تقدم القراءة:

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١

الأحد 31 يوليو 2022صباحًاالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

4.3
(10)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

‎السلام عليك يا رسول الله، السلام على أمير المؤمنين وعلى الصديقة الطاهرة وعلى الحسن بن علي، السلام عليك يا أبا عبد الله، عليك سلام الله مني أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتك.

‎السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أنصار الحسين.

‎عاشوراء ثورةٌ تجعل الإنسان في حال حركةٍ دائمة 

كل حدث يمرّ علينا يصطبغ بعاشوراء، ويترجم بكربلاء، وتتخذ كمعيار يقاس بها، فكربلاء في واقعها امتحان كبير جدًا وطويل أيضًا لا ينتهي، حيث سيكون أحد معايير النّاس يوم القيامة، وسيحكم على كل أحد بحسب موقفه وموقعه من كربلاء، وربما هذا ما تفيده الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ وآله في قوله: “كل من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيدهِ وأدخلناهُ الجنة، … يا فاطمة كل عين باكية يوم القيامة إلا عينًا بكت على مصاب الحسين فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة” (١)، وفي حديث الأربع مائة (٢) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “كل عين يوم القيامة باكية، وكل عين يوم القيامة ساهرة إلا عين من اختصهُ الله بكرامته وبكى على ما يُنتهك من الحسين وآل بيت محمد”، فهذهِ معايير يوم القيامة.

‎وكربلاء بطبعها لا تترك إنسانًا يُراوح مكانه، بل هي تهدي وتُعطي وتُحرك وتُنجح وتُفلح دائمًا وأبدًا، وتمنح الفرصة تُلو الفرصة، والمساحة تلو المساحة، والفسحة تلو الأخرى للانطلاق والانعتاق من الذنوب والرذائل والجهل والمكر والخديعة؛ فقد برز في كربلاء الكفر والشرك والقرشية والثقفية واليهودية والنصرانية، كما برز المنافقون والمتلونون وأتباع السلاطين والمبررين لهم، وهؤلاء في واقعنا شكل مضطرب منذ أول الإسلام وحتى اللحظة.

فمهما برزوا وتكاتفوا لحرف الناس عن مسارهم، تعود كربلاء لتظهر ذاك الوجه المتلألئ للإسلام، ولكل من يريد الإصلاح بهذه الأمة.

التوبة الفكرية وتصحيح المفاهيم

كما اعتدنا أن تكون باكورة البحث العاشورائي في الحديث عن الآداب المتعلقة بهذه الأيام.

وسنتحدث خلال هذه الأيام حول مفهوم التوبة ومعناها، وسوف نرتقي في الحديث من مستوى التوبة العملية إلى مستوى التوبة العقلية والفكرية والمعرفية والعملية.

يقيِّم المؤمن أعماله عمومًا -سيّما في بعض المواسم الروحية-، كما يقيِّم نفسه، وذاته وسلوكياته المُبعدة عن الله ﷻ، ويأتي بما يقربه من المولى ﷻ

وهذه الحالة من التوبة قد نجدها بنحو خاص تحدث في ليالي شهر رمضان المبارك، وبالأخص في ليالي القدر المباركة، كما قد تحدث في شهري رجب المرجب وشعبان المعظم وفي مواليد الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم.

حقيقة وأصل التوبة

وهنا علينا أن ندرك أن حقيقة التوبة هي وصل الله ﷻ؛ وليست بمعنى ترك الذنوب فحسب

يقول أستاذنا الشيخ جوادي الآملي:

ليست التوبة هي ترك الذنب بعد الاطلاع على مضاره؛ فهذا مغاير للتكليف الشرعي، والذي هو إرشاد عقل الإنسان؛ التوبة الأساسية والإلهية وبالنحو المطلوب هي: وصل الله ﷻ وقطع الإثم، والخطايا 

فلا بدّ للتائب من أن يقطع بإرادته ما ينهى عنه الله ﷻ وما يضره، وإن كان من ضروريات التوبة وداخل في معناها، ولكن التوبة في حقيقتها هي العودة لله ﷻ.

يقول أستاذنا الشيخ جوادي الآملي في شرح الآية الكريمة ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ الفرقان: ٧١

إن معنى: من تاب إلى الله ﷻ ليس -في الانصراف عن الذنب- بل من رجع وعاد وأناب إلى الله ﷻ، 

فالوصل بذاته هو المطلوب، والرجوع وربط النفس بالله ﷻ، فهذا النحو من الاتصال به تحدث الخيريِّات الكثيرة والبركة الوفيرة، ومنها قطع الذنب؛ وعلى ضوء ذلك يفسر قوله ﷻ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ الفرقان: ٧٠.

فكيف يبدّل الله ﷻ سيئاتهم إلى حسنات؟!

إذا ما أدركنا أن معنى التوبة كونها الارتباط بالله ﷻ والعودة إليه؛ فهذا بدوره سيحول العبودية من أفقها النظري إلى الواقع العملي المُعَاش؛ وعند ذلك يتصل الإنسان بالله ﷻ، ويجد الله ﷻ، ومن وجد الله ﷻ لا يفقد شيئًا، بل يجد كل الكمالات.

ماذا فقد من وجدك؟! (٣) فمن وجد الله ﷻ فإن طبيعة نفسه ستصبح متصلة بالله ﷻ فتطهر، وتزول عنها الخطايا والآثام والذنوب والتقصيرات؛ وكون هذا كله أثر من آثار النفس، فإذا ما وجدت هذه النفس الله ﷻ، وعادت إلى الله ﷻ وتابت له؛ حينها ستتبدل طبيعة تلك الأعمال؛ فكل الممكنات هي لمعات من الوجود الإلهي، وعندما يلتفت التائب إلى بشاعة الانفصال عن الله ﷻ، ويلتفت إلى حقيقة فقره، ويعود إلى الله ﷻ وينتعش باطنه؛ حينها سيصل إلى حالة الاستجداء من الله ﷻ، فيهجر كل المكدرات ويصل إلى الغني بالذات ويتمكن من التعلق به ﷻ.   

إذًا التوبة هي وصل الله ﷻ بحيث تصير أفعال الإنسان مرتبطة بالله ﷻ، وهذه هي حقيقة التوبة.

التوبة الأخلاقية الفكرية 

تبين لنا مما ذكر أن التوبة ليست هي ذلك المعنى المتبادر والمتعارف في أذهان الناس، وإنما هناك توبة في مرحلة أرقى وأدق وهي التوبة الأخلاقية والتوبة الفكرية، وهذا ما سوف يدور الحديث عنه في هذا الدرس والذي يليه.

‎يجب أن لا نغتر بأننا شيعة ونحضر مجالس الإمام الحسين ﴿؏﴾ ونبكي على مصابه صلوات وسلامه عليه، فالبكاء هو كأيّ نحو من التفاعل الذي يصدر من الإنسان، إما أن يكون عن عاطفة وانبعاث نفسي، أو قد يكون باعثه ديني.

‎وهناك فارق بين بكائنا على الإمام الحسين ﴿؏﴾ كونه مظلومًا، وقد جرى عليه ما جرى، وبين بكائنا عليه باعتباره خليفة الله ﷻ كما هو وارد في الزيارات: السلام عليك يا خليفة الله، أمين الله، “السَّلامُ عَلَيكَ يا بنَ رَسُولِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا بنَ أمِيرِ المُؤمِنِينَ وَابنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ، السَّلامُ عَلَيكَ يا بنَ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ”،، “السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهيدُ يا بنَ الشَّهيدُ يا أخَ الشَّهيدِ يا أبا الشُّهداءِ” صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا؛ فتأكيد هذه الزيارات على هذا النسب ليس هو لمجرد تعريف الناس كون الإمام الحسين ابن رسول الله ﷺ فحسب، وإن كان هذا سببًا –وقد تحدثنا عنه سابقًا- ولكن عندما نزوره ﴿؏﴾

ونحن ندرك بوصفه خليفة الله وابن خلفائه، وأمين الله وابن أمنائه، وكونه ثار الله، وابن رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين ﴿؏﴾؛ سيصحح للإنسان مسار العلاقة بالإمام الحسين ﴿؏﴾ ونحو البكاء عليه؛ لأن من أهم فضائل الخلافة الإلهية المطلقة هي البنوة للنبوة، وهذه مفاهيم أساسية يجب أن تصحح في أذهاننا.

