سهلة فالذي يريد أن يقيم الصلاة يجب أن تكون كل معاملاته خاضعة للقوانين الإلهية.

قد يقال أن الإمام الحسين (ع) لم تقع في يده الأمور السياسية والاقتصادية بما يمكنه أن يقيم الصلاة بهذا المعنى، ولا شك أننا لا نشهد له بإقامة الصلاة من باب المجاملة أو المدح والثناء والإطراء بل نحن نتكلم عن أمور واقعية وحقيقية، وسيتبين ذلك من خلال البحث ، فنحن لا نردد مالا نفهم في الزيارة ، ورد عن الإمام الرضا ع (من زار الحسين عارفا بحقه كان من محدثي الله في عرشه) لتعلمنا كيف نتعرف على الحسين، فهذه الزيارات بمثابة الأمور التي يجب أن نشهدها في محضر الإمام الحسين ونؤمن ونعتقد بها، فكلمة (أشهد) لاتعني الشهادة العرفية في المحكمة وإنما يشهد الزائر ذلك في ضميره بينه وبين الإمام (ع) ، فهو يتحدث عن أمر يعرفه ويراه ويدركه ، ولكي نفهم أبعاد هذه المقولة نحن بحاجة إلى الوقوف على بعض الجوانب العرفانية والاجتماعية والسياسية لهذه المقولة.

البعد السياسي :

يذهب أكثر علمائنا إلى أن أصل قضية الإمام الحسين (ع) وزيارته هو أصل سياسي، السيد السيستاني عنده فتوى مشهورة بخصوص الروايات التي تفضل زيارة الإمام الحسين على الحج ، فهو يرى أن هذه الروايات لها أغراض سياسية تهدف لتوجيه أنظار المسلمين إلى المذهب واتخاذ الموقف المعارض للسلطات، لذا فمع ثبات المذهب وكثافة إحياء قضية الإمام الحسين (ع) لا يعود هناك أفضلية لزيارة الإمام الحسين ع على الحج .

البعد العرفاني :

إن أصل موضوع علم العرفان هو الكشف والشهود، والعارف لا يطلب فهم الحقائق بعقله وتحققها كصور ذهنية ؛ بل هو يبحث عن الكشف والشهود والتجلّي والظهور، ويريد أن تنكشف لوامع الحقيقة في قلبه، و أن يبرق ذلك في قلبه، وهذا يسمى (شهودا) . ولذا فحين يقول الزائر( أشهد) فهو لا يشهد عن نقل الناقلين بل هو يشاهد ويرى الإمام الحسين (ع) في نفسه وفي صلاته، بل يراه هو الذي أقام صلاته؛ بل أقام كل الصلاة، وهذا معنى راقٍ جداً ينقل الإنسان من المرتبة النباتية ومن الغرق في عالم التراب والمادة والطين والبعد الحيواني ليترقى في إنسانيته وتكون عنده قدرة على المشاهدة فهو يمتلك – وبحسب تعبير الشهيد الصدر – طاقة عظيمة على كشف للحقائق .

إذن الزائر يشهد بحيث يُكشف له الارتباط بين مطلق الصلاة بما فيها صلاته وبين الإمام الحسين(ع) فيرى أن الذي يقيم الصلاة ليس هو وإنما هو الامام الحسين (ع) وإذا انكشف له هذا المعنى فقد زات الحسين عارفا بالحسين (ع).

ولأهمية وضرورة هذا المطلب ( ترقي الإنسان عن بعده الطيني ) ينبغي أن لا تخلو حياة الإنسان من هذا الاهتمام، وإن لم يصل إلى الغاية القصوى والمكاشفة التامة ، لذلك كانت الزيارات من أوضح السبل لإيجاد البيئة والمناخ الملائم للسلوك العرفاني الراسخ بشكل دائم ومستمر ورد في الأدعية المهمة في شهر رمضان “وارزقني زيارة قبر نبيك ورسولك (ص) والأئمة من ولده أبدا ما أبقيتني” فالذي ينعش حياة الإنسان ويعطي لها معنى هي هذه الساعات التي يزور فيها الإنسان الإمام عن معرفة وإلا فسوف يتوغل في عالم الطين والحيوانية أكثر، وهذه هي الحياة الواقعية فكما يعيش البدن بالنفَس فالروح تعيش بأنفاس الإمام (ع) .

البعد الاجتماعي :

هذه العلقة التي ينبغي إبقاؤها مع الإمام بنت الكثير من السلوكيات في أنماط المعيشة والمعاشرات والصداقات والعلاقات والروابط، ونحن ندّعي أن هذا نمط العيش الصحيح . ورد في الروايات ما مفاده (من لم يستطع أن يزرنا فليزر أوليائنا) و (من لم يستطع أن يزرنا فليزر زائرنا) لتبقى هناك دائما حلقة وصل ولو بعيدة بالإمام .

