ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 وما النصر إلا من عند الله ٤

تقدم القراءة:

وما النصر إلا من عند الله ٤

الجمعة 16 محرم 1434مساءًالجمعة

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

كان حديثنا حول الصراعات التي عصفت بمجتمع المدينة، وعن أحداث معركة الخندق، والنصر الذي تحقّق على يد أمير المؤمنين عليه السلام، فآيات سورة الأحزاب تضجّ بهذه المعاني، وفي ضمن هذا السياق الصاخب، تتولّد بشكل طبيعيّ آية التطهير وتأتي هادئة جداً، لأنّها تمثّل إرادة الله مقابل صخب الإرادات البشريّة المتصارعة.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28]

يأتي الخطاب القرآني لزوجات الرسول صلى الله عليه وآله بلهجة شديدة، إذ يخيّرهن بين استمرار الحياة مع رسول الله (ص) أو الانفصال عنه، والسر في هذه اللهجة الشديدة أن المفترض في من يعاشر رسول الله صلى الله عليه وآله، ويراه في مختلف أحواله المعيشية والعبادية، ويلمس عن قرب أخلاقه وآدابه وسلوكه الاجتماعي؛ أن يكون قابلا للتأسي برسول الله (ص).

(إن كنتن تردن )  الإرادة هي المقصد النهائي للإنسان من أقواله وأفعاله، وإرادة رسول الله هي تحويل كل الوجود إلى وجود وحيانيّ، لأنه (ص) يريد الآخرة ويريد لقاء الله، والمأمول ممن يعيش مع رسول الله أن تتحد إرادته بإرادة الرسول، أو على الأقل يخضع لإرادة الرسول، لا أن يعاكسه في غاياته وأهدافه، ويعرقل مشروعه.

هذا التقابل والاختلاف الحاد في الإرادتين -إرادة الرسول للحياة الوحيانيّة والآخرة، وإرادة زوجاته للحياة الدنيا- يجعل الطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله طلاقا جميلاً (سراحا جميلا)، لأنّه حلّ مريح للطرفين، وهذا التعبير يعد من إبداعات القرآن، كما يثبت للمرأة حرّية الاختيار والإرادة. وهذا انتقال سلس في الآيات، من الأحزاب الخارجيّة إلى الأحزاب الداخليّة، فكما أنّ هناك موانع خارجية تعرقل إرادة الله ورسوله فإن هناك موانع من داخل البيت النبوي تقف في وجه إرادة الله ورسوله.

السورة عمدت لكشف الجبهات المضادّة لرسول الله، فبدأت من المشركين واليهود، ثم انتقلت إلى دائرة أضيق فكشفت المنافقين المندسّين في صفوف المسلمين، واستمرّت في التصفية حتى كشفت نقاط الضعف في المسلمين الذين تزلزلوا، ثم عمدت إلى الصفوة المؤمنة التي ثبتت ولم تتزلزل وغربلتهم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ..﴾ هذه الثلّة التي ثبتت مع رسول الله ولم تزدهم المواجهة إلا إيمانا؛ ليسوا جميعهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل جزء (منهم)، حتى تنتهي الآيات بالدائرة الأضيق وهي بيت رسول الله وأزواجه.

إرادة الدنيا تقابل إرادة الآخرة، ولا حالة وسطيّة بينهما(١) ﴿.. مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ..﴾ [آل عمران: 152] وإنّ أرادة الله ورسوله والدار الآخرة ليست إرادة تأتينا من السماء، بل هي باختيارنا وانتخابنا.

﴿.. إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ..﴾

لا عيب في حبّ المرأة للزينة، ولكن أن يشكّل حبّ الزينة هويّة المرأة فهذا أمر لا يناسب رسول الله وموقعه الاجتماعيّ، ولا ينسجم مع رقّة روحه وشفافيتها وقربه (ص) من الوحي، وامرأة هذه هويّتها فمكانها ليس بيت رسول الله، و(سراحها) أفضل.

وأخيراً فإنّ هذه الإرادة لله ولرسوله وللدار الآخرة يجب أن تنتقل إلى الفعل، وتظهر في مجال العمل (المحسنات منكن) ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 29]

﴿يا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [الأحزاب: 30]

لا تنفك في موازين الله سبحانه قيمة العمل عن قيمة الفاعل، هناك أعمال حسنة في نفسها لكن صدورها من ذات حسنة يجعلها أحسن، وهناك أعمال هي في ذاتها قبيحة، ولكن صدورها من فاعل قبيح يجعلها أقبح، فالعيب حين يصدر من المتدين يكون أشد عيباً. عن الإمام الصادق عليه السلام قال لبعض أصحابه: (إن الحسن من كل أحد حسن ومنكم أحسن لأنكن تنسبون إلينا، والقبح من كل أحد قبيح ومنكم أقبح لأنكم تنسبون إلينا …..).

لذلك الميزان في الإسلام ليس لكثرة الأعمال، فهذا ليس دليلاً على صلاح الانسان، بل القيمة لصلاح الذات أولاً، ثمّ للعمل الذي يصدر عنها ثانياً، ثم للموقع الذي يكون فيه المرء، إذ أن للموقع حساسية وتأثير كبير، لدينا قاعدة ملفتة في علم الرجال مفادها أن كل أبناء الأئمة (ع) هم في الأصل عدول، لأنّهم تحت الرقابة، ولو أنّ أحدهم خرج عن الجادة لتمّ اكتشافه، فمجرّد سكوت الناس عنهم دليل على صلاح حالهم، ومن هنا جاء اشتهار أمر (جعفر الكذاب)، لأن فعله كان شاذّا، بالمقارنة مع استقامة البيت الذي خرج منه. إذن كلما كان الإنسان أقرب من المبادئ تكون مسؤوليته أكبر، وجزاؤه أكبر، سيّان على مستوى المثوبة أو العقوبة، ومن هنا يتضح سر الخطاب بـ (يا نِسَاء النَّبِيِّ).

﴿..مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ..﴾

 الفاحشة هي الفعل القبيح المشين، أمّا الفاحشة بمعناها العرفيّ فلا تنسب إلى زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله لأنّ ذلك يخدش موقعيته (ص)، ومما يدفع هذا الفهم أيضا أن جو السورة جو سياسي، وجو حرب ومواجهة وجهاد، والحديث عن نساء النبي وقع في ضمن سياق المواجهة الذي شمل كل طوائف المجتمع.

﴿.. يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾

فمضاعفة العذاب تأتي بناء على موقعهنّ الحسّاس من رسول الله، ولنا أن نتصور مدى قبح الذات التي ترى أحوال الرسول وتبتله وانقطاعه ورحمته وأدبه، وتطّلع على خصوصياته ثم بعد كلّ هذا تريد الدنيا! ولا تكون لها القابلية ولا الاستعداد للتأسي به.

﴿.. وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾

 الله تعالى لا ينخدع بظاهر العمل، ولا بكثرته، بل ينظر للباطن ويطّلع على العيب المستور عن الناس، لذلك فالحساب يسير على ربّ العالمين، لأنّ الذوات حاضرة عنده.

﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب: 31]

هنا تطرح الآيات الخيار المقابل وهو القنوت لله ورسوله، فالإنسان بإرادته يستطيع أن يكون إنسانا قانتا خاضعا خاشعا، ولا تحتاج ذلك منه أكثر من إرادة، فبمجرد أن يقصد الإنسانُ الله ويريده -حتى لو لم يفعل شيئاً- فإنه يقطع مسافات في القرب (وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَفْضَلَ زادِ الرَّاحِلِ إِلَيْكَ عَزْمُ إِرادَةٍ يَخْتارُكَ بِها) الإرادة أفضل الزاد.

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..﴾ [الأحزاب: 33]

(وَقَرْنَ) مأخوذة من (القرّ) بمعنى الوقار والاستقرار، أو من (القر) بمعنى شدة البرد، وما يستلزمه البرد من لزوم المكان وعدم الحركة، ويراد بالقرّ إجمالا القعود وعدم التحرك.

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾

 ماهو التبرج؟  دائما نتصور أن التبرج هو التزيّن، التبرّج أعمّ، وعندما يقول القرآن ﴿..غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بزينة﴾ [النور:60] فقد ضمّ الزينة إلى التبرّج، لأنّهما غير متلازمين، فالتبرج في الأصل معناه الاستفادة من الإمكانيات والامتيازات التي يتيحها الموقع والمكانة، وهو مأخوذ من الصعود على البرج، فالتبرج الذي تنهى عنه الآية هو الصعود على الإمكانيات التي يتيحها القرب من رسول الله ص والانتساب له، فالصعود على الموقعية الاجتماعية يسمى تبرّجا.

الآية إذن تنهى زوجات الرسول عن استغلال الموقع وصعود البرج الذي صنعه رسول الله من موقع اجتماعي وسمعة وتاريخ، فإنّ صعود هذا البرج الرباني واستغلاله إساءة كبيرة، وفعل جاهليّ ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فالجاهلية تبتني على المغالبة بأي شيء بالقوة، بالسلاح، بالجبروت والسلطنة، باستغلال الموقع، باسم العشيرة، … وكيفما كان يتغالبون.

فالخطاب لزوجات النبي: إن لم تستطعن اتّخاذ الرسول أسوة فقرن في البيوت، ولا تتبرجن تبرج الجاهلية.

وكما أنّ هناك من يطلب منهنّ القرآن أن يقرن في البيوت، لأنهنّ لا يملكن الأهليّة ولا الكفاءة؛ فهناك من يطلب منهنّ الخروج لأنّهن يملكن الأهليّة لحمل رسالة الوحي وتبليغها (شاء الله أن يراهنّ سبايا) ذاك خروج يبعث الروح الوحيانية في بدن الأمة التي فتكت بها الأمراض.


١. التقابل يكون بين المعاني المتابينة، والمتقابلان لا يجتمعان ولا يرتفعان في زمان واحد وجهة واحدة وحيثية واحدة، وليس بينهما واسطة.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬749 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.