ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ٢

تقدم القراءة:

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ٢

الأثنين 3 محرم 1444مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بسيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين ﴿؏﴾، وجعلنا الله وإياكم من الطالبين بثأره.

في مثل هذا اليوم يتراءى لنا الإمام الحسين ﴿؏﴾ خارجًا من المدينة من وطن أسّسه جدّه ﷺ وآله بصبرهِ وبجهادهِ وبدمائهِ وبتعاليمه وتربيته، وطن أسسه أمير المؤمنين ﴿؏﴾ بحياته الحافلة بالتضحيات وبالإيثار والفداء! وأسّسته الزهراء ﴿؏﴾ بأضلاعها وبَنَوا له طودًا شامخًا بالإيمان والتوحيد والعلم والمعرفة؛ من هذا الوطن الذي يختص بالحسين ﴿؏﴾ -بالدرجة الأولى- والذي هو ميراثهُ المادي والمعنوي؛ يخرج منه طريدًا مطاردًا! 

أسفًا على أبي عبد الله وعلى أخواته ﴿؏﴾، أسفًا على أخته العقيلة زينب ﴿؏﴾، وعلى بناته وطفله الرضيع، وعلى كل الأخيار.

 لا زال الحديث حول أحد أبعاد التهيؤ والاستعداد لهذه العشرة وهو التوبة الفكرية، علاوة على التوبة العملية ومعالجة المفاهيم والأفكار الخاطئة، حتى نعرج نحو كربلاء ونبلغ عاشوراء، وقد تطهرنا من الخطايا الفكرية والمعرفية والعلمية.

لا يمكننا أن نعالج كل المفاهيم التي تُزاحم فهم عاشوراء ومصيبة الإمام الحسين ﴿؏﴾ فهذه تحتاج موقعًا ومكانًا ومقامًا ومقالًا وقولًا خاصًّا، لكن يمكن أن نعالج بعض المفاهيم التي يتوقف عليها بدرجة مباشرة فِهم مظلومية الإمام الحسين ﴿؏﴾ ولو بالمرور العابر.

وهنا نطرح عدة تساؤلات –وقد تعرضنا لبعضها في الجلسة السابقة- 

فماهي الإنسانية؟ أو ماهي النزعة الإنسانية؟ أو لماذا هذا الاهتمام المتزايد بالأنسنة كما يسمونها؟! 

تصدي أهل البيت ﴿؏﴾ لتصحيح مفهوم الإنسانية: 

مفهوم الإنسانية كما أسلفنا في الجلسة السابقة مفهوم رُوِّج له في الآونة الأخيرة، ولكن أهل البيت ﴿؏﴾ وبعلمهم الربّاني ودورهم في هداية الخلق وصلاحهم؛ فقد تصدوا لهذه المفاهيم وعالجوها منذ ذلك الحين؛ فقد كانت أحاديثهم الشريفة المجمل منها والمفصل جاءت لتصحح تلك المفاهيم وتعالج ما استشكل منها في تلك الأزمنة، وما سيستقبل لاحقًا.

وقد كان للإمام علي بن الحسين ﴿؏﴾، والعقيلة زينب ﴿؏﴾ وكذلك فاطمة بنت الحسين ﴿؏﴾ نصيبًا وافرًا من ذلك، فبعد شهادة الإمام الحسين ﴿؏﴾، إذ ركزوا على تصحيح بعض تلك المفاهيم، ومن بينها (مفهوم الإنسانية)، وذلك من خلال خطاباتهم كخطاب السيدة زينب وفاطمة بنت الحسين ﴿؏﴾ لأهل الكوفة، وذلك نظرًا لأهمية الأمر، فبدون تبيان القصد من مفهوم (الإنسانية) سوف لن ندرك معنى وحقيقة مظلومية الإمام الحسين ﴿؏﴾، بل لن نعرف مقامات الإمام الحسين ﴿؏﴾، مثل الولاية والشهادة والخلافة والطهارة والحرية، بل حتى مقام الشفاعة.

نشأة مفهوم الإنسانية:

في ظل الحديث عن نشأة هذا المصطلح والمفهوم وتاريخية ذلك، فهذه المصطلحات بهذا المعنى لم تظهر إلا متأخرة، وتقريبًا في القرن التاسع عشر الميلادي، بعد ما وضعت الحروب العالمية أوزارها.

نجد أن الإنسان الغربي وبعد ما يئس من الدين والمجتمع والسلطات، بدأ يعتقد أنه يتعين عليه أن يبني نفسه بنفسه، وأن يجعل من نفسه مرجعًا؛ فأصبحت حريته وإرادته وفردانيته -إن صحّ التعبير- هي الأصل، لا يقبل العرف ولا التقاليد ولا الأسرة، بل ويرفض كل قوة تفرض عليه من الخارج.

حتى الدين يتوجب أن يكون -حسب رؤيتهم- تجربة شخصية يأخذ منه ما يؤدي إلى راحته؛ بحيث أصبح يعتقد أنه بإمكان الدين أن يكسبه طاقة وصحة واطمئنان، حتى وصل الأمر إلى انتشار مفاهيم عرفانية خالية من وجود الله ﷻ، ولربما رأينا آثارها ولوازمها، دون أن نعرف ما هي جذورها حيث نجد كيف راجت مؤخرًا أفكار وممارسات غريبة تملأ القلب بشحنات وطاقة من خلال الشجر، والمطر، والتراب؛ كأن يجلس الإنسان تحت شجرة فيصبح عارفًا، ويستغني بذلك عن الوحي وعن الفقه وعن أيّ سلطان يلزمه؛ كونه يعتقد أن الفقه يلزمه في الواجبات والمحرمات، وهو ليس له سلطان عليه.

وبذلك أصبح الأساس -حسبما يعتقدون- هو الإنسان فحسب، وبذلك سقط تدريجيًا سلطان الدين؛ وحيث أن الدين حاجة في ذات الإنسان، كحاجته وتعطشه للوجود، ولكي يقبل الناس إسقاط سلطان الدين؛ سعى أولئك المروجون لتلك المفاهيم الخاطئة في شن حملات تشكيك على النصوص الدينية، والروايات الشريفة وتاريخ الأنبياء والرسل ﴿؏﴾، بل أصبح هناك أُناس متخصصون في التشكيك وبث الشبهات والأباطيل.

بحيث بات لكل إنسان -مهما كان قاصرًا مقصرًا علميًا- فله الحق أن يُعمِل نظره في الدين.

تطور المفاهيم:

كل مفهوم يولد بسيطًا، ومن ثم يتطور، ويكتسب في كل مرحلة إضافات جديدة، كما ويتأثر بالبيئة الحاضنة له والتي ولد وترعرع فيها، فتكسبه صورًا ومعاني جديدة.

تعريف الإنسانية: 

قال بعضهم: إن الإنسانية هي الاهتمام بالتراث التاريخي للإنسان ونتاجاته. وهناك عدة تعاريف لمفهوم الإنسانية ولكنها ومع تعدد الرؤى إلا أن هناك جامع مشترك يدعو إليه الغرب والعلمانيون.

عند الغرب:  

لقد تعددت الأقوال والأطروحات حول هذا المصطلح، لكن الرؤية السائدة والجامع المشترك لمفهوم الإنسانية في كل ما ورد؛ والتي يراد أن يروج لها في العالم هو مركزية (الإنسان)، وتقديسه وجعله هو المحور، وإلغاء أيّ شيء يعارضه أو يكون في عرض الإنسان، وهذا ما يدعو له الغرب عمومًا. 

أما العلمانيون:

فغالبًا ما يريدن من معنى ومفهوم الإنسانية هو ما يقابل الدين، كونهم يرفضون الحق المطلق (الله ﷻ)، ويرفضون بالتالي الأديان، ويركزون على الإنسان وإنتاجه، والانبهار بتراثه وبعلومه للحدّ الذي -يمكن القول- أمسى فيه هذا التراث، وباتت فيه هذه العلوم تستعبد الإنسان ذاته.

ولربما هناك من يستخدم هذا المصطلح ويريد به شيئًا آخر، ولكن المصطلح ولد بهذا المعنى، ولقد صُدِّرت تلك الرؤى وللأسف بطريقة أو بأخرى للعالم ليصبح الإنسان هو الأصل وبلا شرط ولا قيد.

يقول الدكتور حنفي -وهو أحد الفلاسفة والمروجين لهذا المعنى والمعربين له-: إن الإنسانية هي بدن الإنسان فقط، بغض النظر عن أيّ شيء آخر.

مفهوم الإنسانية وفق الرؤية الإسلامية

أما في الإسلام وإذا ما أردنا أن نقرأ مفهوم الإنسانية ضمن أدبياتنا الدينية، نجده ما ورد في دعاء الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ بمعناه الديني.(١)  

فإذا كانت الإنسانية مكرَّمة في الإسلام؛ فهي ليست بلا شرط ولا قيد؛ بل هي بخلاف رأي الآخرين مقيدة بشرط الدين والإيمان بالله ﷻ؛ لأن الإنسانية المطلقة هي إنسانية سُّدى، يقول الله ﷻ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ القيامة: ٣٦، ولربما تصبح البهيمية أفضل منها وأحسن، فالفأر كمثال؛ يسرق ما يحتاج أن يأكله، أما الإنسان قد يسرق مال العالم كله طمعًا ولا يشبع.

وإذا أردنا أن ندركه حق الواقع، وأن نفهم النظرة الإسلامية، علينا أن نعلم أن القرآن الكريم والروايات الشريفة، والفلسفة الإسلامية مليئة بتلك المعارف، ولبيان ذلك نستعرض عدة مقدمات لتعين على إدراك ومعرفة الرؤية الإسلامية لمفهوم الإنسانية.

الإنسان ذو نفسين 

النفس الأولى: مادية خارجية وهذه لا تظلم.

النفس الثانية: باطنية نورية، وهي التي تُظلم ويقع عليها الظلم، يقول الله ﷻ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ النحل: ١١٨

إذًا هناك غَيرِيَّة في الإنسان، إثنينية وكلاهما منسوب للإنسان، فالإنسان في الحالة العادية لا يظلم نفسه، فهو مثلًا لن يُذهِب ببصره، أو يعمد لأن يحرق ماله، أو يتلف متعلقاته من إمكانيات وبيت وأبناء، ولن يظلمهم عبثًا؛ لأنه وفي الأعمّ الأغلب مدفوع وبطبعه الأولي أن يحافظ على تلك الأشياء والمتعلقات التي يملكها لمصلحته وصالح بدنه.

وهذه الإمكانيات بمجموعها تشكل في الإنسان شاكلة، والتي هي أصله وحقيقته.

معنى شاكلة

نفس الإنسان تتشكل بمعنى؛ أنها تقبل أن تأخذ صورًا وأشكالًا، وهذه الصور والتي تُعدّ إمكانيات، ستصبح هو ما يمتلكه الإنسان وهي باطنه؛ وستمثل حقيقته وشاكلته.

فلو رجعنا للأشياء المرتبطة بالإنسان؛ كالمال، والأبناء، والبيت الممتلكات، كل هذا الوجود المضطرد وما يمتلكه الإنسان؛ من الطبيعي أنه سيحامي عنه، ويحافظ عليه ويدافع عنه ولا يظلمه؛ وبالتالي ستتحول تلك الأشياء الخارجية فتغدو نفسه، وهذه النفس هي التي لا يظلمها الإنسان، ويمكن أن نصطلح عليها بالنفس الأولى.

إذن أين هي النفس المظلومة؟ ومن يظلم من؟  

إذ أنه توجد نفس ثانية، وهي منطقة نورانية في الإنسان أشدّ اتصالًا بمركز النور من أيّ موجود آخر؛ وهي التي نقول عنها “من عرف نفسه فقد عرف ربه”. (٢)  

ولو تأملنا في الآية الكريمة من قوله ﷻ: ﴿كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ سنجد أنه حينما يُطرح مفهوم الإنسانية في منظمات الحقوق الإنسانية ويتحدثون عن الظلم فهم يقصدون به الظلم الواقع على النفس الأولى (ما يمتلكه الإنسان من بنون ومال وإمكانيات و…)، ولكن حقيقة الظلم للنفس الذي جاءت به الآيات الكريمة والأدبيات الدينية هو الظلم الواقع على النفس الثانية أيّ النورانية والمتصلة بمركز النور؛ لذا يصحّ القول معنى ﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أيّ أن النفس الأولى هي من تظلم النفس الثانية.

التجلي الأعظم:

نقرأ في دعاء ليلة المبعث “اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِالتَجَلِّي الأَعْظَمِ فِي هذِهِ اللَيْلَةِ مِنَ الشَّهْرِ المُعَظَّمِ وَالمُرْسَلِ المُكَرَّمِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ” (٣) 

فهذه النفس النورانية إذا لم يظلمها الإنسان بنفسه، وإذا ما أعزها وأكرمها، وأدرك قدرها وجلالها؛ فإن هذه النفس ستصبح هي التجلي الأعظم كما في محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. 

حتمًا ليس التجلي الأعظم جبرائيل! أو القرآن الكريم! إنما التجلي الأعظم هو نفس رسول الله الأكرم المكرم ﷺ وآله؛ كونه أدرك هذه النفس وعرفها وأكرمها وأعزها وعرف بها ربه؛ فأصبح هو التجلي الأعظم.

هذه النفس الثانية هي التي يقع عليها الظلم بنسيانها، بالإضرار بها، وتلويثها، بفصلها عن ربها منبع نورها وفيضها، لأن حقيقتها هو الاتصال بالله ﷻ، وقطعها عنه ﷻ هو ظلم لها.

فبمجرد ما يرفع الإنسان اتصال هذه النفس بربها تنقطع عنها النورانية، وهذا معنى الآية الشريفة ﴿كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، لأن في ذات لحظة الانقطاع يحدث هذا الظلم للنفس، وهذا التكدر؛ إذ ليس هناك فاصلة بين النفس وخالقها. 

وهنا مثال يضربه العرفاء، كيف لهذه النفس الأولى أن تظلم النفس الثانية؟

إذا افترضنا وجود إسفنج -وهو حيوان بحري رخو ولين- داخل جوف الإنسان، وكما هو معروف كونه يمتاز بمسامه الواسعة والكثيرة، فيمكن للماء أن ينفذ من خلاله، فكلما تسرب فيه الماء والتراب؛ ترسب في جوفه، وثقل وثخن وغلظ، حتى يبلغ مرحلة يسقط عن التأثير أصلًا، فلا يستوعب نقطة ماء أخرى بسبب غلظته وتراكم الأتربة عليه.  غيرت مكانها ونقلتها إلى هنا أنسب.

ظلمة القبر

في مقابل نورانية النفس هناك ظُلمة لهذه النفس! فعندما يموت الإنسان، فإن هذه النفس الأولى -الحيوانية- تنقطع وتنتهي، وتسقط، ولن تبقَ إلا النفس الثانية، وهي النفس الواقعية والمظلومة.

فالموت في حقيقته انتقال عن هذا العالم، أيّ بمعنى الدخول في تلك النفس الثانية الواقعية، وحين يموت الإنسان، ينتقل إلى قبره والذي هو نفسه، فإذا كانت مظلمة فهذا سيكون حال قبره، إذ ليس هناك قبر ثانٍ، ولن يأتي شيء من الخارج (٤)، وقد يحدث أن يكون الإنسان لم يمت بعد، ولكنه وفي واقعه كالقبر المتحرك، لذلك عبر عنهم القرآن الكريم من قوله ﷻ: ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ الحشر: ١٩، وهنا حتمًا إن الأنفس التي نسيت ليست هي أبداننا ومتعلقاتنا، بل هي الأنفس النورانية.

وبناءً على هذا التسليم، وبهذه المقدمات التي طرحناها؛ نرى أن الإنسان بغض النظر عن من هو ربه -الذي يعبده- سواءً كان بوذا أو زرادشت أو يهوذا أو أيًا كانت ديانته، فليس هناك شك أن ظلمه للنفس النورانية -الثانية-؛ سوف يخرجه من حدود الإنسانية بالمعنى الديني.

كربلاء إحياء للإنسانية الواقعية

فمالذي يسعه أن يحيى هذه النفس النورانية مرة أخرى؟ وكيف يمكن أن ترفع عنها المظلومية؟ 

وهل من الممكن إعادة تأهيل هذه النفس مرة أخرى؛ كي ترجع لها الحيوية والتأثير؟ 

جاء في  الرواية عن النبي الأعظم (ص): “إن للحسين (ع) في بواطن المؤمنين معرفة مكنونة” (٥)، فهذه المعرفة هي التي تُظهر الإنسانية الواقعية، الإنسانية المتصلة بالحسين ﴿؏﴾، وتُشرق هذه الإنسانية على كل متعلقات الإنسان الواقعية، وهذه المعرفة تحتاج إلى إبراز؛ لذلك كان لا بدّ من كربلاء كي تُحيي الإنسانية الحقيقية والواقعية؛ كونها جعلت مكنونة في معرفة الحسين ﴿؏﴾.

فهذا الحدث المتجدد الدائم هو الذي يبرزها؛ كي لا تغدو جامدة، ولكي تبقى هي المركزية والحاكمة، ولكي تبقى لهذه النفس ولهذه الإنسانية أصالة باعتبار وشرط تعلقها بالإمام الحسين ﴿؏﴾، لذا نجد أن زيارة الإمام الحسين ﴿؏﴾ والارتباط به يبرز هذه المعرفة المكنونة دئمًا! وذات كربلاء ترفع الأتربة والظلم الواقع عن هذه النفس من نفسها.

وقد ورد عن رسول الله: “حسين مني وأنا من حسين” (٦) أي أنهما نور واحد، أي أن حقيقة مفهوم الإنسانية في الرؤية الدينية هي الاتصال بالحسين ﴿؏﴾

هو نور واحد يربط بين رسول الله ﷺ وآله والحسين ﴿؏﴾، وبين الحسين مع رسول الله (ص)، فلا يمكن أن نصل إلى رسول الله ﷺ إلا عبر الحسين ﴿؏﴾ كما لا يمكن أن نصل إلى الحسين ﴿؏﴾ إلا عبر رسول الله ﷺ وآله، ومحال أن يُفرِق بينهما، ولذلك يقول الإمام الحسين ﴿؏﴾: “إنَّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة” (٧)، إذ لم يقل إنَّا آل بيت النبي؛ لأن النبي ﷺ وآله له جسم وبيت وزوجات وأملاك، يشبع ويجوع، وإن كان الإمام الحسين ﴿؏﴾ يرث جده رسول الله (ص) وراثة عنصرية، ولكن النبي ﷺ وآله لا ينحصر في هذا البُعد، فهناك أيضًا نفس النبوة للنبي ﷺ وآله -وهذه النفس النبوية التي لا تنام ولا تأكل ولا تشرب ولا تنكح- لها أيضًا آل بيت، وهم الحسين ﴿؏﴾ وآل بيته.

شواهد حول معنى الإنسانية بالمنظور الديني 

وعودًا على مصطلح الإنسانية بالمعنى الديني فإن استخدام مصطلح الإنسانية، يقصد به هذه النفس المرتبطة بما له قيمة لإنسانية الإمام الحسين (ع)

وكشاهد على هذا المعنى ومن خلال أدبياتنا الدينية؛ حديث فاطمة بنت الحسين ﴿؏﴾، وهي تأسس لهذه الحقيقة بطريقة واضحة وشفافة وبينة وبمنتهى البلاغة في خطبتها فتقول: “ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، أو أية نفس نزعت إلى قتالنا، أم بأية رجل مشيتم إلينا، تبغون محاربتنا؟ قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسول لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون”. (٨)

وحقيقة فإن هذا الخطاب ليعدّ درسًا عميقًا في علم النفس الإنساني؛ وذلك إذا ما استخدمنا مصطلح الإنسانية بالنحو والتعريف الصحيح؛ فعلم النفس الأصيل هو ما جاءت به رسالة محمد بن عبد الله –صلوات الله عليه وآله- إنما يوجد في القرآن الكريم فحسب.

فمعرفة النفس الواقعية، ومعالجتها، والتحكم فيها، فهذا المبحث في حقيقته يُعدّ من أهم البحوث القرآنية، وقد أعطي له المركزية والأولوية في مباحث القرآن الكريم، وهو من المباحث المهمة للغاية والأصيلة، فكأنها ﴿؏﴾ كانت تلقي عليهم بحثًا قرآنيًا وتفسيريًا عميقًا.

لذا نرى أن فاطمة بنت الحسين ﴿؏﴾ لم تتحدث عن أمور بديهية يعرفها أهل الكوفة! ولذا كانت تخاطبهم وتقول لهم: “أتدرون؟”، 

وهي تخاطبهم وتقول لهم: “ويلكم أتدرون أيّ يد طاعنتنا منكم؟ (…)، أم بأيّ رجل مشيتم إلينا؟

فإذا قلنا حتمًا إن أهل الكوفة يعرفون أيديهم وأرجلهم، فبلا شك هم يعرفون الأيدي والأرجل الدنيوية الظاهرية، ولكنها ﴿؏﴾ تُبين لهم كيف بهذه الأيدي حاربوا الحسين ﴿؏﴾، وبهذه الأرجل مشوا إلى كربلاء؟ فما الذي حرك تلك الأيدي والأرجل؟!

في آخر حديثها ﴿؏﴾ تبين لهم تعلل وتعرفهم حقيقة تلك الأيدي والأرجل وتلك الأنفس، وحقيقة تلك القلوب المظلمة، والجواب ليس بهذه الأعضاء الظاهرية، وإنما بالأيدي والأرجل الباطنية المكنونة في باطن النفس، والتي تحولت بدورها إلى شيطانية، بعد أن باتت ألعوبة بيد الشيطان وأعوانه، وكأنها ﴿؏﴾ تقول: بهذه الأيدي والأرجل المقطوعة عن التوحيد والمجذوذة عن الارتباط بالله ﷻ، وعن الدين والولاية، والنور والهدى، وبالنبي ﷺ وأهل البيت ﴿؏﴾، وعن كل فضيلة وكمال ومعرفة النورانية؛ لذا فهي لا تستحق الإنسانية؛ 

ولذا فهي تبين لهم ذلك وتقول ﴿؏﴾ مستنكرة: “بأيّ نفس نزعت لقتالنا؟”، والجواب بهذه النفس المظلمة المنقطعة عن الله ﷻ، لذلك أردفت القول: “فقست قلوبكم وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم”، أيّ بقدر ما نفذت فيها حب الدنيا والاغترار بمواعيد بني أمية عليهم لعائن الله. 

ثم تقول ﴿؏﴾: “سوّل لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على أبصاركم غشاوة فأنتم لا تهتدون”، -فأهل الكوفة الذين لا يرون إنسانيتهم إلا في أجسامهم-؛ ولذا فعندما غلظت تلك الأكباد، وطُبع على تلك الأفئدة وخُتم على تلك الأسماع والأبصار غدت مرتعًا للشيطان، وصار الشيطان بتمام قبحه يتمثل في إنسان.

وهذا يعني أنه لم يبقَ من إنسانيتهم إلا تلك النفس الحيوانية الوحشية؛ لذلك فالحرقة على مظلومية الإمام الحسين ﴿؏﴾ أنه قتل بتلك الأيدي المتوحشة، وحشية تفوق السباع أو كما عبرت عنها ﴿؏﴾ شيطانية.

وكشاهد آخر؛ خطاب السيدة زينب ﴿؏﴾: “أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم؟”؛ بمعنى ما الذي تفهمونه من كبد رسول الله ﷺ وآله النورانية؟ ومن كبد الإمام الحسين ﴿؏﴾ المتعلقة بالرسالة!، ولذا لم تقل ﴿؏﴾: أيّ كبد لنبي الله؛ بل قالت لرسول الله ﷺ وآله فهذه كبد الرسالة، أيّ هذه هي في حقيقتها قيمة كبد الإمام الحسين ﴿؏﴾.

ومجمل القول فإن التركيز على الإنسانية المادية، وإعطائها المحورية يقضي على الإنسانية النورانية ويظلمها ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ النحل: ١١٨.

ألا لعنة الله على الظالمين.


  1. وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا ابْتَدَأَ بِالدُّعَاءِ بَدَأَ بِالتَّحْمِيدِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: “(…) وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَوْ حَبَسَ عَنْ عِبَادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ المُتَتَابِعَةِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ المُتَظَاهِرَةِ، لَتَصَرَّفُوا فِي مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ، وَتَوَسَّعُوا فِي رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ، وَلَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الإنسانيَّةِ إِلَى حَدِّ البَهِيمِيَّةِ، فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: إِنْ هُمْ إِلّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.” الصحيفة السجادية،
  2. الرواية مروية عن النبي الأعظم ﷺ وآله: “من عرف نفسه فقد عرف ربه” بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٢، ص٣٢
  3. المصباح، الكفعمي، ص٥٣٥
  4. وقد تم شرح وبيان هذا المعنى في محاضرات وأبحاث أخرى أعتقد في بحث ثمرة أيام النعيم
  5. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٤٣، ص٢٧٢
  6. عن يعلى بن مرة قال: سمعت ﷺ وآله يقول: ” حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط “. الإرشاد ج٢ص١٢٧
  7. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٤٤، ص٣٢٥ الملهوف على قتلى الطفوف، السيد بن طاووس، ص٩٨ و 
  8. من خطبة لفاطمة الصغرى بعد أن ردت من كربلاء، الاحتجاج، الطبرسي، ج٢، ص٢٨ بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٤٥، ص١١١

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 4

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 4

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 66٬671 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب (ع) رؤية قرآنية ٤ 5 (1)

أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ كانت حلقة أساسية من حلقات الإمامة؛ فكانت ﴿؏﴾ رابط مهم، وحلقة وصل ضرورية، بل ولا بدّ منها، بين ما قام به وما أدّاه الإمام الحسين ﴿؏﴾، والدور الذي سيكون من بعده للإمام زين العابدين ﴿؏﴾؛ حيث كان هناك حاجة ماسة إلى من يضع الأمة في مضان الوظيفة المنوطة بالإمام السجاد ﴿؏﴾، فيضعهم في موقع التصفية والتطهير الإلهي، فكان دورها المهيأ والصانع لتلك الأرضية كي تُحدِث للأمة القابلية والاستعداد للتطهير من جديد، وهذا دور روحاني ومهم للغاية.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ٣ 5 (1)

البكاء ليس هو الحدّ التام الكامل للإنسان للتعبير عن هذه الحالة من الحزن والانقطاع عن الإمام ﴿؏﴾؛ فالإنسان يفوق كل هذه الموجودات إدراكًا ووعيًا، إن البكاء هو أرضية ومرفأً لفتح الطريق، وشرعة لإدراك القلب والعقل من أجل أن تحلِّق النفس إلى مقامات أخرى، ومرتبة فيها رضا العقيلة وإرادتها(ع)؛ لتغدو النفس كما تريد وترضى مولاتنا السيدة زينب (ع).

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١ 4 (4)

كربلاء لا تجعل الإنسان يراوح مكانًا، فمهم جدًا للإنسان-ومستهل الحديث عن التوبة- أن يتوب عن المفاهيم الخاطئة، بل ويجب على الإنسان أن يجدد أيضًا تلك الصور الموجودة في ذهنه، ولا يكتفي بما تعلمه في طفولته من أمه ومن أهله أو من المنبر، بل عليه بين الفَينة والأخرى أن يعيد النظر في كل ما تلقاه من مفاهيم، فطبيعة ذهن الإنسان قابل للتطور، والتبدل، والتغير، كما وله القابلية على التعمق.