ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 لبيك داعي الله ٩

تقدم القراءة:

لبيك داعي الله ٩

الخميس 6 محرم 1436مساءًالخميس

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

٩- لبيك داعي الله حقيقة لا مجاز

(لَبَّيْكَ داعِيَ اللهِ، إِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِسانِي عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ فَقَدْ أَجابَكَ قَلْبِي وَسَمْعِي وَبَصَرِي سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ) [زيارة الحسين في رجب].

نجتمع في آخر حلقة من هذا البحث لكي نلبّي داعي الله ونختم دورتنا في هذا الموسم بتحديد معنى التلبية وكيف تكون، ولماذا يستحب تكرارها سبعا.

التلبية في اللغة هي الجواب بعد الجواب، لا بالنظر إلى العدد بل بالنظر إلى تتالي التلبيات. والسؤال هنا: كيف نجيب ونلبّي ونحن لم نكن في زمن الإمام الحسين عليه السلام ولم نحضر كربلاء؟

هناك رأيان في حقيقة هذه التلبية:

الرأي الأول: أنها تلبية بالمعنى المجازي. أي أن وصية الأئمة (ع) لنا بالتلبية عند ذكر الحسين (ع) هي من أجل تحريك استعدادنا لنتهيّأ ونعدّ العدة لأداء وظيفتنا (وَنُصْرَتى لَكُمْ مُعَدَّةٌ) [الزيارة الجامعة]. فصاحب التلبية يشهد على نفسه بأنه متأهّب دائما ليكون في موقع الإجابة للإمام الحسين (ع) ولأهدافه، وأنه نذر حياته وهذّب نفسه ليكون مستعدا لإجابة الأمر والدعوة سواء كان هذا الأمر واجبا شرعيا أو نصرة لمشروع الظهور والرجعة. فمعنى لبيك داعي الله هو إعلان بأن هذا الإنسان عازم في كل مسيرة حياته وتحت أي ظروف تواجهه على الالتزام بدعم قضية الإمام الحسين عليه السلام.

الرأي الثاني: أنها تلبية بالمعنى الحقيقي. وهذا ما نذهب إليه. فمن يتأمل يجد أن عبارة (لَبَّيْكَ داعِيَ اللهِ) أرفع معنى وأوسع أفقا من (وَنُصْرَتى لَكُمْ مُعَدَّةٌ) ، لأن التلبية أمر قد حدث فعلا، وموقعه في الوجود أهم. وسنثبت أن كل من يلبّي الإمام الحسين عليه السلام بهذه التلبية فهو قد لبّى حقيقة في كربلاء. وأن هذه الأعداد الغفيرة من المؤمنين الذين يحيون ذكرى الإمام الحسين عليه السلام كل بمقداره واستعداده هم في الحقيقة قد لبّوا الإمام الحسين عليه السلام يوم كربلاء. وهذه الممارسات إنما تكشف عن تلك التلبية.

ولبيان ذلك نقول:

الفعل (أجابك) الوارد في الزيارة (فَقَدْ أَجابَكَ قَلْبِي وَسَمْعِي وَبَصَرِي) يفيد الوقوع في الزمن الماضي، وعندنا قاعدة أصولية تقول: إن حمل اللفظ على المعنى الحقيقيّ والظاهر أولى من حمله على المجاز، وهذا ما يقلل عندنا رجاحة التفسير الأول، فهو يستعمل الماضي في غير ما وضع له، ويحمله على الحاضر، ويجعل معنى (أجابك) (أستعد لإجابتك).

بينما التفسير الثاني – الذي نرجحه – يحمل الفعل الماضي (أجابك) على معناه الحقيقي، ويقول أن الإجابة قد وقعت من الملبّي فعلا في ذلك الزمن. وهذا يفيد التحقّق والحتميّة. من جهة أخرى فإن تلبية داعي الله يجب أن تسانخ نفس الداعية، فكما أن الحسين داعي الله دائما وعلى نحو الإطلاق، كذلك يجب أن تكون للتلبية نفس إمكانيات الداعي. يعني أن من يقوم بأي فعل في هذه الدنيا من أجل الإمام الحسين عليه السلام فإنه كان موجودا في كربلاء، بل كان حاضراً أكثر ومسارعاً أكثر، هذه حقيقة لكنها تحتاج إلى إثبات. وسنثبت ذلك بما يتناسب وهذه الفرصة، على أن تراجع هذه الأبحاث في محلها.(١)

هناك نظرية أساسية يطرحها القرآن، وهي أن كل أعمال الإنسان التي تصدر عنه في ظرف هذه الحياة الدنيا، لها وجود في بقية العوالم قبل هذا العالم وبعده. وعندنا دليلان على هذا المدّعى: دليل قرآني، ودليل عقلي.

أولاً: الدليل القرآني:

القرآن يؤكد على أن وجود الإنسان له امتداد عمودي طويل صاعد ونازل. في المرحلة المادية يوجد الإنسان ببدنه، لكن هذه المرحلة البدنية لا تختصر وجود الإنسان. والأدلة القرآنية على ذلك كثيرة .منها قوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ الحجر: 21 . فكل شيء له خزائن، أنت وأنا والحصى والتراب..، أي شيء نراه في هذا العالم فإن له خزائن وليس خزينة واحدة. وفي آية ثانية ينتقد الله سبحانه وتعالى الكافرين لعدم فهمهم الموت والحياة والعوالم التي تسبق هذا العالم، فيقول: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ..﴾ السجدة: 10 .

عندما يموت الإنسان ويدفن سيتحول بدنه إلى تراب، والتراب يتحول إلى نبات، وهذا النبات سيؤكل، وهذا ما يقصدونه بقولهم (ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)، لذلك يسألون منكرين: كيف بعد ذلك يكون لنا خلق جديد؟! الله سبحانه وتعالى ينتقدهم ويقول: ﴿.. بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ • قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ السجدة: 10-11. إن من يأخذكم يأخذكم على نحو الاستيفاء، لا تضيعون ولا تضلون، أنتم موجودات لها امتداد وجودي، ووجودها غير منحصر في الوجود المادي للبدن في هذا العالم.

ثانيا: الدليل العقلي:

الفلسفة والحكمة المتعالية تثبت بالدليل العقلي أن وجود الإنسان لا ينحصر في هذه المرحلة المادية، وأن لوجود الإنسان أكثر من مرحلة.(٢) فهذا الوجود محكوم بقانون العلية، وقبل هذه المرحلة لابدّ من وجود علّة لوجودنا، تلك العلة يسميها الفلاسفة عالم المثال ويسمى في النص الديني بعالم الذر. ولو لم يوجد عالم المثال لكان تحقق العالم المادي محالا، لأنه يكون فاقدا لعلة وجوده. النشأة المادية تحتاج إلى أسباب واقعية تحركها وتوجدها. نحن حتى نسهل الأمور على أنفسنا نقول أن الله خلقنا، لكن في الواقع الله خلق الأشياء في عالم الوجود بأسبابها.

في عالم المثال كان لنا وجود حقيقي ولكنه ليس وجودا ماديا. وكانت لنا شؤون مثل شؤوننا الآن لكن بشكل مجرد، وجودنا في هذا العالم الدنيوي المادي هو الثاني من حيث الترتيب، ونحن فيه محتاجون إلى بدن مادي وإلى الزمان والمكان وظروف أخرى، والأمر الذي يمنعنا من فهم ذلك النداء وتلك التلبية أننا نحاول فهمها بشكل يخضع لظروف وقوانين هذا الوجود المادي. فنحن لا نستطيع تصور أن القلب والسمع والبصر شؤون متجردة عن الزمان والمكان، ولا نفهم أن الزمان ينتزع من امتداد وجود أي شيء مادي. وأن ما نعبر عنه بالزمان هو في الحقيقة امتداد وجود أبداننا.

مثلا: عندما يرى النائم أنه يُضرب في الحلم فإنه يتوجع، مع أن الضرب لم يصل إلى بدنه المادي، والسبب هو أن الروح في الحلم تتصاعد، واتصالها بالبدن يضعف، فيفقد البدن الإحساس. الذي يحس في هذه المرحلة هي النفس التي تجري عليها بعض أحكام البدن. تصور هذا المثال يساعدنا على إدراك حقيقة النفس، ومعنى تجردها من الزمان والمكان، لذلك عندما نقول أن هذه النفس وجودها كان قبل في هذا العالم المادي فهذه الـ (قبل) تعني مرحلة سابقة وليس زمنا سابقا.

وجودنا إذن غير منحصر في البدن المادي وآلاته. لهذا لاحظوا نص الزيارة (إِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي) يعني أن بدني غير موجود في كربلاء، لكن وجودي ليس مقتصرا على البدن. (فَقَدْ أَجابَكَ قَلْبِي) الحديث هنا ليس عن القلب الصنوبري، بل عن القلب الذي هو مركز الإدراك والقرار، ومركز الانفعال والتعاطف، والحب والبغض. وهذا القلب لا يحتاج إلى بدن.

ورد أيضا في بعض النصوص (فقد أجابك سمعي وبصري ورأيي وهواي) لم يقل فكري لأن التفكير يحتاج إلى بدن، وإعمال الفكر يحتاج إلى زمان. ولم يقل تدبيري لأن التدبير هو معرفة الأشياء شيئا بعد شيء، وهذا يحتاج إلى زمان ويحتاج إلى بدن. ولكن الرأي يحدث دفعة واحدة عند الإنسان، فهو قرار نهائي مثل أمر الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّاوَاحِدَةٌكَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ القمر: 50 . ومسألة الهوى مجردة كذلك.

(وسمعي وبصري)

العين والأذن مجرد نوافذ صغيرة ومعبر، أما السمع والبصر فهي قدرات مجردة. لذلك لا يقول في الزيارة: فقد أجابتك عيني وأذني، بل يقول: (فقد أجابك سمعي وبصري) لأن العين والأذن هي آلات هذا البدن المادي فحسب، أما السمع والبصر فهو مجرد لا يحده زمان.

ولبيان ذلك أكثر نقول:

الإنسان في عالم المادة يحتاج إلى وسائط حتى يتصل بالناس ويسمعهم ويراهم، وهو اتصال محدود بحدود قدرة تلك الوسائط والآلات المادية، لكنه عندما يخرج من هذه الدنيا وتزول الحاجة إلى هذه الوسائط يصبح اتصال الإنسان بالعوالم غير محدود.(٣)

يمكن أن يرد إشكال هنا، وهو: إذا كان حضورنا لمجالس الحسين والتوفيق لخدمته (ع) هو الذي يجعلنا محسوبين فيمن أجاب ولبّى نداء الحسين في واقعة كربلاء فما شأن أولئك الذين ولدوا من أبوين ليسوا موالين وحرموا من حضور المجالس وخدمة الحسين، هل عدم حضورهم وتلبيتهم في هذا العالم كاشف عن عدم تلبيتهم في ذلك العالم؟ وكيف نحكم عليهم؟

الجواب: هذه التلبية – وفق ما ذكرنا آنفا – ترجمة فعلية لإجابة وقعت، وكل أعمالنا واتصالنا بالإمام الحسين ليست إلا الدليل الكاشف عن وقوعها. وهو عين ما ورد فيما يخص عدد مرات الحج، فقد ورد في الروايات أن نبي الله إبراهيم عندما أذن في الناس بالحج وقال: “هلموا الحج” فقد أجابه البشر في كل العوالم وكل يحج بعدد تلبياته.(٤) فلماذا نقبل بهذه الفكرة في حق النبي إبراهيم ولا نقبلها في حق الحسين عليهما السلام.

يقول العلماء أن الأعمال التي نأتي بها تحتاج إلى علل كثيرة حتى تقع، فإذا وقعت دلت على اختياراتنا في العوالم السابقة. قلنا أن ذلك العالم هو العلة لهذا العالم، وأنه سابق في الرتبة وأشد وجودا، فكل ما يقع منا في هذا العالم يشير إلى تلك الأسباب الموجودة في عالم فوقه. فلا يعقل أن يوجد شيء في عالمنا المادي بلا علة سابقة.

بم يستحق الإنسان شرف تلبية داعي الله؟

الذي فهم الدروس السابقة سيعرف لماذا، لأن داعي الله سلاحه الفطرة، والفطرة لا تحتاج إلى زمان، الفطرة تحتاج فقط إلى من يزيل الغبار عنها. هؤلاء الذين لم يلبوا الإمام الحسين هناك غبار يحجب فطرتهم، سموه تعتيما إعلاميا، سموه تزويرا تاريخيا، سموه ما شئتم. الإمام الحسين داعي الله فدعوته تنسب إلى الله ﴿..فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ..﴾ البقرة: 115 الله موجود دائمًا، والإمام الحسين هو داعي الله حقيقة وتكوينا، فنحن إذا زرناه وإذا حضرنا في مجالسه فبدعوة منه. الإمام الحسين فعل كل شيء حتى نأتي إلى هذا المجلس، كل الأحداث التي جرت في كربلاء دبرها الإمام الحسين حتى نكون من الملبين. كما أن رب العالمين جلت قدرته إذا دبر أمرا أحسن تدبيره، كذلك داعي الله دبر كربلاء وأحكم تدبيرها.

إذن هذه التلبية العظيمة هي بفضل كربلاء وفعل الإمام الحسين عليه السلام وما نحن إلا مستجيبن للداعي. الفاعل هو لا نحن. هو يدعونا ونحن نجيب ونأتي.

لماذا نُلبّي سبعا؟

هناك رأيان في هذا المعنى:

الرأي الأول: ناظر إلى الإنسان الملبّي، فالملبّي نفسه له سبع منافذ للاتصال والمعرفة والإدراك، وهي الحواس الخمس بالإضافة إلى العقل والقلب.

فالتلبية الأولى تقول: أدركت بسمعي وسمعي تأثر. والتلبية الثانية تقول: بصري استجاب…وهكذا فأنت تترقى بمستوى تجاوبك مع التلبية، فإذا بكيت فقد لبت عينك، وإذا سمعت المصيبة ووعيتها فقد لبى سمعك، وإذا انكسر قلبك فقد لبى قلبك…، وهكذا فالتلبيات السبع تقول: قواي أدركت.

الرأي الثاني: يرى أن التلبيات السبع استجابة لاستغاثات الإمام الحسين السبع. فالإمام الحسين له سبع استغاثات واستنصارات حارة جدا.

أولها: عندما وقف في بيت الله الحرام بمكة، وخطب في الناس مستنصرا (من كان باذلاً فِينَا مهجتَه موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا) قال: (من كان) وهذا لا يشير فقط إلى أهل ذلك الزمان، بل يعني من كان في عالم الحقيقة موطنا على لقاء الله نفسه، فليأت مع داعي الله ليرى الله. وبحسب هذا الرأي فإن تلبيتنا الأولى تأتي جوابا على هذه الاستغاثة.

الاستغاثة الثانية: أشد وتستدعي من الإنسان انفعالا أشد. الامام الحسين في طريقه بين مكة وكربلاء كلما رأى قافلة أو شخصا من بعيد كان يذهب ليطلب منه النصرة. ونحن نلبيه بتلبيتنا الثانية. الذين تخلفوا عن نصرة الحسين أعذارهم غريبة، فهناك من يتعلل بالخوف على ضيعته، يعني يبيع دم الإمام الحسين في مقابل بضاعة وأموال وتجارة، كأنهم مصداق للآية ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ التوبة: 24 حتى أن أكثرهم كان يحيد عن الطريق لكي لا يرى الإمام الحسين ولا يجيب استغاثته. وأنت الآن إذا تألمت على هذه الاستغاثة ورأيت أن دم الإمام الحسين أغلى عليك من كل شيء تكون لبيت التلبية الثانية.

الاستغاثة الثالثة: هي استنصار الإمام الحسين عليه السلام عندما حوصر في كربلاء. عندما بلغ جيش بني أمية ثلاثين ألفا وعدد أصحاب الحسين سبعين رجلا، رأى الإمام أنه يجب أن يلقي الحجة على جيش الأعداء، فاستغاث الحسين وطلب النصرة لعل المشاعر تتحرك لكنهم لم ينصروه. إذا لبيت تلبية ثالثة فأنت فعلا نصرت داعي الله في هذا الموقع.

التلبية الرابعة: عندما التحم العسكران وأيقن الإمام الحسين (ع) أن المعركة غير متكافئة من حيث العدد، فاستنصر وقال: (ألا هل من ناصر ينصرنا ألا هل من ذاب يذب عنا) وها أنت الآن تلبيه في تلبيتك الرابعة.

التلبية الخامسة: حين استحرّ القتل في أصحاب الإمام الحسين ورآهم مجزرين على الأرض قال: (هل من مغيث يغيثنا؟) ونحن نلبي هنا خامسا.

التلبية السادسة: استنصاره (ع) حين سمع صياح الأطفال (العطش العطش!!) فاضطربت النساء فاستغاث هذه المرة: (هل من موحد يخاف الله فينا؟). ونحن نقول سادسا: لبيك.

وأما التلبية السابعة فهي أحر وأشد: عندما دخل عليه علي الأكبر يطلب منه الإذن بالخروج للقتال وهو ريحانة الحسين (ع) وأشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله، كان هذا الوداع شاقاًّ جدا على الحسين. ونحن هنا نلبي التلبية السابعة ونقول (لبيك داعي الله).

إذن فالتلبية واقعية وحقيقية وليست على سبيل المجاز، واستجابتنا للإمام الحسين اليوم هي ترجمة لتلبيتنا في العوالم السابقة، وهي سبعا لأنها تتوافق مع استغاثات الإمام السبع.

إلا لعنة الله على الظالمين



١. راجع الرسائل التوحيدية للسيد الطباطبائي صاحب الميزان.

٢. وجود الإنسان لا ينحصر في عالم واحد، حتى علميا وفيزيائياً. هناك عالم الذر وعالم المثال وعالم الميثاق وعالم البرزخ والقبر ، و القبر ليس هذه المساحة من الأرض بل هو عالم، وإلا فكيف يمكن أن يكون روضة من رياض الجنة والإنسان فيه منعّم سعيد أو يكون معذبا؟ بعض الناس يتصور أن الإنسان إذا مات تعود الروح في بدنه حتى يُسأل ويُحاسب، ويتصورون أن ضغطة القبر هي عذاب يقع على البدن. وهذا خطأ فالروح بعد أن تخرج محال أن ترجع، لأنه لا توجد في الكون حركة قهقرائية، فالثمرة – مثلا – لا يمكن أن ترجع نواة.

ضغطة القبر تأتي من الحرج الذي يقع فيه الإنسان حين يُسأل في قبره عن واجبات لم يؤدها، وهذا الحرج يكون شديدا لأنه يكون في حضرة أنبياء وأولياء، فيشعر بالضغط لأنه لا يعرف بماذا يجيب ولا عذر عنده. ووجود عالم القبر دليل على وجود عالم قبل هذا العالم وعالم بعد هذا العالم، إذا آمنا بذلك سنفهم أنه يمكن أن تكون أبداننا غير موجودة في عالم ما لكننا موجودون.

٣. السمع في القرآن دائما مقدم على البصر دائما ﴿..فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2] الإنسان حيوان ناطق، وحاسة السمع أكثر قوة وتأثيرا فيه من حاسة البصر. والذكاء السمعي أغلب على الناس من الذكاء البصري، وحاسة السمع فيها خصوصيات أوسع في توصيل المعاني، لذلك آخر ما يغيب في الإنسان في حالة النوم والموت هوسمعه، أما البصر فيغيب سريعا.

٤. عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما أمر ابراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) ببناء البيت وتم بناؤه قعد إبراهيم على ركن ثم نادى : هلم الحج (1)، فلو نادى: هلموا إلى الحج لم يحج إلا من كان يومئذ إنسيا مخلوقا، ولكنه نادى: هلم الحج، فلب الناس في أصلاب الرجال: لبيك داعي الله، لبيك داعي الله عز وجل، فمن لبى عشرا يحج عشرا، ومن لبى خمسا يحج خمسا، ومن لبى أكثر من ذلك، فبعدد ذلك، ومن لبى واحدا حج واحدا، ومن لم يلب لم يحج. [وسائل الشيعة]

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬752 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.