سأنقل رواية عن الامام الصادق (ع) وأبين انطباقها على الآيات القرآنية حتى نعرف عظمة زيارة الإمام يقول الإمام (ع) : ” من زار أخاه في الله في مرض أو صحة، لايأتيه خداعا ولا استبدالا، وكل الله به سبعبن ألف ملك ينادون في قفاه أن: طبت وطابت لك الجنة فأنتم زوار الله وأنتم وفد الرحمن حتى يأتي منزله، فقال له يسير: جعلت فداك وإن كان المكان بعيد؟ قال: نعم يا يسير وإن كان المكان مسيرة سنة، فإن الله جواد والملائكة كثيرة، يشيعونه حتى يرجع إلى منزله.”

الرواية تقول أن من زار أخاه في الله ولله ، لاعلى نحو الاستبدال أي لا تكون الزيارة طريقا للوصول إلى شيء وكل الله به ملائكة تبشره . في الرواية عدة نكات سنشير لها :

1-لاحظوا التعبير “وكل الله به سبعين ألف ملك ينادون في قفاه” الملائكة تمشي وراءه أي أنه متقدم عليها ، والتعبير تعبير واقعي.

2- “فقال له يسير: جعلت فداك وإن كان المكان بعيد؟” ربما الذي أثار السائل – وهو رجل عالم- هو ما يناله الزائر لأخيه من قول الملائكة ” طبت وطابت لك الجنة” وما لهذا من جذور قرآنية لها معان عميقة في المرتكزات الدينية ، وسنوضح ذلك فيما يلي :

الرواية تفيد نفس معنى هذه الآية : ﴿ما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عليه حتّى يَمِيزَ الخبيثَ من الطّيّب﴾ سورة ال عمران 179 تقول الآية أنه لا يتأتى من الله سبحانه وتعالى أن يترك الناس على ما أنتم عليه ففيكم المؤمن وفيكم غير المؤمن، وفيكم الجاهل وفيكم العارف ، وفيكم الخبيث وفيكم الطيب ، ولا بد أن يميز الله الخبيثين من الطيبين ، ليس في الآخرة وإنما في الدنيا ، يميزكم بهذه التصرفات والمظاهر والسلوكيات اليومية.

إذا دققنا في الآية نجدها تفيد نفس معنى الرواية، فالإمام يقول أن المؤمن إذا قصد زيارة أخيه المؤمن لله في الله ومن أجل الله تخاطبه الملائكة “طبت وطابت لك الجنة”، وما أثار هذا السائل أن الملائكة لا تقول طاب عملك أو طاب فعلك ، بل تقول طبت أي أن ذاتك طيبة، فهل من الممكن أن زيارة المؤمن بصفاء نية لله تكون سببا لجعل ذات الإنسان طيبة ؟

بتتبع الآيات القرآنية نجد أن وصف الطيب تارة يصف الأعيان يقول تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ سورة الأعراف 157 ويعني الأموال الطيبة في مقابلها الأموال الخبيثة ، وكذلك المأكل الطيب في مقابله المأكل الخبيث ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ، وتارة يصف الأعمال بالطيب يقول تعالى : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ سورة الأنبياء 74 ومرة يصف الذوات ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ سورة الزمر 73 ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ سورة العمران 38

إذا المؤمن زار أخيه زيارة قاصدا بها وجه الله تعالى فذاته طيبة ، وهو يشهد ذلك ويسمع الملائكة ، نحن نقوم بهذه الأعمال على نحو التعبد لكن بالنسبة لأهل الكشف والشهود فهم يسمعون كلام الملائكة .

بمقتضى مفهوم الأولوية(١) نقول إذا كان هذا جزاء المؤمن حين يزور مؤمنا فكيف إذا زار معصوما ثواب زيارة الإمام ممالا يمكن أن يُبين .

الله سبحانه يجعل هذا النوع من السلوكيات و الممارسات المعيشية حتى لا يذر الناس المؤمنين على ما هم عليه ، فلا بد أن يكون هناك أناس يتميزون في ذهابهم لزيارة المؤمنين حتى يتشكل مجتمع إسلامي وتتشكل حلقة إيمانية ، وهذا من القوانين الإلهية لحفظ البناء الأصيل للمجتمع الإلهي ، فإذا تشكلت أحكام وعلائق في الله ومن الله وإلى الله فهذا الذي يشكل مجتمع إسلامي ، ويخرجنا من حالة النفاق إلى الحالة الإلهية بحيث تكون روابطنا وتواصلنا واتصالاتنا وزياراتنا لله .

فالذي يجد في قلبه ويشهد في نفسه رغبة وحبا وميلا للمعصوم أو للمؤمنين أو لأولياء الله هذا يعني أن الله ميزه وميز ذاته وجعلها طيّبة ، فزيارة الإمام الحسين (ع) تميز ذواتنا وليس أفعالنا ، وبزيارته نتميز عن غيرنا في هذه الدار ﴿ما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عليه حتّى يَمِيزَ الخبيثَ من الطّيّب﴾.

 


١. مفهوم الأولوية في الفقه مثلا الله عندما يقول” فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ” سورة الإسراء/17 فالأولى أقبح إذا ضربتهم .

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 75٬036 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 0 (0)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (1)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 0 (0)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها