ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 العقيلة تدعوكم لما يحييكم- الأربعين

تقدم القراءة:

العقيلة تدعوكم لما يحييكم- الأربعين

الأربعاء 22 صفر 1443صباحًاالأربعاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.
أربعون يومًا اجتازتها زينب الكبرى سلام الله عليها، عقبات وعوائق شاقة ووعرة، لم تكن تمشي خلالها إلا على نيران قلبها المتشظي لتروي لهيبه، وترضي إمام زمانها ﴿؏، وتحي معه حياة أبدية بقربه وجواره.

الإحياء الخاص الذي قامت به العقيلة ﴿؏). 

في مثل هذا اليوم تكمل عقيلة الطلبين ﴿؏مخاض عناصر الحياة الشريفة والكريمة على بدن أمّة جدّها وأبيها؛ لتستنقذها من اللعنات الإلهية؛ وكيف لا تكون كذلك وقد وصلت صلوات الله عليها ما قد فصله بنو أمية من العلائق والروابط بين الأمة وبين نبيها الأكرم ﷺ وأهل بيته ﴿؏، وقد أعادت القلوب إلى مكانها الطبيعي ومسارها الإلهي.

فبعد وفاة النبي ﷺ وآله سعت بنو أمية بكل ما تمتلكه من خبرة اجتماعية وسياسية طويلة، مستعينة بالمكر والخديعة والتحايل والدهاء في تقليب الأمور، وقطع حبائل المودة، وإزالة أسباب انقياد الأمة الإسلامية لأهل البيت ﴿؏؛ وهم من فرض الله ﷻ لهم الطاعة والولاء والمودة الواجبة، حتى طمع العبيد وأبناء العبيد في الخلافة الإلهية، ولا شك أنه إذا وصل الصعاليك والذنابي، وصعدوا منبر رسول الله ﷺ فسوف يطمع من هو دون ذلك. 

وهذه الحيثية هي التي ركّز عليها الإمام الحسين ﴿؏في كربلاء؛ الجفاء والقطيعة من الأمة لنبيها الأكرم ﷺ وعترته ﴿؏؛ كونه مكمن العيب والرداءة والفساد والدناءة، وبؤرة الإثم، وذلك من خلال نداءاته المتعددة حيث كان يكرر ﴿؏﴾: هل من ناصر ينصرنا، هل من ذاب يذب عنا؟!”(١)، ولم يجبه أحد! 

ونتيجة ذلك تأخذ أخته زينب ﴿؏ دورها الأساسي والإحيائي؛ لتعيد نسج هذه الحبائل الولائية، وتذيب جليد الجفاء والبُعد والقطيعة، فتحيي ميت العلائق والوشائج الولائية، وتصنع من جديد النماذج المتصلة، وتصهر الأمة في بوتقة العشق للحسين وآل بيته ﴿؏﴾.

ونحن هنا إذ ندعي أننا نتحدث عن نوع إحياء خاص قامت به السيّدة زينب ﴿؏، وأفاضته على هذه الأمة، بل وكما جاء في الروايات عن الإمام المعصوم ﴿؏﴾: أتجتمعون وتتحدثون في أمرنا(٢)، ثم قال:إن هذا لهو العيش كما في بعض المصادر، وهذا نوع حياة، وقد جاء في القرآن الكريم قوله ﷻ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَالنحل: ٩٧، ولإيضاح هذا المعنى وبيانه نقول:

مفهوم الحياة في القرآن الكريم والفلسفة الإلهية في مقابل الفلسفة المادية 

١معنى مفردة الحياة في الفلسفة اليونانية وما وصل لنا من المحققين والفلاسفة اليونانيين والذين لم يكونوا إلهيينقسمت الحياة إلى مراتب ثلاث حصرت فيها حياة النبات والحيوان والإنسان، وهذا التقسيم وليد نظرة بسيطة وساذجة وسطحية جدًا تتماشى مع النظرة المادية، إذ لم يعلموا بالدّقة العقلية كي يجدّوا في معرفة الموجودات والحياة الثانية. 

والملفت في الأمر أن الثقافة الغربية الحديثة تتطابق تقريبًا مع تلك النظرة الحسيّة أو المادية إن صحّ التعبير إذ ليس هناك حديث يجري لديهم عن عالم الملائكة أو حياة ما وراء المادة، بل جلّ الحديث يدور غالبًا في عالم المادة، والذي يمثله عالم الآلة؛ حيث هووا بذلك إلى ما هو دون فهم زمن الجاهلية، والذين كانوا حينها يقرون ويؤمنون بوجود الملائكة؛ إلا أنهم كانوا يدعون أنهم بنات الرحمن تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا وما إلى ذلك من الدعاوى، مما يؤكد على كونهم كانوا يعتقدون بحياة لموجودات أخرى غير تلك الموجودات التي ترى بالحسّ.

٢وأول من توسع في تطبيقات حقيقة الحياة هي الأديان الإلهية؛ فإذا ما نظرنا إلى الفلسفة الإلهية؛ سنجدها توسع في مفهوم الحياة عمومًا، حيث ذكرت أن هناك حياة أخرى غير ما حصره الفلاسفة اليونان، كما أنهم وصفوا الإله بكونه (حيّ)، وقالوا أن هناك حياة لموجودات أخرى كالملائكة والجن، وهذه النظرة الإلهية في واقع الحال تفتح لنا آفاقًا كي نتعرف على مفهوم الحياة كأرضية لفهم حقيقة الإنسان.

٣أما الحياة كمفهوم قرآني هي التي يمكن من خلالها أن يؤسس منظومة مفاهيمية متكاملة، فقد أكدّ الوحي على وجود حياة للملائكة وحياة للجن، وحياة لموجودات أخرى مما لم يتحدث عنها الفلاسفة اليونان، وإن كنا لا ندرك ما حقيقة الملائكة وحياتهم غير أنهم عباد مكرمون ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَالأنبياء: ٢٦، روحانيون لهم من اللطافة مما يؤكد عليه ويشير له القرآن الكريم في قصة سجودهم للإنسان؛ وهذا دليل على عظيم أدبهم ولطافتهم(٣).

وهنا نقول: بالرغم من تعدد أنواع الحياة؛ إلا أن أعجب حياة وأكثرها شدّة في الوجود هي ما وهبت للإنسان؛ حيث أعطي حياة ذات مراتب عديدة، ومن أهم ما أعطي للإنسان هو ما نريد أن نتعرف عليه في حديثنا هذا، ونجعله مبدأ للاستدلال على ما وهبته السيّدة زينب ﴿؏من حياة لهذه الأمة.

 
الإنسان وخصوصية إدراك الكليات

ومنطلق الحديث عن الحياة هي الخصوصية الممنوحة للإنسان، وحسب اصطلاحات المناطقة أن هذه الخصوصية هي منشأ لحياة عليا يمكن للإنسان من خلالها أن يدرك الكليات التي لا يمكن أن يدركها الحيوان والنبات، بل وحتى الملائكة، ومعنى إدراكه للكليات:

١قدرته على التشخيص: وذلك من خلال إدراكه لنفسه في الأزمنة المتعددة: إن فهم الإنسان وإدراكه ومعرفته بزمانه ومكانه ووقته الذي هو فيه ليست مناطة ومحدودة بذات الزمن ومعرفة ما حوله فقط؛ فهذه الملكة يتساوى فيها مع الحيوان، بيد أن الإنسان يمتاز بقدرته على معرفة نفسه وتشخيصها؛ حيث أنه يستطيع أن يكسر قيد الزمن ووقته وظرفه الذي هو فيه، فيعرفها في ماضيه وحاضره ومستقبله.

وهذه القدرة في واقع الحال هي مفتاح الإنسان لمعرفته نفسه، فعلاوة على معرفته لما حوله، فهو يستطيع أن يحلل الماضي ويدرسه بدقة، حيث تراه يخرج من طوق الزمان الذي هو فيه، والمكان الذي يحدّه، ليستفيد منهما في إعادة وصياغة تجارب جديدة لنفسه.

٢قدرته على التقييم: وعلى هذا؛ يكون الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يمكنه أن يعرف شخصه، ويحلل نفسه، ومن ثم يحكم عليها ويقيمها، ولذا يقول المناطقة: إن من خصوصيات الإنسان الخجل؛ وهذا يعني أنه حين يغرق في التفكير في نفسه وماضيه، سيدرك نقائصه الروحية، وسيتألم لتلك النقائص، ولربما يمرض لشدّة تألمه على حاله ذاك، كما أنه في مقابل ذلك؛ إذا ما قام بعمل حسن؛ تراه سيشعر بحالة من الشغف والالتذاذ بحسناته تلك، فكما ورد المؤمن من سرته حسناته(٤).

٣قدرته على التوسع من خلال التقويم والبناء: فالإنسان عندما يحاسب نفسه، سيتعرف عليها، لا بواقعها الحالي فحسب؛ وإنما سيمكنه ذلك من إدراك ماضيه بعمل جرد لحساباته، ومعرفته الدقيقة لنفسه في حاضره الذي هو فيه، وله أن يتصور ويدرك ما يجب أن يكون عليه مستقبله، بالخروج من المحدود نحو الواسع.

وهذه الحالة هي التي تسمى في الفلسفه الإلهية بقدرة الإنسان على إدراك الكليات، والإنسان هو الموجود الوحيد الذي يمكنه إدراك نفسه بنحو واسع، ولهذا يمكن أن نصف الإنسان بأنه خجل، وضاحك بمعنى مستبشر؛ لأنه يدرك الكلي، ويعرف نفسه من خلال مقايسته بالكلي، وهذه المرتبة هي نوع من أنواع ومراتب الحياة، التي يعيشها الإنسان، والتي لها مراتب ودرجات كثيرة.

وكما سوف نرى فإن الإلهين والعرفاء والأخلاقيين، بل الفلسفة الإلهية عمومًا تبتني على أن هذا الإدراك هو أعلى مراتب المعرفة، والتي تشخص الإنسان عن النبات والحيوان؛ وهي مرتبة الناطقية، فمعنى كون الإنسان ناطقًا؛ أيّ أنه ليس مجرد متحدث، أو بمعنى أنه مفكر فحسب؛ وإنما مفكر في الكلياتبالنحو الذي أسلفناه، حيث تجده يستطيع أن يتجرد من حدود الزمان والمكان، وينطلق من الأمور الجزئية التي يعيشها، ويقايسها، نحو العالم الأرحب.

ولتقريب المعنى نضرب لذلك مثالًا:

وهو ما نجده من تعدد الدوافع والأسباب والمناشىء والمحركات لدى عموم النّاس، فحين نجد أن الحيوان إما أن يكون جائعًا فيأكل، أو لا يشعر بالجوع فلا يطلب الطعام، بينما نجد الإنسان حين يقوم بالعمل لكونه يريده، أو لكونه شخّص أنه الحق، أو لأنه يريد التشفى من أحدهم؛ وغيرها من عشرات الأسباب والمراتب التي تدفع الإنسان للقيام بهذا العمل أو ذاك؛ فالإنسان قد تتعدد نواياه، كما ولديه القدرة على أن يتنقل من نيّة إلى أخرى، ومن دافع إلى آخر؛ بل قد يكون الدافع أمر قد حدث في الماضي، أو قد يكون لأمر مستقبلي لم يحدث بعد، وذلك كله لكونه يمتلك القدرة على إدارة وفهم نفسه بنحو كلي ووسيع.

المراقبة والمحاسبة من مراتب الحياة العليا

وعلى ضوء هذا المعنى يمكننا الآن أن نفسر ما يعبّر عنه المناطقة بالخجل، فالذي يمنح الإنسان تلك القدرة على نقد النفس، هو ذاك الفهم والذي يجعل الإنسان بصيرًا؛ ففي كثير من الأحيان قد يمتلأ باطن الإنسان بالدنيا وهو في غفلة عن نفسه، إلى أن يحدث له أمر ما فيبرز له باطنه ذاك، والعاقل فحسب هو من يدرك الحقائق، ويلتفت لنفسه وينقدها، وهذا النقد ذاته هو نوع من الحياة، وعودة وتوبة وأوبة كما بيّن ذلك في علم الإلهيات، وأشارت إليه التعاليم الإسلامية.

وفي هذا المعنى ينقل الشهيد المطهري عن أحوال آية الله السيّد البروجرديقدس الله روحيهما في آخر حياته، حيث أنه كان كثير المحاسبة لنفسه، كثير التأمل، طويل الحزن؛ حتى اجتمع حوله عدد من المراجع والعلماء فقالوا له: لقد قمت بإنجازات عدة حيث أنشئت الحوزات والمدارس العلمية، وألفت الكتب واشتغلت بالتدريس على مدى أربعين عامًا، كما أنك قد أفرغت نفسك فيها للعبادة؛ فأجابهم وهو يبكي: لا، أخلص العمل فإن الناقد بصير؛ فالإنسان له القدرة على نقد ذاته وعمله، كونه مدركًا للكليات؛ فهو يستطيع أن يعود لماضيه ويخرج من حاضره، ويقايس الجزء على الكل. وأن ينطلق من واقعه الحالي نحو المستقبل الذي يرسمه.

لذا فإن جزء كبير من تصرفات الإنسان والتي هي مقوّمة لوجوده قائمة على هذه الحيثية؛ وهي قدرته على نقد ذاته؛ فكونه الموجود الوحيد الذي يمكنه أن يعرف نفسه، ويؤدبها ويقوّم اعوجاجها، لذا نراه قد يشعر بالشرف والعلو والرفعة إذا ما قام بعمل حسن، وقد يعيش حالة من الدونية والصغر إذا أدرك أنه قد أوقع نفسه في خطأ ما

وعلى ضوء هذا المعنى يمكننا فهم وإدراك وصايا الأئمة ﴿؏في التوكيد على أهمية محاسبة النفس، فكما ورد عنهم ﴿؏﴾:ليس منا من لم يحاسب نفسه بين اليوم والليلة(٥)، كونها مرقاة كمال الإنسان، كما وأنها الخصيصة التي لا تميزه عن بقية الموجودات فحسب؛ بل وتميز جلّ الحياة الإنسانية كما أسلفنا.

فالمحاسبة ليست توصية أخلاقية أو دينية فحسب؛ وإنما هي مرتبة من المراتب العليا والمشخصات الأساسية للإنسان، فالإنسان المؤمن قبل أن يحاسب نفسه فهو يراقبها آن آن، وهذه المراقبة تعدّ أهم من المحاسبة ذاتها، إذ أن هناك فرق بين المحاسبة والمراقبة:

فالمحاسبة: تحدث بعد الانتهاء من العمل، وذلك بغية نقده وتقويمه.

بينما المراقبة: تحدث أثناء العمل.

وكشاهد على ذلك نورد هذه القصة المؤثرة جدًا، والتي ينقلها الشيخ إبراهيم الأميني(٦) يذكر أن صاحب الميزان العلّامة الطباطبائي في آخر حياته كان لا يتحدث مع أحد، بل وكأنه لا يسمع؛ لا بمعنى أن حواسه النباتية أو أن الحياة النباتية قد انقطعت قسرًا بمقتضى العمر وشؤون الحياة المادية، وإنما كان يفعل ذلك بكامل إرادته؛ حيث كان منصرفًا نحو ذلك العالم كليًا؛ فعمد إلى إغلاق كل مجاري سمعه وبصره على ذلك العالم من شدة انجذابه نحو العالم الآخر.

يقول الشيخ الأميني: دخلت عليه في مثل ذلك الحال، وطلبت منه برنامجًا عباديًا، فقال: المراقبة، المراقبة، المراقبة.

نعم فكل مدرسة صاحب الميزان الأخلاقية والعرفانية والعلمية مبتنية على المراقبة؛ فالإنسان لن يعرف نفسه إلا عندما يراقبها أثناء العمل، بل وقبل القيام بأيّ عمل؛ فتراه يفكر فيه وبنحو وبصورة كليّة كيف ستكون نتائجه المستقبلية، وتأثيراته عليه، وما إن كان سيمكنه من خلاله أن يعالج خطاياه السابقة، وهل بإمكانه تصحيحها وتقويمها، لذا تراه يفكر كثيرًا قبل الإقدام عليه أو الإحجام عنه، ويراقب نفسه في كل حين

ولذا نجد أن العلّامة صاحب الميزان في كتاب الولاية يفسر معنى الرواية والتي تقول: من عرف نفسه فقد عرف ربه(٧)، بهذا المعنى؛ وهو أن الذي يراقب نفسه فهو يتخلص من عالم المحدوديات والجزئيات، وأن الحياة الحقيقية للمؤمن ينبغي أن تبتني على المراقبة، فإذا راقب الإنسان نفسه تعرف على أخطاءه، خجل منها، نقدها، وإذا عرف الإنسان على نفسه وأدرك حجمه وحقيقته فإنه سيعرف ربه، وفي المقابل فإن من نسي نفسه ولم يراقبها بالنتيجة سوف ينسى ربه.

وعلى هذا المعنى كذلك يفسر صاحب الميزان الآية الكريمة ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَالحشر: ١٩، فالذي ينسى الله ﷻ، هو ينسى هذا العالم التجريدي، وبالنتيجة سوف ينسى نفسه كونه لايستطيع أن يراقبها.

فهذه من مزايا الإنسان وهي قدرته على الانفصال عن زمانه ومكانه والتوسع في الإدراك وعدم قصره على زمانه الحالي، وإنما يتوسع ليشمل ما وقع منه وما يجب أن يقع مستقبلًا؛ وهذه القدرة هي التي تجعل الإنسان يكثر طوق نقصه، ويكسر جمود حياته النباتية.

 الأربعين ومعايشة موكب العقيلة ﴿؏؛ يهبنا حياة جديدة

وعلى ضوء هذا الإدراك والفهم، وهذه القدرة من الحياة التي يستطيع أن يحياها كلّ إنسان؛ يمكن أن ندرك أن الذي يحدث عند من يواكب هذه الأربعين اعتبارًا من يوم شهادة الإمام الحسين ﴿؏﴾- وهذه المسيرة الأربعينية والتي ندرك يقينًا ووجدانًا أن المحرك الحقيقي فيها للمؤمن العاقل هو الإمام الحسين ﴿؏فحسب، وسيتضح لنا أن هذا الإدراك هو ما يمكنه أن يكسر الواقع اليومي الذي يعيشه الإنسان المؤمن، فعندما تراه هاربًا من كل اللذائذ المادية، يعيش في تلك الأيام همّ ذلك الموكب، ويحيا فيها عبر المراقبة الدائمة للنفس؛ وهذه الحالة وحدها تنفتح لدى الإنسان السائر ليس مجرد مشاعر جديدة؛ بل أفق وحياة جديدة.

ولذا فإننا نلاحظ أننا الشيعة الموالون وخلال هذه الأربعينية نكاد لا نتخذ فيها شيء من زينة الدنيا وزخرفها، كما أننا نقطع فيه كل مظاهر الفرح والبهجة، بل وأننا نراقب أنفسنا فيها على نحو الضحك واللهو؛ فيغدو همّنا هو الحسين ﴿؏ورزايا زينب وأهل البيت ﴿؏، وما قد جرى عليهم في كربلاء.

ولو أن كربلاء ليست أمامنا الآن، حيث كانت الماضي فحسب كما يتصوره البعض لكننا نعيشها ونحيا معها لحظة بلحظة؛ فكل يوم لنا عاشوراء وكل أرض هي كربلاء، لذا فنحن نستحضرها ونحضرها في كل الآنات.

لذا تجد الموالون بخلاف الذين كفروا والذين عبر الله ﷻ عنهم بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَيس: ٩، فعندما نرجع إلى الوراء نجد أن هذه الأحداث الدامية ولو كانت ليست في محيطنا الآن لكننا نعيشها بكل مفاصلها.

وفي هذا المقام نورد هذه الرواية والتي يمكن أن تعدّ تطبيقًا للمعنى الذي أوردنا، والتي ينقلها ابن عباس عن أمير المؤمنين ﴿؏حيث يقول: كنت مع أمير المؤمنين ﴿؏ السلام في خروجه إلى صفين، فلما نزل بنينوى وهو بشط الفرات قال ﴿؏﴾:  بأعلى صوته: يا ابن عباس أتعرف هذا الموضع؟ قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين فقال ﴿؏﴾: لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي، قال: فبكى طويلًا حتى اخضلت لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا معا وهو يقول: أوه أوه مالي ولآل أبي سفيان؟ مالي ولآل حرب حزب الشيطان؟ وأولياء الكفر؟ صبرًا يا أبا عبد الله فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى”(٨).

لقد نقل ابن عباس ذلك عن أمير المؤمنين ﴿؏وكربلاء لم تقع بعد؛ وهنا ماذا لو تساءلنا: على أيّ شيء كان يبكي أمير المؤمنين ﴿؏؟!

وذلك كونه سيّد الكليات والمعقولات كما يعبّر عنه الفلاسفةفالماضي والحاضر لديه سيان.

ونحن هنا وفي مثل هذا اليوم نقف على أعتاب الأربعين وقد امتلأت أرض وساحات كربلاء بالزائرين من المحبين الموالين والوالهين من كل حدب وصوب، نقف ونشاهد مدى الغصة واللوعة والزفرة في قلوب الوافدين ممن دفعهم الحب والولاء والوفاء نحو الحسين ﴿؏، وقد أمتلأت العيون قذى والقلوب شجى، يشرون بأنفسهم وأرواحهم رمال كربلاء، ورائحة الحسين ﴿؏، ومواقف العباس وعلي الأكبر ﴿؏﴾.

يفدون على أبوابها بالإكرام والتبجيل، يحنوا بعضهم على بعض، ويرأف بعضهم بعضًا، يشاهدون أنوار تلك المنائر تتلألأ في وجههم.

نقف على أعتاب مقام رضيع  الحسين ﴿؏، فنجد الموالون الصادقون لو خيروا أن تعصر أروحهم وأفئدتهم ليُسقى الرضيع، ويبقى لو مجرد لحظات فيبرد قلب أبيه الحسين ﴿؏، وأمه الرباب، وعمته العقيلة زينب ﴿؏لما توانوا لحظة.

نقف في هذا اليوم والذي يصادف عودة السبايا بعد الأسر حيث تصل إليها عقيلة الطالبيين زينب الكبرى ﴿؏إلى أرض كربلاء، وقد أمضاها الجهد وألم الفراق وأنهكها التعب، مع نساء ثكالى، وسبايا مسلبات بينهم الإمام زين العابدين ﴿؏، فبأيّ حال يمكن أن تكون قد عادت إليها ووصلتها؟!

وما الذي رأته عقيلة بني هاشم ﴿؏ في كربلاء بعد تلك الرحلة المضنية والشاقة والتي كانت قد أنهكتها وسلبتها كل ما تملك من قوى، غير قبور وشواهد لإخوتها وبنيها وأحبتها، من الذي كان في استقبالها؟! ومن أكرمها وأطعمها، أرأت قلوب تحنوا عليها وعلى أهل بيتها ﴿؏﴾.

وكأني بها تنادي نداء الإمام الحسين ﴿؏﴾: يا حسين يا علي الأكبر، يابن أخي القاسم، قوموا واستقبلوا بنات رسول الله، وسبايا الحسين ﴿؏﴾.

ألا لعنة الله على الظالمين.


  1.  بحار الأنوار، العلامة المجلسي – ج٤٥ – ص١٢
  2. روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) أنه قال للفضيل بن يسار: يا فضيل « أتجلسون وتتحدثون؟» قال: نعم جعلت فداك. قال الإمام الصادق(عليه السلام): «إن تلك المجالس أحبها. فأحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا»بحار [الأنوار، ج44، ص282، الحديث رقم 14].
  3. وقصة خلق الإنسان كما جاءت في القرآن تشير إلى أنه بعد أن خلق الله ﷻ الإنسان، ومع كون الملائكة مقربين من الله ﷻ إلا أنهم بعد أن علموا أن هذا الإنسان عالم؛ طلبوا من الله ﷻ أن يجعلهم مكانه، وحين اكتشفوا حقيقة ذلك الإنسان أصبحوا أعوانًا له، يستغفرون له، بل ويستدلون على حاجة الإنسان للمغفرة.
    يقول ﷻ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِغافر: ٧، فجاء خطابهم لله ﷻ؛ كونك ﷻ محيط بكل شيء علمًا، ورحمتك بقدر علمك، وهؤلاء المؤمنون يستحقون منك الرحمة، ولذلك فرعوا على ذلك بقولهم ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾. 
  4. خبر آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن. [الخصال للشيخ الصدوق ص ٤٧].
  5. الإمام الكاظم (عليه السلام): ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل خيرا استزاد الله منه وحمد الله عليه، وإن عمل شيئا شرا استغفر الله وتاب إليه. [ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٦١٩].
  6.  عضو في جامعة المدرسين، وأحد أساتذة البحث الخارج.
  7. ميزان الحكمة ج ٣ ص ١٨٧٧.
  8. عن ابن عباس قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خرجته إلى صفين، فلما نزل بنينوى وهو بشط الفرات، قال بأعلى صوته: يا بن عباس أتعرف هذا الموضع؟ قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال عليه السلام: لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي. قال: فبكى طويلا حتى اخضلت لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا معا وهو يقول: أوه أوه مالي ولآل أبي سفيان؟ مالي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر (والطغيان)؟ صبرا يا أبا عبد الله فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم. [العوالم، الإمام الحسين ﴿؏﴾ الشيخ عبد الله البحراني ص ١٤٤].

     

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

إحصائيات المدونة

  • 38٬206 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الإمام العسكري هو العسكريّ بحق 5 (1)

كون الإمام العسكريّ ﴿؏﴾ هو أبو الإمام المهدي ﴿عجل الله فرجه الشريف﴾، وباعتبار أن الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) من سيقوم بمشروع العدل الإلهي الكامل، ويقيم دولة العدل، ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وسيطهر الأرض في الطول والعرض، فلا شك إن هذا القيام يحتاج إلى أتباع ومعاونين يصحّ لنا أن نسميّهم بالعسكريين.

كمال الانقطاع لرسول الله ﷺ 4 (2)

الاتباع معناه الانقطاع، والذي ينقطع وينقاد لرسول الله ﷺ ففي الحقيقة هذا يحبه الله ﷻ، وعند ذلك لا يبقى للعاقل أدنى مطمع بعد أن ينال محبة الله ﷻ ورضاه.
إذًا فمحمد ﷺ والذي منّ الله ﷻ به علينا، إذا ما انقطعنا له ﷺ أغنانا عن كل شيء؛ لأنه يقبل بوجهه وبروحه وقلبه ﷺ علينا، ويقطعنا عن ما عداه، فهو يغنينا ويثرينا ويروينا ويكسونا ويفيض علينا كونه مظهرًا لباسط اليدين بالعطية.