وانطلاقًا من ذلك؛ نود هنا أن نعالج ما راج في الآونة الأخيرة من مفاهيم عدّة ومصطلحات منتشرة مما يُعدّ من المشتركات اللفظية؛ والتي لقيت رواجًا في مختلف البلدان والثقافات ويستخدمها كل شعب وثقافة وفق منظوره الديني أو الأيدولوجي، فكما يستخدمها الإسلامي يستخدمها العلماني وكما تستخدم في الغرب تستخدم  في الشرق وكل بمعنى يختلف عن الآخر وبمحددات مختلفة وقد تكون ومتباينة.

وهذه المفاهيم كثيرة جدًا يضيق بنا المقام عن معالجتها؛ ولكن يمكن أن نعالج منها ما يتعلق بالقضية الحسينية وتحديدًا في زاوية من زواياها.

فكما قلنا كربلاء لا تجعل الإنسان يراوح مكانًا، فمهم جدًا للإنسان-ومستهل الحديث عن التوبة- أن يتوب عن المفاهيم الخاطئة، بل ويجب على الإنسان أن يجدد أيضًا تلك الصور الموجودة في ذهنه، ولا يكتفي بما تعلمه في طفولته من أمه ومن أهله أو من المنبر، بل عليه بين الفَينة والأخرى أن يعيد النظر في كل ما تلقاه من مفاهيم، فطبيعة ذهن الإنسان قابل للتطور، والتبدل، والتغير، كما وله القابلية على التعمق.

مفهوم الإنسانية بين الرؤية المعاصرة والتصحيح فكريًا

‎مفهوم (الإنسانية) من بين المفاهيم المهمة في فهم واقعة كربلاء كما أنه من المفاهيم التي سادت وانتشرت مؤخرًا وبكثرة نسمعها في الإعلام وعلى صفحات الجرائد؛ لذا ينبغي أن ندقق فيه وفي استخداماته، كما أنه وفي حقيقته يفتقر للقيمة الذاتية المطلقة وإنما هو من المفاهيم النسبية؛ إذ ليس كل عمل إنساني محبذ وبنحو مطلق.

ولذا كان لا بدّ هنا من الوقوف لتصحيحه فكريًا.

فبمقدار ما تمثل (الإنسانية) من خلافة للأسماء الإلهية يكون لها قيمة، في حين لو حذفنا منها هذا البُعد الإلهي فلن يغدو لها قيمة -كما سوف يتبين.

‎ولنا أن نتسائل من أين جاء هذا المصطلح الذي أُلبِس لباسًا مقدسًا؟ وكيف نفهمه نحن كمسلمين خلافًا لما يفهمه غيرنا من شعوب وثقافات؟

 أولًا: الإنسانية من جهة اللغة العربية تُعدّ كلمة حديثة؛ بحيث لو رجعنا إلى معاجم اللغة القديمة لن نجد هناك تعريفًا لكلمة الإنسانية.

‎ثانيًا: يعدّ من المفاهيم والمصطلحات الدخيلة والحديثة والتي يجب أن نفهمها ونعرف ماذا يقصد الآخرون منها، وما نقصده نحن المسلمون منها.

ثالثًا: الإنسانية حسبما يراها غير المسلمين فهي من المصطلحات الجامعة لكل المعاني والمشاعر والعواطف والتي يعدونها نبيلة وسامية، والتي يراد منها تكريس مفهوم الرحمة تجاه البشر بعضهم البعض، كما وتحثهم على المحبة لكل البشر، وأيّ البشر بعيدًا عن لونه ودينه وجنسه وعرقه، وهذا يصطلحون على تسميته (بالإنسانية)، فالإنسانية في العلمانية أخذت أو أُعطيت مقام الدين.

قيمة الإنسانية والرؤى المتغايرة

إذا ما رجعنا ودققنا في معنى ومفهوم الإنسانية عندنا نحن المسلمون، فلن نرى للإنسانية  قيمة بمنأى عن وجود الله ﷻ، أو أنها كما يرى الغرب وكأن الأمر سيان-بوجوده أو عدم وجوده ﷻ؛ فلو كانت كذلك فسوف تستحيل ويستحيل الإنسان إلى محور تدور عليه بقية القيم: كالحرية، والعزة، والكرامة، وإذا ما أضحى الإنسان مِحور الوجود سيغدو سببًا لتفكك وتناحر الأُسر والمجتمعات والأقوام لتضارب المصالح.

في حين أن قيمة الإنسانية لا تتحق إلا إذا بلغت مبلغ الأخوة في الدين، واعتبر للإنسان الآخر حق في رعاية المصالح من التوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم وما إلى ذلك، هذه هي الإنسانية في الإسلام، وإذا كان الفرد الآخر ليس مسلمًا؛ فهو نظير للإنسان في الخلق كما جاء في الرواية “الناس صنفان إما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق” (٤)، ولكنها وللأسف فهمت وفسرت بنحو خاطيء، ولذا سنستظهر معنى نظير في الخلق لنصحح مفهوم الإنسانية حسب الرؤية الإسلامية.

نظير لك في الخلق  (قيمة الإنسانية) كما أرادها الإسلام:

لقد جاء الدين  ليعالج العنصرية وادعاء الربوبية ؛ والمعنى هنا: أيّ أننا جميعًا نظراء في الخلق فكلنا مخلوقون من قبل خالق واحد هو رب العالمين أجمعين، ولذا علينا أن ننظر إلى المخلوقات والمخلوقين على أننا لسنا ربهم الأعلى.

والخالق ربّ، والانتماء لأحد الأديان لا يحولك إلى ربّ كل الأديان الإلهية، والخالقية طبيعة تستدعي من الإنسان العبودية، وكل الأديان الإلهية جاءت لمحاربة الشرك؛ لذلك هي دائمًا تحارب الجبابرة والطغاة والمتكبرين؛ لذا فإن أكبر موبقة هي التكبر، وأعظم فضيلة هي التواضع؛ فكأنَّما الرواية تريد أن تعالج المخاطب الأول وهو نحن وتقول لنا هؤلاء الناس هم نظراءك في الخلق (أي لا تصبح لهم ربًّا)؛ إذ علينا أن لا نغتر بأننا على دين خاتم الأنبياء ﷺ وآله، وأن لا يصبح إيماننا وديننا وعلمنا ومعرفتنا وولايتنا سببًا في تكبرنا على عباد الله ﷻ.

وعلى ذلك نجد أن التواضع -والذي هو في حقيقته تواضع لله ﷻ- سمة باررزة ومعلم واضح جدًا في سيرة الكثير من العلماء وفي سلوكهم العلمي والعملي.

كان الشهيد محمد باقر الصدر-رضوان الله عليه- يرى أن المشكلة في بعض المتدينين والمرتبطين بالدين من المتشرعة هو في العمل على بناء العقول على حساب الضمير والوجدان.

لذا فقد كان الشهيد ذو ضمير ووجدان حيّ، كما كان آية في التواضع، وقد ورثت منه عائلته هذه الصفة، وهذه الخصوصية.

ولذا عندما نقرأ كتاب السيرة والمسيرة (٥)، نجد ومن خلال سيرته العطرة كيف أنه عمل على بناء الوجدان في نفوس تلامذته وكل من حوله.

‎وكشاهد على ذلك ننقل هذه الحادثة؛ حينما طلب أحد المبتدئين في الدراسة من الشهيد الصدر-رضوان الله عليه- أن يدرّسه الأجرومية، وقد كان الشهيد في ذلك الوقت يدرّس البحث الخارج، ومع ذلك قام الشهيد الصدر بتدريسه من دون أن يبين له مقامه العلمي! وبقى يدرّسه الأجرومية حتى اكتشف الطالب بنفسه من هو الصدر!  

التواضع وبناء الإنسانية المتصلة بالخلافة الإلهية

وبنظرة عميقة يحق لنا أن ندعي: أن التواضع الحقيقي هو الذي يبني الإنسانية الملازمة لخلافة الله ﷻ! فالتواضع هو ما يعلّم الإنسان فيبّدل أفكاره ويجعله يقبل الآخر، وهو ما يجعل الإنسان يزن الأمور بموازين دقيقة، وقد تكون أثقل صفة على الإنسان، وأعظم أمانة حملّها الله ﷻ إياه هي التواضع.

فكما أن منطلق ومبعث التواضع عادةً من الوجدان، فأكثر أمانة خانها الإنسان وفرَّط فيها هي التواضع.

وكشاهد قرآني حول التواضع والذي يصب في هذا المعنى نورد ما جاء في سورة الشعراء في الآيات التالية من قوله ﷻ: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ۞ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۞ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۞ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ الشعراء:١٨١-١٨٤

فهذه الآيات الشريفة تبين للنّاس وتحثهم على عدم التعامل مع خلق الله ﷻ وكأنهم الرازقين لهؤلاء النّاس ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾؛ أيّ وبمعنى أنكم لن تُربِحوا أحدًا، ولن تُخسِروا أحدًا؛ الله ﷻ هو الرّازق ولا أحد غيره، ولذا وظيفتكم العمل وفق وطبق المعايير والموازين والمكاييل التي وضعت لكم؛ فأنتم أيها المسلمون وسائر النّاس محكومون بهذا الحق، أيًّا ما كان دين هؤلاء الناس وصنفهم ونوعهم ومستواهم؛ فالجميع سيان ومحكوم بهذا الحق والذي هو فوقكم وأعلى منكم قيمة.

ولذا فإن هذه الآيات الشريفة تعدّ من أهم القواعد الإنسانية بالمعنى الذي له ارتباط بالتواضع، وبناء الإنسانية الملازمة للخلافة الإلهية.

ولنلاحظ هنا أيضًا قوله ﷻ: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾، والمعنى أنتم لستم الخالقين، ولا أوجدتم الجبلّة الأولين، أنتم كسائر الناس مخلوقين لربّ العالمين؛ وهو مدار الحكم والأمر؛ ولذلك فأنتم خاضعون لذات المعيار؛ فأيّ شيء يباع ويشترى ويقتنى ويتم مبادلته من خلال عمليتي البيع والشراء يلزم أن يكون له معيار ووزن وكيل وقسطاس، وهذا المعيار قاعدة تسري على كل شيء، حتى في الدرس والمحاضرات، بل في سائر شؤون الناس حيث لا يحق لأحد أن يأخذ من وقت الناس بلا وجه حق.

وهذه الآية مطابقة لمعنى قول أمير المؤمنين ﴿؏﴾ “أو نظير لك في الخلق” والتي أشرنا لها سلفًا.

ولو عدنا للخطاب في الرواية السابقة، و قوله ﴿؏﴾: “الناس نظير لك في الخلق” فهنا لا يريد أن يقول تعاملوا بالإنسانية بالمعنى العلماني للإنسانية؛ وإنما تعاملوا بالإنسانية وفق الرؤية الإسلامية والإلهية، فهذه المعايير فوق الجميع وأنتم وهم خاضعون لذات المعيار، ولذا فإن هذه الرؤية الإلهية وفق هذا المعيار والميزان هي من تهب الإنسان الشرف والكرامة والحرية.

التطفيف وإنكار موازين الإنسانية الذي حدث في كربلاء

على ضوء ماسبق علينا ومن خلال الرؤية الإلهية أن نتعرف على مفاهيم مثل الكرامة والحرية والتسامح والفن والمحبة والرحمة والشدة والقوة والاقتدار.

فلا توجد قيمة أخلاقية مطلقة إلا لعبودية الله ﷻ، وبعض الأخلاقيات التي يعدّ قبحها من ذاتها كالسرقة، الغش، هذه قيم مطلقة. 

فالحلم والشدة كمثال: ليسا ممدوحين أو مذمومين في كل الأحوال ولكن وفق متعلقاتهما، يقول ﷻ: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ﴾ الفتح: ٢٩، وهذه الشدة وفق هذه الرؤية الإلهية لا تزاحم معنى الإنسانية(٦).

لذلك فإن الشهيد مطهري يستفيد من هذه الآية ويعمم هذا المعنى كقاعدة ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ﴾.

وكذلك يقول أستاذنا الشيخ جوادي الآملي:

كونكم مخلوقين لله ﷻ فوقت الناس هو ملكهم، وليس ملكًا لكم؛ فلا تبخسوا الناس أشياءهم، ووقتهم لهم، وعمرهم، تعاملوا مع الناس وتعاملوا معهم على أنكم مخلوقين لله لا أربابًا.

وإذا ما عرجنا نحو كربلاء سنرى أنه لم يحدث تطفيف وتخسير للنفس وإنكار لكل الموازين الإلهية على مدى الأزمنة كما حدث في كربلاء؛ حيثُ أن الأدعياء وأبناء الأدعياء، والطلقاء وأبناء الطلقاء الملعونون على لسان الله ﷻ في القرآن الكريم، وعلى لسان رسوله الأكرم ﷺ وآله -حتى في نصوص المخالفين-، كالروايات التي تلعن أبا سفيان وأبنائه على لسان رسول الله ﷺ وآله؛ كون هؤلاء  قاموا بأبغض وأقبح تطفيف ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ المطففين: ١، إذ كانوا كما يدّعون بتقربهم  إلى الله ﷻ بقتل الحسين وأهل بيته ﴿؏﴾ وكذبوا والله كذابًا.

حيث ينقل في المرويات أنه صام آل زياد يوم عاشوراء شكرًا لقتلهم الحسين ﴿؏﴾؛ فقد روي عن الإمام الرضا -صلوات الله وسلامه عليه- أنه سأله أحدهم عن صوم عاشوراء وما يقول الناس فيه فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني؟! (٧) ذاك ما كان صيام لله، ولا كان صيام للدين ولا كان صيام مُشرَّع، هذه شريعة جديدة، شرعها ابن مرجانة، ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتلهم الحسين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.


  1. “يا فاطمة! كل عين باكية يوم القيامة، إلا عين بكت على مصاب الحسين، فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة” بحار الأنوار ج٤٤ ص٢٣٩. الأصول الأربعمائة، يطلق هذا المصطلح على أربعمائة أصل حديثي 
  2. صنّفت من قبل رواتها الذين سمعوها مباشرة وبلا واسطة عن المعصومين ﴿؏﴾ في قرون الأولى من تاريخ الإسلام. وتمثّل هذه الأصول الركيزة والمصدر الأساسي للكتب والمجاميع الحديثية التي دونت في الفترات اللاحقة، كما يعتبر وجود الحديث في واحد من تلك الأصول ملاكاً لصحة الحديث عند الأجيال الأخرى من المحدثين والباحثين.
  3. دعاء عرفة… مفاتيح الجنان
  4. نهج البلاغة.
  5. هو كتاب يتكلم عن سيرة ومسيرة الشهيد محمد باقر الصدر في حقائق ووثائق، تأليف: احمد عبدالله ابو زيد العاملي ويتكون من أربع أجزاء. 
  6. في الدرس اللاحق سيتم التوسع في هذا المعنى إن شاء الله.
  7. حدثنا جعفر بن عيسى أخي قال: سألت الرضا ﴿؏﴾ عن صوم عاشوراء وما يقول الناس فيه؟ فقال: “عن صوم ابن مرجانة تسألني ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد بقتل الحسين عليه السلام”  الكافي، ج٤، ص١٤٦

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 4.3 / 5. عدد التقييمات 10

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 4.3 / 5. عدد التقييمات 10

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬124 زائر

1 تعليق

  1. غير معروف

    الله يعطيكم العافية على جهودكم المثمرة .. مأجورين

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها