ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 لبيك داعي الله ٨

تقدم القراءة:

لبيك داعي الله ٨

الخميس 6 محرم 1436مساءًالخميس

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

٨- داعي الله يدعو إلى الفطرة

مضمون الدّعوة وثمرة التلبية:

انتهى الحديث إلى مضمون دعوة داعي الله، وقلنا أنّها نفس دعوة الرّسول التي نصّ القرآن عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ …﴾ الأنفال: 24، وهي دعوة إلى حياة خاصّة. وذكرنا أنّه يجب أن نعرف معنى التلبية وكيف نلبي وهل نحن من أهل التّلبية؟ كما استوجب أن نتساءل إلى أين تريد أن تأخذنا تلك التّلبية؟

وكان الجواب:

  • أنّها إنّما تأخذنا إلى حياة جديدة.
  • وتأخذ بنا إلى الالتصاق، أو (الولاية) بالمعنى العقائديّ لأنّها تعني القرب الكامل ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ..﴾ الأحزاب: 6 أي أقرب وألصق بهم من أنفسهم.
  • تلجئنا إلى الإمام الحسين ليكون كهفاً لنا فيربّينا ويحمينا ويطرد عنا النّقص. وكما أن الرّسول أعاذ الحسين بالله فنحن بدورنا نعوّذ ونلتصق بالحسين صلوات الله عليه، وربما يمكننا تفسير بعض المعاني الواردة في الزيارات بهذا المعنى، كالتّوجيه بعد الزيارة بـ (ثم الصق خدك بالضريح وقل: عبدك وابن أمتك اللائذ بك)، فهذا تعويذ واقعيّ وليس من باب الأدب فحسب، إذ لا انفصال بين عالميّ المادة والمعنى.

فعالم المادة هو أحد تنزّلات عالم المعنى، ومن وفّقه الله وزار الحسين فهذا -بحدّ ذاته- لجوء له من كل نقص وخطيئة ورذيلة، لذلك نقرأ في آخر الزيارة ومن قام بذلك لا يبقى عليه ذنب مما سلف. وإذا كان داعي الله لصيقاً بالله، فكذلك يكون الإنسان المستجيب للدّاعي أيضاً، ويكون بدوره داعٍ للإمام، يقول الإمام الصّادق صلوات الله عليه: “كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ”.

ورد في النّصوص أنّ أربعة كانوا (دعاة الله) وليسوا (دعاة إلى الله) فقط، وهم:

  • نبيّ الله إبراهيم لمّا أذّن بالحجّ ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ الحج: 27 فأجابه الناس: (لبيك داعي الله) .
  • رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله لما استمع إليه نفر من الجن فقالوا لقومهم لما عادوا إليهم ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ • وَمَن لّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء…﴾ الأحقاف: 31-32 .
  • الإمام المهدي صلوات الله عليه، فقد ورد في زيارته (اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا داعِيَ اللهِ وَرَبّانِيَ آياتِهِ). هناك جامع مشترك بين الأربعة بغض النّظر عن ترتيب الأفضليّة هو الفطرة، فرسالتهم رسالة فطريّة وكذلك دورهم فطريّ.

عندما يتكلم الله عن لسان نبيّه إبراهيم يقول﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الأنعام: 79 ، ومن يوجّه وجهه إلى الله فإنه يوجّه كل قواه إلى الله تعالى، لأنه فاطر السّماوات والأرض. ويقول بخصوص رسول الله صلى الله عليه وآله﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.. الروم: 30 . ورسول الله يقول :بُعثت على دين الفطرة.

  • والإمام الحسين – أيضا – يدعو الإنسانيّة في طول خط وجودها وعمقها بلسان وبيان فطريّ. والفطرة شأن سماويّ ثابت، وأمر لا يزول ولا يتبدّل، ولا تعرض عليه الطّوارئ الاستثنائيّة، لذا لم يعتمد الأنبياء والمرسلون على الأحاسيس الظاهريّة في نجاح دعوتهم، بل كان اعتمادهم على الفطرة الإنسانيّة كعامل أساسي أدى لبقائهم واقتدارهم ونجاحهم.

الإنسان والفرد والمجتمع يتعرضون إلى أحداث ومجريات سطحية. بمعنى أننا إذا تأملنا في كل مزالق الإنسانية على الصعيد الفردي والاجتماعي فسوف نرى أن الانحراف والخيانة والضعف الجور والاستبداد والدكتاتوريّة، كلّها أعراض كانت مثل الغبار الذي ينتشر في المجتمع ويغيم الرؤيا الصحيحة، بحيث لا يتمكن الناس من الرؤية، فقد استشهد الذين نصحوا الإمام الحسين عليه السلام – مثلا – بعدم صلاحيّة الخروج إلى كربلاء بظواهر يرونها من قبيل خيانة أهل الكوفة لأبيه وأخيه، وأنّ الظروف السّياسيّة والاجتماعيّة ليست في صالح الإمام.

جميع هذه الظواهر ليست عوامل فطريّة لأنّ الخطيئة طارئة والفطرة أصيلة ثابتة، وهذا خلاف ما يعتقده السطحيّون من أنّ هذا الواقع المنحرف هو الثابت، فنجدهم يثبّطون النّاس ويقنعونهم بأنّهم لا يملكون القدرة على الوصول إلى حقوقهم، وهذا ليس إلّا صرف غبار وتحليل سطحي للواقع وللإنسان(١)، يعتمده ويهوّله الطّغاة من أجل إثارة الغبار والتّشويش وإفشاء نقاط الضّعف التي هي قوام وجودهم، فهم دائما يضخّمون القضايا الصغيرة ويفترضون السّوء والسّلبيات في المجتمع، مع أنّ السّوء استثناء جاء به الطّارئون الذين يمثّل القرآن وجودهم مثل الزّبد، وسوف يذهبون جفاء، ويخلي الله الأرض منهم. وهؤلاء ليس لهم تأثير إلا على الأرض ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ..﴾ الروم: 41 لكنّهم لا يستطيعون الوصول إلى السّماء.

وليس من السّهولة أن نعرف من الذي له القدرة على تحليل الأمور، لأنّ هناك كثير ممن يحلّلون الأحداث تحليلاً قشرياًّ، حتى من بعض العلماء والمعمّمين. فكثير من تحليلاتهم لا تنظر إلى فطرة الإنسان ولا إلى حقيقته، ثمّ إنّ هذه التّحليلات سواء كانت على الصّعيد العقائديّ أو الفكريّ أو الاجتماعيّ أو السّياسيّ تسبب عدم الوضوح في الرّؤية والتّشويش على الفطرة حتى يعتقد النّاس – شيئاً فشيئاً – وفقا لتلك التحليلات المثارة بعجزهم عن تغيير واقعهم.

الذين كانوا يرون أن خروج الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ليس في محلّه، لم ينظروا إلى العمق الأساسي في صلاح الإنسان. فإن الإنسان في قرارة نفسه لو بقي بينه وبين جهنّم شبر واحد ووجد من ينتشله من الانحدار الذي سقط فيه، فإنّه -في الحقيقة- سيفرّ ويسارع إليه.

لذلك يقولون أنّ الخطاب في ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..﴾ آل عمران: 133 ليس خطاباً فوق الفطرة، ولا تحميليّ من قبل الله، بل الإنسان هو بفطرته يريد المسارعة ولا يحتاج الإنسان إلى شيء ليصبح إلهياًّ، فهذا هو مقتضى فطرته. ولعلّ ذلك سبب كون (أبي تراب) أحب الأسماء إلى أمير المؤمنين مع ماله له من أسماء كثيرة ومناقب وصفات جمّة، لأنّ أبا تراب تعني الإنسان الترابيّ الفطريّ الذي لم يتغيّر جوهره، والذي ملؤه التّوحيد، لا تمس عقيدته المتغيّرات، معتقداً بحاكميّة الله ومالكيّته وعزّته، وبالنّصر من عنده.

وبذلك كان (أبو تراب) أبو الفطرة، وقد ورد في تفسير الآية ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ النبأ: 40 . أي يا ليتني كنت تراباً وعلياًّ أبي. ولذلك فإنّ الإلهيّين حين يبدؤون من الفطرة فهم يبدؤون من نقطة ثابتة أساسيّة لا تتغيّر ولا تتبدّل عبر الزمان والمكان. وعليه فإنّ مقولة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ عَلَيِهِ السِلام حَرَارَةً فِيْ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لا تَبْرَدُ أَبَدَاً)، أي أنّ مثلها كمثل الفطرة لا تتغيرّ ولا تتبدّل حتى بظهور الإمام المهديّ (عج) وتحقّق الدّولة الإسلامية، ستبقى هذه الحرارة ولن تزول أبدا.

دعوة الإمام الحسين عليه السلام فطريّة على الصّعيدين النّظريّ والعمليّ. ولبيان ذلك نقول:

فطرية دعوة الإمام الحسين على الصعيد النظري:

لم يرد في أقوال الإمام الحسين (ع) ولا تصرفاته على صعيد نظريّ أمر مخالف لطبيعة الفطرة، كل من يتعاطى مع الإمام يرى أنّه كمن يزيل الغبار من قلوب المخطئين، فهذا زهير بن القين الذي لم يكن محسوباً على أمير المؤمنين ولا على أهل البيت، لم يوبخّه ولم يعب عليه أبدا.

ومثله الحرّ بن يزيد الرّياحي -مع كل ما فعله بركب الإمام- لكن الحسين لم ينظر إلى هذا الغبش والتّشويش الذي كانوا يعيشونه. ارجعوا إلى أقوال الإمام الحسين سترون كيف استشهد واستدلّ بالفطرة على وجود الله سبحانه وتعالى: (مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، … أَيَكُونُ لِغَيْرُكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ؟) [دعاء عرفة].

لقد نادى الإمام الحسين عليه السلام ونادى الأنبياء بالعودة إلى الفطرة، يحركونها ويستثيرونها، لذلك كان الفرق بين كلامهم وكلام المفكّرين والفلاسفة أنّ كلامهم نور، وهو خلاف كلام البشر. خذوا برهان الصدّيقّين مثلاً(٢) الذي هو أقوى برهان اهتدى إليه العقل البشري على وحدانيّة الله، لو شرحناه مائة مرّة لما انفكّت عنه الإشكالات، لأنه ليس نتاجا نبوياًّ وليس من الفطرة ولا من أعماق الإنسان.

ولهذا عندما يتكلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك العمود النّوري للإمام الحسين عليه السلام، فإنّه يتكلّم عن البعد الأصيل الذي لا يتغيّر في الوجود، البعد الثابت والمستقر في كل مجتمع وكل زمان ومكان. يقول صلوات الله عليه وعلى آله: (إنَّ الحُسينَ مِصباحُ الهُدى). أي أنّ كل من وصل إلى الهدى فإنّما وصل ببركة الحسين عليه السلام. وقد بيّن صاحب الميزان الفكرة ذاتها ووضحها بإزاء قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الأحزاب: 21 ، فذاكرو الله كثيراً لا يمكنهم الاستغناء عن رسول الله (ص) حتى لو عبّأت كل حياتهم بذكر الله، فإن الفطرة لن تبرح الطّلب والاحتياج إلى القدوة والأسوة التي تنقاد إليها.

لو أردنا أن نضع كل الذين خالفوا الإمام الحسين عليه السلام تحت إطار موحد على اختلاف أجناسهم، سنجد أنّ كلهم قد ابتعد عن أصل الفطرة، لقد تصوّروا أن لا قدرة لهم على مجابهة بني أميّة، ووفق الحسابات الماديّة فإنّ تصوّر ثلاثين ألفا قبالة سبعين إنّما هو أمر موهن ولا مجال للانتصار فيه. إلّا أنّ الواقع هو أنّ الانتصار والغلبة لمن كان لصيقا بالله ومعاذاً به، وهو داعي الله، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ محمد: 7 ، هذه هي الحقيقة التي غابت عنهم ولم يذكروها مع العلم أنّها بديهيّة وواضحة ومن الآيات المحكمات.

ولو نظروا لوجدوا في السبعين ابن بنت رسول الله الذي كان يقول عنه رسول الله أنّه وأخاه سيّدا شباب أهل الجنّة. ولا شكّ أنّ هذا القول قد بلغهم. ومن جهة أخرى ليس في الثلاثين ألف من يعادله ومن هو في ثقله، وهذا عين ما استدلّ به الحسين حين قال: (فواللهِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ابنُ بنتِ نبيٍّ غيري فيكُمْ ولا في غيرِكُمْ)، لأنّ الرّواية محصورة به صلوات الله عليه، ثمّ يقول: (أَوَلَمْ يبلُغْكُمْ ما قالَ رسولُ اللهِ لي ولأخي: هذانِ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة؟) حتى يقول: (سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟) لكن ذلك لم يكن ليؤثّر فيهم، لأنّ غباراً كثيفاً من التّحليلات السياسيّة ومن الأهواء والرّغبات والجبن ونقاط الضّعف التي بنى عليها بنو أمية كيانهم ووجودهم قد أحاط بهم.

ولقد كان الحسين بذلك يحفر في أعماق الفطرة الإنسانيّة، ولذلك لا تجد أي تعقيد في كلام الإمام ولا في استدلالاته، لأنّ الفطرة أقصر طريق إلى العقل والعلم والمعرفة، وهي ألصق شيء بالإنسان، وخطاب الإمام ألصق شيء بالله والفطرة، لذا نجد اتّحاداً بين خطابه صلوات الله عليه و بين فطرة الإنسان نفسه.

الإمام المهديّ سلام الله عليه داعي الله أيضاً. ذلك أنّه كلّما تردّدت قضيّة الإمام الحسين عليه السلام عبر تراكمات التّاريخ الإنسانيّ كلّما ظهر أنّه لم يؤدّ حق الإمام الحسين، وكلما جرّبت الإنسانيّة التّعامل مع المميّعين للأمور الذين يحاولون عزل كربلاء عن الواقع، ستزداد تجاربها وسترى فشل استجابتهم للمطالب الإنسانيّة الواقعيّة، فلا يعود للحوار ولا الخطابات ولا التوسّلات نتيجة ترجى.

عندها فقط سيرجعون إلى شعار المهديّ الموعود (يا لثارات الحسين) لأنّه داعي الله. يقول الإمام الصّادق صلوات الله وسلامه عليه: (دولتنا آخر الدّول لكي لا يقول قوم لو حكمنا لعدلنا). حينها ستصل الإنسانيّة إلى الحدّ الذي تكتشف بنفسها أنّه ليس من شيء يبرّد غليل قلبها ويصل بها إلى ما تريد إلّا أن تأخذ بثأر الإمام الحسين سلام الله عليه.

فطرية دعوة الإمام الحسين على الصعيد العملي:

كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام على الصعيد العملي في منتهى الفطريّة، لم يخرج الأمام الحسين إلى كربلاء بتلك التّكتُّلات الطّارئة التي لا تشكّل إلا الروح الحزبيّة المليئة بدسّ الأنانيّة والذاتيّة، وإنّما خرج هو وأهل بيته وعياله وأعز النّاس إليه فضحّى مبتدءاً بأحبّ الناس إليه، دون تفاوت بين أحد. الدماء كلها عنده سواسية، يقيسهم جميعاً بنفس المعيار، وهذه الحالة في حقيقتها حالة فطريّة وليست طارئة، تؤكّد أنّ من يقوم بذلك الفعل هو صادق وهو داعي الله، وإلّا كيف لأحد أن يترك نساءه وأطفاله ورضّعه بين يدي بني أميّة الذين يعبّر عنهم صلوات الله وسلامه عليه بـ “عسلان الفلوات” أليسقيهم الكرب والبلاء؟! لا، وإنّما عبّر الإمام بذلك عن انسجامه عملياًّ مع الفطرة، وصدقه بحيث يطعم الموت من أحب.



١. إن من يتابع فلسفة حركة الشعوب، فإنه قد يرى شعوبا كانت تعّد شعوبا خاملة ويستنقص من قدرها، غير أنه لما أتيح لها من يأخذ بيدها ويعيدها إلى الفطرة أظهرت ما لا يتوقع، وليس أقرب من سيطرة الحوثيين في اليمن على مقاليد البلاد.

٢. برهان الصديقين هو برهان يثبت وجود الله تعالى انطلاقا من الوجود نفسه، وهو يختلف عن سائر البراهين اختلافاً جوهرياً. فإنّ سائر البراهين، يشترك في توسيط الخلق بين الإنسان والغيب. ولكن هذا البرهان لا واسطة فيه، بل في هذا البرهان يكون الحق (الله) هو الحد الوسط في البرهان لا غير. علما أن أول من اصطلح على هذا البرهان هو الشيخ ابن سينا.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬749 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.