تقدم القراءة:

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ٨

السبت 22 محرم 1444مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بسيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين ﴿؏﴾، وجعلنا الله وإياكم من الطالبين بثأرهِ.

لا زال الحديث حول الدور الاجتماعي الذي اضطلعت به العقيلة زينب ﴿؏﴾؛ بكونها رائدة جهاد التبليغ، ولا يسبقها في ذلك من النساء إلا أمها الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾.

الوجود مرآة لله ﷻ هي الحقيقة التي أرسل من أجلها الأنبياء ﴿؏﴾

لقد تقرر في كل الأبحاث الكلامية والعرفانية والفلسفية والأبحاث التوحيدية أن وجود الله ﷻ مطلق، ولا يمكن تصور وجود آخر. أيّ أن وجوده ﷻ ملأ أرجاء هذا الكون باتساعه؛ ونحن لا ندرك حقيقة وكنه الذات الإلهية ولا نعرف (الله)، وإنما نحن نعرف ونتعرف على ربنا، وكما جاء في الرواية رُوِيَ عن النَّبِي (ص) أنه قال : “مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه” (١)فالوارد هو من عرف (ربه)، وليس من عرف (الله ﷻ)؛ كما أن الآيات الشريفة تؤكد على هذا المعنى.
وإذا كان هناك أشياء نطلق عليها بأنها موجودة، فهي أفعال ومظاهر لله ﷻ وجماله وجلاله، ولا يمكن أن نتصور أن هناك موجود ليس مخلوقًا لله ﷻ، أو أن وجوده مستقل عن الله ﷻ، وهذه هي حقيقة التوحيد وواقعه، ولو قلنا أن في الكون موجود أو مخلوق آخر لم يخلقه الله ﷻ؛ فهذا شرك بالله ﷻ والعياذ بالله.

لذلك فإن الدور الذي قام به أولياء الله ﷻ، أن يدفعوا بقوة وبشدة كل من صيَّر لنفسه وبغطرسته وتشامخه الكاذب حجابًا عن الله ﷻ، وكل من ادّعى الاستقلالية عنه ﷻ، وعن رسوله ﷺ وآله، وأهل البيت ﴿؏﴾، إذ كانوا يدفعون بجهادهم الأكبر عن أنفسهم، وبجهادهم الكبير عن فكر النّاس، وعن الواقع الاجتماعي والثقافي، كما يدفعون بجهادهم الأصغر وبسلاحهم أيضًا إذا ما اقتضى الأمر ذلك.

يقول السيّد الإمام -قدس الله سره- في كتاب معراج السالكين (٢)

(إذا أراد السالك أن تكون تسميته حقيقية، وأن يكون السالك مخلوقًا لله ﷻ، فلا بدّ أن يوصل رحمانية الحقّ تعالى إلى قلبه، ويتحقق بالرحمة الرحيمية والرحمانية).

ويقول أيضًا:

وعلامة ذلك –العلامة بمعنى الدليل على أن هذا الإنسان قد وصل إلى كونه مخلوقًا لله ﷻ، ومرتبط به، وكونه سالكًا- حصول نموذج منها في القلب، أنه ينظر إلى عباد الله ﷻ بنظرة العناية والتلطف، بطلب الخير والصلاح الاجتماعي لهم، وهذا هو معنى الصلاح الاجتماعي؛ أن يدفع عن خلق الله ﷻ هذه الحجب التي يوجدها الآخرون.
وأما من يحسب حسابًا آخر لهذا الوجود، وينظر نظرة تائهة ضالة، فإنه أيضًا سيضل ويضيع ويشرك بالله ﷻ، وهذه هي الغطرسة) انتهى كلام الإمام.

غياب حضور الله ﷻ يولد نظام اجتماعي ممسوخ

إن الذين يضعون أنظمة اجتماعية مغايرة لنظام حضور الله ﷻ، وحضور رسول الله ﷺ وآله والمؤمنين، هم في الواقع يدخلون المجتمع في نظام اجتماعي هشّ وممسوخ -إن صحّ التعبير-، نظام يدمرهم ويطفئ نور الله ﷻ فيه، وإلا فإن الله ﷻ كل نوره نيّر “اللهُمَّ إنّي أسألُكَ مِن نورِكَ بِأنوَرِهِ وَكُلُّ نورِكَ نَيِّرٌ اللهُمَّ إنّي أسألُكَ بِنورِكَ كُلِّهِ” (٣)، حيث حدث اغتشاش للكثير من النّاس عن النور الإلهي، وهذا في الحقيقة هو ما وقع في الخارج منذ أن انتقل رسول الله ﷺ وآله إلى بارئه ﷻ؛ فغُيِّب الله ﷻ، وغُيب رسول الله ﷺ، وغُيب الإمام ﴿؏﴾. ولذلك، وإلى يومنا هذا، نجد أنفسنا غارقين في أنظمة اجتماعية وصور مغشوشة ومربكة بمفاهيم وتلقينات ومنظومات متكاملة ضد تلك النظرة الواقعية، وضد العمل الاجتماعي الواقعي الذي يكون الله ﷻ فيه حاضرًا في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء.

فإذا ما أراد شخص أن يبلّغ تبليغًا وجهادًا واسعًا وكبيرًا، فعليه أن يرصد نقاط هشاشة تلك الأنظمة الاجتماعية والعلاقات والروابط الناتجة عنها والمتوالدة فيها، والتي تتحول بدورها إلى أغلال تقيّد العقول! أنظمة يكبّر فيها الكبير، ويصغّر الكبير، ويضخّم الحقير، ويضعِّف الحق ويقوّى فيه الباطل، ويكرم فيها أشخاص تارة ويهان فيه آخرون، كما نجد في هذه المجتمعات من يزين واقعه بآيات وروايات بعد أن أفرغها من حقيقة الدّين وباطنه؛ وفي كل آن نجد ظاهرة وظواهر عجيبة!
وفي ذات السياق قد نجد أن الحديث عن العرفان بمعناه التغييري الكبير؛ بحيث يوجههم ويرشدهم ويريهم لا يلقى استحسانًا لدى أغلب النّاس، ويشعرون اتجاهه بالتثاقل، ويرونه جافًا وصعبًا.

نعم، قد يستهويهم مجرد الحديث عن العرفان في جانب الطقوس الروحية والعبادات القلبية فحسب.
لذا نجد أن بعضًا من أولئك النّاس من الذين كانوا ذائبين في العرفان القلبي والطقوسي قد بلغوا مبلغهم من الشراسة والعنف مجرد ما تتعرض مصالحهم الدنيوية للتهديد؛ فنظام حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وقيمهم الموجودة قائم على ذلك العرفان وتلك الطقوس فحسب، ولذا تجدهم يؤّمنون لتلك الطقوس والممارسات الحماية؛ إن هذه الظواهر غير الحقة وغير الواقعية تفرّغ الواقع الاجتماعي من حضور الله ﷻ، ومن دينه وسنته ومن شرعة رسول الله ﷺ وآله، ومن كلام أهل البيت ﴿؏﴾ الواقعي ومن الحوزة والعلماء، ولذا نجد أنفسنا اليوم كإسلاميين ننتمي لدين خير الأنام محمد ﷺ وآله وقد بتنا مهزومين اجتماعيًا في مواقع التحدي الفكري والثقافي! (٤)

زوال الأنظمة القائمة على غياب الله ﷻ أمر حتمي

وبالطبع، فإن هذه الحياة وهذا النظام الاجتماعي الذي سنعتاد عليه، لن يبقى كما هو، بل سوف ينفجر في يومٍ من الأيام، وسوف يتبين أن الملك دائمًا لله ﷻ وحده لا شريك له!
يقول العرفاء: إن تجلي جلال الله المطلق سيحدث لا محالة، وسوف ندرك حينها أن هذا النظام الاجتماعي الذي كنا فيه كله باطل! وعلى ذلك يفسر العرفاء مسألة الفزع عند الموت، وسكرات الموت، ويوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت(٥) ، ليس إلا ظهورًا لذلك النظام الواقعي، وعلى ذلك يقولون –ما مفاده- إن حضور منكر ونكير؛ فهما ليسا ملكين أحدهما اسمه منكر والآخر نكير، بل هو هذا النظام الواقعي الذي كان ينكره الإنسان ولم يدركه، كونه لم يكن يرى حضور الله ﷻ في عالمه الأول، فعندما يدخل ذاك العالم؛ سيدخله وهو في حالة الإنكار تلك -أيّ منكر وغير مدرك لما حوله-، عند ذلك سيتجلى له حضور الله ﷻ، وحضور رسوله ﷺ وآله، وأهل البيت ﴿؏﴾ والمؤمنين.

دور الأئمة ﴿؏﴾ في تحقيق النظام الواقعي

لم يكن عمل الأئمة ﴿؏﴾؛ كعمل الفلاسفة أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فحسب، بل كان عملهم ذا أبعاد وأهداف متعددة ومحكمة ومترامية! كونهم لا يجدون فاصلة بين الجهاد الأصغر والأكبر والكبير، ففي الوقت الذي هم يؤدبون ويعلمون ويوجهون النّاس، هم في ذات الوقت يهدمون البناء الاجتماعي الأخلاقي المنحرف الذي يزيح وجودَ الله ﷻ وأهل البيت ﴿؏﴾ من فضائه وأنظمته وقوانينه.

إن هذا الفصل الذي بين أنواع الجهاد الثلاث في واقعه يجعل الأمة تعيش حياة التناقض؛ حياة أقرب ما تكون إلى حياة الأعور الدجال، القائمة على عين مفتوحة وأخرى مغمضة!
ولكي لا يحدث هذا التناقض الروحي أو الفكري أو العملي، فتُشل الحياة، وتصبح بعيدة عن حياة محمد وآل محمد ﴿؏﴾؛ حيث تجدهم ﴿؏﴾ يأمرون ﴿؏﴾ بالجهاد الأكبر والأصغر هم أيضًا يعملون بالجهاد الكبير من إيضاح وتبيين وتبليغ.
وهذا هو الفارق الجوهري بين مواعظ المبلغين والمرشدين والمعلمين والمؤدبين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والذين يفصلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبليغ والوعظ والإرشاد عن الجهاد الأكبر.

العمل الاجتماعي يكتسب آثاره بقدر نوايا العامل

لو وجهنا نظرة نحو أولئك الذين يدَّعون أنهم من المرتاضين ومن المصلحين ومن أحرار العالم، ومع افتراض أن ما يقومون به من عمل بذلًا وجودًا وعطاءً وسخاء، عن كونه حقيقةً صادر عن حرية وتجرد وصدق وغضاضة، عمل مجرد عن الذاتيات والأنانية، ومجرد عن الدنيا وكل ما فيها -ولو كان هذا الأمر محال الوقوع- فلا يوجد دليل على أن هذا العمل له تأثيره في العالم الآخر، حيث يوجد قاعدة قرآنية مفادها أن الله ﷻ لا يُضيع أجر من أحسن عمله (٦) (٧)؛ وذلك كوننا نعتقد أن الله ﷻ خلق نظام الدنيا بحيث يجازى به العامل على نيته وعمله الصالحين، وبالتالي يصبح لذاك العمل تأثيره وأثره، ولربما كما يقال أن معنى كون الله ﷻ شكورًا، -وهي صيغة مبالغة من الشكر-؛ هو ما يرد على الإنسان في هذه الدنيا من ذلك العمل الصالح، وما يناله من جزاء. على أن لا يكون لدى الإنسان عقيدة فاسدة، فهذا شأن آخر لسنا بصدده، وعلى كل حال، إن لم تكن لدى الإنسان أية عقيدة، فعمله ذاك لن يوصله إلى الحياة الطيبة.

نقول في الزيارة “اللهُمَّ أحيِني حياةَ مُحَمَّدٍ وَذُرِّيَّتِهِ وَأمِتني مَماتَهُم”  (٨)، وهذا أمل كل موالٍ وطموحه، وهو حقيقة التوحيد، وما جاء به ولأجله الدّين الإسلامي؛ وهي قصد ذاك العَالَم، وقصد وجه الله ﷻ، ورضاه في كل قول وفعل وعمل، فالأعمال ولو كانت في ممدوحة في ذاتها، فهذا لا يدل على ضمان بقائه وانتقاله إلى ذلك العالَم الآخر؛ فلا أحد يسعه أن يخبرنا بالغيب، وبذاك العالم، أو يمكنه أن يدرك حقيقته وما سيكون عليه؛ إلا الوحيّ، والنبي ﷺ وآله، والمعصوم ﴿؏﴾، وما لم يرد عنهم شيء؛ فلا لا يمكن إدعاء شيء أو التيقن بحدوثه.

وعلى ذلك نقول: إن أيّ عمل إصلاحي واجتماعي يكتسب آثاره الاجتماعية بقدر نوايا العامل؛ فإذا لم يكن المراد بالعمل هو لقاء الله ﷻ، ووجه الكريم، واليوم الآخر؛ فإنه سيكون وبالًا على صاحبه.

وفي مقابل ذلك: فلو أردنا الوقوف على قيمة العمل الاجتماعي للسيّدة زينب ﴿؏﴾ وفق الرؤية القرآنية والتي يلاحظ فيها حضور الله ﷻ، ورسوله ﷺ وآله والمؤمنين -كما سبق وبينا ذلك- نقول: أنه من غير الممكن إدراك حقيقة ذلك الدور الذي اضطلعت به السيّدة زينب ﴿؏﴾ بحذف هذا العنصر، ومن ثم محاولة قراءتها دون أدنى إجحاف؛ فقد أحرزت ﴿؏﴾ هذا العنصر بكمال واقتدار تامين، وهو ما يضفي على كل ما قامت به من دور وعمل مرتبة نوعية جليلة، كما وأن قراءة هذا الدور من خلال هذه الرؤية سيفتح لنا آفاقًا جديدة، وسيمنحنا ألف تفسيرٍ وتفسير لكل ما صدر من مواقفها ﴿؏﴾ والتي تكون شاهدةً على ذاك الاستحضار.
ويكفينا من ذلك قول أحد مراجعنا العظام:

“وقفت زينب ﴿؏﴾ -بتمام خفارتها- في مقابل يزيد وفي مجلسه، صارخة بوجهه وقد أشبعته تحقيرًا، هذه الإهانة لم يتعرض له جميع بني أمية في حياتهم كلها”، وبذلك ندرك أنها ﴿؏﴾ كانت تتمتع بقوة وحضور لجبروت الله ﷻ وجلاله.

حضور الله ﷻ في عمق دور السيّدة زينب ﴿؏﴾

إن عمل السيّدة زينب ﴿؏﴾ ودورها الاجتماعي هو الذي يجعل لعملها هذا التأثير الوجداني العارم والذي يتوسع مع الأيام؛ وكما ورد في الأثر ما كان لله ينمو، وهذا النماء على نحو الإطلاق؛ كون له بعد أصيل وعميق؛ فهو لا ينمو في الأرض أو في السماء أو في اليوم الآخر فحسب؛ بل ينمو في سويداء القلوب، وفي وجدان المجتمعات، بل وفي كل زمان ومكان.
إن هذا العمل وهذا النشاط وهذا الجهاد الكبير لدفع وإزالة ومراقبة ومتابعة الظلم والجور والطغيان، ودفعه عن الساحة الاجتماعية للمؤمنين والمسلمين، كما له بُعد أساسي ووجودي، له بعد آخر مطابق للظواهر الاجتماعية، وسواءً كان المدرك المتأمل في تلك الظواهر الاجتماعية يعتقد بالله ﷻ، أو لا يعتقد بالله ﷻ، فإنه سوف يصل إلى تلك النتيجة.

السيّدة زينب ﴿؏﴾ وإرائة جلال الله في حقيقة وواقع كربلاء

إن حقيقة ما حدث في كربلاء هو نحو من الدخول وبقوة في عالم جلال الله ﷻ، وباعتبار أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ هي المرأة الصابرة على مكاره هذه الدنيا، إذ تروضت بهذا الصبر على رؤية بواطن المكاره التي يخلقها الطغاة في الحياة الدنيا.
وقد عرَّفتهم هذا الواقع عندما خطبت في أهل الكوفة -والذي يقيم العرفاء عليها الأدلة-، حيث قالت: “لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا شَوْهَاءَ صَلْعَاءَ عَنْقَاءَ سَوْدَاءَ فَقْمَاءَ خَرْقَاءَ كَطِلَاعِ الْأَرْضِ” (٩)، العنقاء من العُنق، عندما يظهر ويبرق في البداية، يسمى عنقاء (١٠) وكأن النّاس لا ترى البدن كله، ولا ترى العنقاء كلها، ترى مجرد بداية عنقها، وعلى ذلك فقد يكون معنى قولها ﴿؏﴾ أيّ: ما زلتم في بداية هذه الجريمة النكراء، فانتظروا ويلاتها التي ستجري عليكم وعلى الأمة فيما بعد، ولن تتوقف عند حدّ! وهذا ما نراه بالفعل؛ فنتيجة كربلاء لم تنته عند مصارع الكرام! وكم جرّت على الأمة الإسلامية من ويلات، كما أن تبعاتها ما زالت تثقل كاهل المجتمع الإسلامي إلى يومنا هذا، تستحق البكاء والنحيب وتجرع الألم، ولن ننتهي حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

والفقماء(١١) هي المسألة المعقدة والمنكرة، والتي لا يستطيع الطرف الآخر رؤية حقيقتها ولا يستطيع معرفة كنهها؛ والحادثة الفقماء (الفقعاء) هي التي لا يظهر معناها ولا ينكشف حقيقتها وواقعها والذي يشوبه الغموض، أيّ إن ما جئتم به مسألة غاية في التعقيد، ولذا فهي تحتاج إلى حل وبيان لأسبابها وآثارها وأبعادها الوجودية وسبل الخلاص منها.
فإذا كان هناك إنسان عارف كزينب بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾، يرى كل ذلك بوضوح وبجلاء؛ فإنه يريد أن يُظهر بذلك عظمة جلال الله ﷻ.

ورد في زيارة عاشوراء “وَجَلَّت وَعَظُمَت مُصِيبَتُكَ في السَّماواتِ عَلى جَمِيعِ أهلِ السَّماواتِ” (١٢)، فلا يمكن لأيّ كان أن يرى هذا الانفجار وهذا التشوه! وتراه زينب ﴿؏﴾؛ ولذا فهي وحدها من تستطيع أن تخلص النّاس من تبعات تلك المصيبة، وتثبّت للموالين قدم صدق، وتضع قلوبهم وأنفسهم على طريق الصراط المستقيم.
ورد في دعاء البهاء “اللهُمَّ إنّي أسألُكَ مِن جَلالِكَ بِأجَلِّهِ وَكُلُّ جَلالِكَ جَليلٌ اللهُمَّ إنّي أسألُكَ بِجَلالِكَ كُلِّهِ” (١٣)، أيّ إلهي أعطني وأجعل لي جلًالا أكسر به هذا النفاق والكذب والغش والتزوير والتزيين، كما وأكسر به بطش وزيف الجبابرة، وهذا الأمر في واقعه بحاجة إلى اقتدار فكري وعلمي، وقدرة على البيان والتبيين، ولعل هذا هو سبب أفضلية “مداد العلماء على دماء الشهداء” كما جاء في المرويات وبيناه؛ وذلك لأن كشف الزيف بالفكر أفضل من كشف الزيف بالسيف! ومن غير السيّدة زينب ﴿؏﴾ التي امتلأت بغضب الله ﷻ وجلاله وحججه وبيانه ﷻ هي القادرة على القيام بذلك.

السيّدة زينب ﴿؏﴾ ورؤية جمال الله في جلاله

إذا كان هناك إنسان قد بلغ المقام العالي الذي بلغته السيّدة زينب ﴿؏﴾، سيسعه أن يتلقى التجليات الإلهية بأعلى مراتبها في المعرفة،
ويمكننا أن نعي ذلك لو أدركنا بأن اليوم العاشر في واقعه وحقيقته أشبه ما يكون برقيقة من يوم البعثة أو يوم الزلزلة، والذي يظهر الله ﷻ فيه جلاله، فعندما أمطرت السماء دمًا، زينب ﴿؏﴾ هي من رأت وأبصرت ذاك الجلال، وهي من استطاعت وحدها أن تبرز فيه أبعاد الجمال، فترى جمال الله ﷻ “ما رأيت إلا جميلًا” (١٤)من خلال ذاك الجلال الحادث؛ إذ لا يوجد انفكاك بين جلال الله ﷻ وجماله، فهما ليسا شيئين منفصلين! فهذه المظاهر تعود إلى حقيقة واحدة.
وكما يقال، فإن العارف يريد دائمًا أن يرجع من عالم الكثرة إلى عالم الوحدة، يعود إلى الله ﷻ، يعود إلى بارئه في كل شيء!

فالذي كشف هذا الواقع، وهذه الحقيقة المكنونة، ورآها في أول ظهورها وهي في العنق، وكشفها من الأصل ومن الجذور وفي الأعماق، لا بدّ وأن تكون امرأة قد جمعت بين الجمال والجلال، ورأت الجمال في الجلال، امرأة مرت بكل تلك المصاعب والمكاره التي تهوّن كل مكروه سواه، فما حدث على السيّدة زينب ﴿؏﴾ لا تتحمله الجبال الراسيات!

فمن يرى عظمة وشدّة وقُبح ما جرى على الإمام الحسين ﴿؏﴾ وعلى أهل بيته ﴿؏﴾؛ ويراها في أبعادها الجلالية شوهاء عنقاء خرقاء، ويرى تلك المصائب في أبعادها الجمالية، ستهون عليه مصائب يوم القيامة؛ أولسنا القائلون، كل المصائب هونتها مصيبة الحسين ﴿؏﴾؟! قد نتصور أنها مجرد تلك المصائب التي تعرض علينا في هذه الدنيا فحسب، ولكن الواقع حتى ما سيحدث يوم القيامة من أهوال سيغدو هيّنًا بالقياس لما جرى على الإمام الحسين ﴿؏﴾!
لذا فمن بكى على الحسين ﴿؏﴾ أُمِّن عن البكاء في اليوم الآخر، وكما جاء في الرواية “كل عين باكية يوم القيامة، إلا عين بكت على مصاب الحسين ﴿؏﴾” .

وعلى ضوء ذلك ندرك هنا: إن كل هذا الفهم المنطقي، والعريق، والعميق، وهذا الوعي المتجذر، والمتأصل والذي يضرب في عمق الوجود الإنساني، في استيعاب جميع تلك الحقائق وهذه الرسالية، وهذا الإدراك لأبعاد كربلاء والنهضة الحسينية كان ببركة عقيلة الطالبين ﴿؏﴾ وبسبب تعليمها وإرشادها وبتوجيهها وجهادها التبييني، فلو لا كشفها عن حقيقة يزيد -عليه لعائن الله-، لربما يحدث – كما قال المؤرخون – أن تجمع الأمة أمرها عليه!

وعي القاسم ﴿؏﴾ ورشده أفقد الأعداء صوابهم

ربما لم يستطع إنسانٌ أن يُظهِر حريةً تستبطن حقيقة العبودية، وتكون صافيةً وخالصةً لله ﷻ في العلم والعمل، كما أظهرها آل بيت النبوة والرسالة ﴿؏﴾ في كربلاء، حيث صَحبوا الإمام الحسين ﴿؏﴾ حتى وسموا بأنهم ذابِّون عن التوحيد.
والقاسم بن الحسن ﴿؏﴾ خير أنموذج، إذ قطع أودية العبودية وشعبها المتكثرة والمنتشرة في أرجاء الوجود، ووصل إلى الوحدانية الحقّة رغم قصر عمره الشريف، ولا عجب، فالراحل إلى الله ﷻ قريب المسافة في سيره وسلوكه.
فما أجمل روح الفتوة المفعمة بالثورية والبطولة والبسالة والمليئة بالحماسة من شاب لم يبلغ الحُلم بعد، فأفقد أعداءه صوابهم لشدّة وعيه ورشده، كما فقدوا رجولتهم، وأضحوا أمامه صبية صغار، لا يعون ما يفعلون.
ساعد الله قلب الإمام الحسين ﴿؏﴾ وهو ينظره إليه وهو في تمام عنفوانه يهوي على الأرض مضرجًا بدمه وهو ينادي: عمّ يا حسين أدركني.

يـا  دوحة المجد من فهرٍ ومن مضر (١٥)
قد جف ماء الصبا من غصنك النضر

يـا درّةً غـادرت أصـدافها فـعلت
حـتى غـلت ثـمنا عن سائر الدرر

قـد  غـال خسف الردى بدر الهدى
فـيا نـجوم الـسما من بعده انتثري

حـلو الشبيبة يـا لهفي عليه ذوى
مـن  بـعد إيـناعه بـالعز والظفر

خـضابه الـدم والـنبل الـنثار وقد
زفـته  أعـدائه بـالبيض والـسمر

مـا اخـضرَّ عارضه ما دبَّ شاربه
لـكن جرى القدر الجاري على القدر

فـاغـتال مـفرقه الأزديّ بـمرهفه
فـخـرَّ  لـكن بـخدِّ مـنه مـنعفر

إن يـبكه عـمه حـزنه لـمصرعه
فـما  بـكى قـمرٌ إلا عـلى قـمر

يـا سـاعدة الله قـلب السبط ينظره

فـردا ولـم يبلغ العشرين في العمر

لابـن  الـزكيِّ ألا يا مقلتي انفجري
مـن  الدموع دما يا مهجتي انفطري

مـا  كـنت آمل أن أبقى وأنت على
وجه الصعيد ضجيع الصخر والحجر.


  1.  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٢، ص٣٢
  2. تمت ترجمته إلى العربية بعنوان الآداب المعنوية للصلاة
  3. من أهم أدعية أسحار شهر رمضان المبارك، رواه الإمام الرضا (ع)عن الإمام الباقر﴿؏﴾، سمي بدعاء البهاء؛ لأنه يبدأ ب “اللهم إني أسألك من بهائك بأبهاه”  كتبت عليه شروح عده، من أشهرها شرح الإمام الخميني

    ذكره السيد ابن طاووس في كتابه إقبال الأعمال، ص١٧٥ مروي عن الشيخ الطوسي، ونقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ج٩٥، ص٩٤، وذكره الشيخ عباس القمي في مفاتيحه ص٢٢٥

    وهناك دعاء منقول ليوم المباهلة ٢٤ ذي الحجة يسمى بدعاء بالمباهلة وهو مماثلًا لدعاء السحر مع اختلاف ضئيل بين النصين، بل إن السيد ابن طاووس يرى في كتابة الأعمال ص١٧٥ أن دعاء السحر هو نفسه دعاء المباهلة.

    الطوسي، مصباح المتهجد، ص٧٦٠، الكفعمي، المصباح، ص٦٩٢

  4. من بين تلك الأفكار المطروحة على الساحة الاجتماعية في يومنا الحاضر، قول البعض: أننا نريد دينًا بلا حوزة، أو بلا علماء وعمائم! وإذا ما تمّ لهم ذلك، وأقاموا هذا النحو واللون من الدّين، بلا شك سيصنعونه ويزينونه في أعين النّاس، -كما كان الدّين متزينًا بالحوزة والعمائم-، وسيأتون بآيات وروايات يلصقونها به بعد أن فُرّغ ذلك الواقع من حقيقة الدّين وباطنه، وقد يقترحون برامجًا يصبغونها بصبغتهم، كونهم يريدون نظامًا يتماشى مع واقعهم الاجتماعي، ومع تركيبتهم الاجتماعية، وبالطبع فإن القليل من النّاس من يستطيع أن يفرق ويميزه عن الدّين الحق؛ لأن هناك دعاوى غريبة
  5.  إشارة إلى قوله ﷻ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ الحج: ٢ 

  6. إشارة لقوله ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ الكهف:٣٠
  7. فالعمل إذا كان حسنًا، فإن الله ﷻ شاكر وشكور، وكما جاء في مفاد بعض الروايات أن الإنسان قد يطيل الله ﷻ عمره سبب ببعض الأعمال أو أن أو يوسع في رزقه أو غيرها من عطاءات الدنيا
  8. دعاء علقمة، مفاتيح الجنان
  9. إشارة لقوله ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ الكهف:٣٠
  10. من خطبة القتها السيدة زينب ﴿؏﴾ في الكوفة، الاحتجاج، الطبرسي،ج٢، ص٣٠
  11. الأفقم من الأمور الأعوج المخالف،  تفاقمَ يتفاقم، تفاقُمًا، فهو مُتفاقِم • تفاقم الأمرُ: فقُم؛ استفحل شرّه وازداد خطره “تفاقم ظلْمُ رئيسه/ الوضعُ الدوليُّ/ المرضُ- تفاقمت الاعتداءات العنصريّة في القرن العشرين”. صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من قمُؤَ
    قَمِيءٌ : صَغِيرٌ وَجْهٌ
    رَجُلٌ قَمِيءٌ : حَقِيرٌ ، ذَلِيلٌ
    قَمِيءٌ : مُتَدَاخِلُ الْمَعَالِمِ
    قَمُؤَ: (فعل)
    قمُؤَ يَقمُؤ ، قَماءً وقَماءةً ، فهو قمِيء
    قمُؤ الشّخصُ : صغُر جسمُه
    ذَلَّ وهان ، صَغُر في الأعين ، حقُر
    قَمَّ: (فعل)
    قَمَّ قَمًّا
    قَمَّتِ الشَّاةُ ونحوُها : تناولَتْ بشفتيها ما وجدت على وجه الأَرضِ لتأَكله
    قَمَّ البيتَ ونحوَه : كنَسَه
    قَمَّ ما على الخِوان ( بضم الخاء وكسرها ) : أَكله فلم يدَعْ منه شيئًا
  12. عنقاء : مؤنث أعنق، جمع : عنق. ٢- عنقاء : رأس التلة. ٣- عنقاء : داهية، مصيبة. ٤- عنقاء : «تلة عنقاء» : مرتفعة طويلة. ٥- عنقاء : «عنقاء مغرب، أو العنقاء المغرب أو المغربة» : طائر خرافي وهمي يعرف له اسم ولا وجود له، جعلوه أحد المستحيلات. المعجم الرائد
  13.  من خطبة القتها السيدة زينب ﴿؏﴾ في الكوفة، الاحتجاج، الطبرسي،ج٢، ص٣٠

  14.  مفاتيح الجنان، زيارة عاشوراء

  15.  دعاء البهاء، وهو من أدعية سحر شهر رمضان المبارك، يمكن مراجعة التفاصيل في المصدر السابق رقم

  16. من خطبة لها ﴿؏﴾ في مجلس ابن زياد -عليه لعائن الله-  حين سألها: كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين وأهل بيتك؟ فقالت: ما رأيت إلا جميلًا ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة قال: فغضب وكأنه هم بها، فقال له عمرو بن حريث: إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها، بحار الأنوار ج٤٥ ص١١٦

  17. الأبيات لأحد شعراء الحلة وهو أبو المهدي السيد صالح بن محمد الحلي، المتولد ١٢٩٠هـ – والمتوفى١٣٥٩هـ ، وهو خطيب شهير وأديب وعالم متبحر، والقصيدة المذكورة هي في رثاء القاسم بن الحسن يمكن مراجعة: البابليات “شعراء الحلة”، علي الخاقاني، ج٣، ص١٧٨

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 75٬030 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 0 (0)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (1)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 0 (0)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها