تقدم القراءة:

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير

الثلاثاء 17 صفر 1444مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

اللهم صل على محمد وآل محمد. السلام عليك يا رسول الله، السلام على أمير المؤمنين وعلى الصّديقة الطاهرة وعلى الحسن بن علي. السلام عليك يا أبا محمد أيها الحسن المجتبى يا ابن رسول الله أيها المسموم المظلوم السلام عليك وعلى أخيك أبي عبد الله الحسين وعلى أختك عقيلة الطالبين أم المصائب زينب.

لرسول الله وآل بيت العصمة والطهارة سيما خاتمهم، مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، المؤمنين والمؤمنات حار العزاء بشهادة أبي محمد الحسن بن علي، حبيب رسول الله ومجتبى الله السبط الأكبر صلوات الله وسلامه عليه.

توطئة

إن مثل هذه الليلة لهي شديدة الحزن على أهل بيت العصمة والطهارة لفقدها وافتجاعها في كبيرها وسيدها؛ فقد سبط النبي الأكبر وشمامته وحبيبه وقرة عينه أبي محمد الحسن -صلوات الله وسلامه عليه- مُرّة وشديدة حيث يبكيه الأولياء والأوصياء.

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

وليس هذا أولها ولا آخرها؛ فقد سم الإمام الحسن (ع) وفي ذلك يقول الشيخ الأصفهاني: (2)

وصبره العظيم فـي الهزائز              يكــــاد أن يلـحــق بالـمـعـاجـز
مـن حلـمـه أصابـه من البلا              ما لا تـطيـقـه الـسمـوات العـلى
تــــبت يـدا آكــــلة الأكــــباد             أتـــت بــرأس الــبغـي والفـساد
أتت بمن لا تكشف النساء عن           أخبث منــه في الشقــاء والإحـن
مــــا لابن هــنــد لا أبا له أبى           ولايـة الأمـر لأصـحـاب الـعـبـا
فأشهر الحرب على الله العلي            مذ حارب الوصي بالنص الجلي
وســـــــن ســب ســـيد الأكابر           بــــغـــيـــا عــلــى الله اـمنـابـر
وبعـــده عــدا عـنادا واعـتدى            على سـلــيـل ســلالـــة الـهـدى
فـاستــلب الإمـرة بالــتـسـويل            عن أهـل بيـت الوحي والـتنزيل
كيف يليـق الرجــس بالأمارة             دون سلـيل الــقـدس والطهـارة

هذا الاستبدال السيء كان نتيجة اتخاذ الأمة الغضب على الغضب، فعن رسول الله (ص): (إن الله عز وجل اشتد غضبه على اليهود أن قالوا: عزير ابن الله، واشتد غضبه على النصارى أن قالوا: المسيح ابن الله، وإن الله اشتد غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي)(3) فقد اشتد غضب الله على من فجع النبي والزهراء والإمام علي بسم الحسن (ع) واستبدل به معاوية.

الحديث بعنوان:

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير

يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم:

(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) البقرة:61

  • الاستبدال والتغيير

يختلف الاستبدال عن التغيير بأن التغيير هو: تصرف في الشيء نفسه وفي نفس مكانه مع بقائه والاحتفاظ بنفس حالته الأساسية،  فمثلًا الإنسان يبقى هو الإنسان نفسه، ولكن قد يُغير من طبائعه وأخلاقه بالزيادة أو النقصان.

بينما الاستبدال هو: أن ترفع هذا الإنسان وتضع مكانه إنسانًا آخر، أو ترفع ما يرغب فيه العقل والدين والوعي، وتضع مكانه قيمة لا يرتضيها الدين ولا العقل ولا العرف.

إن القرآن الكريم قد اهتم بمفردة الاستبدال اهتمامًا أساسيًّا، وكما تحدث القرآن الكريم عن استبدال الله  أقوام بأقوام، كذلك الإنسان يستبدل عادات بعادات، وملكات بملكات، وسنة بسنن، رجل برجل، قوم بقوم، مجتمع بمجتمع.

فإذا كان الاستبدال سيء فسوف يتسبب في هبوط هذه الأمة المُستبدَلة؛ فقد قال الله تعالى في شأن اليهود الذين استبدلوا كل شيء عالٍ بشيء رخيص ودنيء: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)

وإذا ما دققنا في حياة من لا يراقب نفسه فهو بشكل دائم يستبدل الأدنى ويترك الخير، فنجده مثلًا يستبدل اللحظة التي يمكن أن يقضي فيها أمورًا خيرة إلى ما هو دونها، بحيث تموت وتصبح جيفة ميتة، ويُدفن كل خير فيها، حتى يتحول هذا الاستِبدال إلى حالة دائمة ومستمرة وعادة .

إن القرآن الكريم يتحدث في موارد كثيرة عن خبث بني إسرائيل، وسوء سريرتهم وعتوهم وتكبّرهم على الله، وخلقهم للذرائع وتحقيرهم للأنبياء، واستهزائهم بأحكام الله؛ والقرآن يشير إلى أن الله تعالى استنقذهم بالكرامات والمعاجز من ظلم فرعون وعبر بهم البحر، ورزقهم من الطيبات، وقد رأوا نعم الله تعالى عليهم؛  ولكنهم تركوا واستبدلوا هذا الخير بالذي هو أدنى.

يقول الله تعالى في شأنهم: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) البقرة:57

إن الله قد أعطى بني إسرائيل المن والسلوى وهو طعام ملكوتي سماوي، وكذلك ظللهم بالغمام، وكذلك ضرب لهم موسى الأرض فانبجست منها اثنتا عشرة عينًا، ولكنهم كانوا قومًا ذوّاقين، ينزعون للتنويع والتبديل والتغيير؛ فقد قالوا بأنفسهم لموسى (ع) لن نصبر على طعام واحد (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)

بمعنى أنهم لم يقولوا مع وجود المن والسلوى ادعُ لنا ربك يُنبت لنا من الأرض، ونحن نضيف هذا على ذاك؛ بل هم حتى لم يقولوا نحن نزرع، وإنما قالوا الله يُنبت لنا من بقلها وقثائها وفومها وعدسها؛ فهم لا يريدون بذل أي جهد؛ بل هم لم يريدوا ذلك أصلًا، بل أرادوا الاستبدال، والدليل عليه قول النبي موسى (ع): (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ)

 وهذا الاستبدال استبدالًا طبيعيًا لمن كان طبعه ذواقًا، فهو لا يريد أن يبقى على شيء؛ بل إن نهاية أمره أن يستبدل كل شيء؛ حتى التوحيد بالشرك، والإخلاص بالرياء، والخبيث بالطيب، والعذاب بالمغفرة، والتدبير البشري بالتقدير الإلهي، وهذا ما كان من بني إسرائيل فانتهى أمرهم بقتل الأنبياء بغير حق، وليس ذلك لأن الأنبياء يستحقون القتل حسب نظرهم، وإنما لأن الأنبياء دائمًا ما ينهونهم عن هذا وذاك؛ وهم –بنو إسرائيل- لا يريدون ولاية الله وولاية أوليائه عليهم.

 ولذلك قال الله في شأنهم: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ).

لقد قال الله تعالى في الآية الكريمة “و باءوا بغضب من الله “وفي بعض الآيات باءوا بغضب على غضب؛ وذلك لأن حقيقة الاستبدال هي تراكمات من الاستبدال، أولًا يبدأ بالاستبدال في السلوكيات، ثم في الأمور المعيارية الأخلاقية، ثم في العقائد، وهذا الاستبدال ينتهي بغضب على غضب، فكلما استبدل خيرًا بشر فهو في الحقيقة يضيف غضبًا على غضب؛ ولذلك لم يقل هنا تستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير، بل قال الذي هو أدنى وكأن باعثهم لاستبدال الخير بالشر قصر نظرهم الذي هو أدنى وأقرب لهم، فهم يرون الظاهر القريب ويحبون العاجلة، فإن هذه النظرة نظرة سطحية للأمور؛ ولذلك يتحدث عنهم القرآن فيقول: (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) فصلت:44.

فإن القريب منهم معنويًا شهواتهم ورغباتهم وأذواقهم، واعتيادهم على استبدال الأشياء، وهو ما يرونه، وأما نداء الله والفطرة والأخلاق فإنهم لا يرونه وهي عليهم بعيدة.

  • حقول الاستبدال في القرآن الكريم

هناك ثلاثة حقول يمكن ان نعبر عنها (بالأنماط) ركز عليها القرآن الكريم للاستبدال:

الحقل الأول: استبدال المعتقدات

يقول الله تعالى مخاطبًا هذه الأمة: (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) البقرة:108.

لقد طلب قوم موسى (ع) منه في مرحلة من المراحل أن يريهم الله جهرًا، ثم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهًا كما لأصحاب الأصنام آلهة يعكفون عليها، في حين كان الله يدعوهم للإيمان.

وبالرغم من أن الديانة اليهودية قد تكون أكثر الديانات تشديدًا على التوحيد والعبودية؛ و قد رأوا من المعاجز الحسية التي هي نص في اقتدار الله وحضوره في كل شيء، ولكنهم لم يكونوا يريدون الله تعالى بل كانوا يريدون أن يستبدلوا الكفر بالإيمان.

الحقل الثاني: الاستبدال الأخلاقي

هناك استبدال في المعايير الأخلاقية بمعنى أن هناك من الناس من يرى بأن رضوان الله تعالى هو الخير وهو المطلوب، ولهذا فهو يبحث عن رضوان الله تعالى في كل عمل له؛ بينما يوجد آخرون يرون أن العمل قد يكون حسن ولو لم يكن فيه مرضاة لله تعالى كمن يصنع ناطحة سحاب أو غيرها لخدمة الناس، فالبعض يجد ذلك أمرًا حسنًا بغض النظر عما إذا كان فيه مرضاة الله أم ليس فيه ذلك؛ ولذلك يقول الله تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ المَصِير) آل عمران:162 وإذا ما بحثنا في القرآن فسوف نجد أشكالًا كثيرة من الاستبدلات المعيارية الأخلاقية.

الحقل الثالث: الاستبدال السلوكي

(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ – فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) البقرة:(58،59)

تشير هذه الآية الكريمة إلى أن هناك سلوك وطلب وأمر من الله تعالى لبني إسرائيل (ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) ولكن  هناك أمر آخر (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) أي حطّ عّنا الذنوب وطهرنا منها؛ ولكنهم لم يسمعوا قول وأمر الله-تعالى- ولم يريدوا ذلك، و لم يريدوا التطهير وحط الذنوب فهم لم يريدوا المصطلحات الدينية الإلهية؛ بل استبدلوها بغيرها (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).

يقول الأستاذ الشيخ آية الله جوادي آملي ما مفاده:

إن الذي يبحث عن الذرائع ويمشي وراء الذوقيات فهو مستعد أن يضحي بأعلى القيم بشكل تلقائي.

فقد أراد الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل الاستقلال والحرية، وقد أظفرهم بذلك بأن نجاهم من فرعون وعمله وجعلهم ملوكًا وسادة، ولكنهم استبدلوا حرية أنفسهم واستقلالهم بالمطعوم والمشروب مما حدا بأن تُصبِح حياتهم استبدالًا في كل شيء.

وإذا تابعنا القرآن الكريم سوف نجد أنهم استبدلوا كل شيء؛ لذلك قال لهم الله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ) ففي اهبطوا إشارة إلى سقوطهم من جنة الفطرة، وجنة الأمن والحرية والاستقلال؛ ولذا فبعد أن أهبطهم مصر، ضربت عليهم الذلة والمسكنة (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) فذلهم ومسكنتهم معهم ولذا فهم دائما ما يخونون ويكذبون ويفترون، وفي مقابل هذه السنة يبعث الله الأنبياء والمصلحين؛ ليعيدوا الناس إلى أصولهم وفطرتهم وإلى العهود الإلهية، ولكن إذا تراكم الاستبدال يتراكم الغضب الإلهي أيضًا (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ) البقرة:90 لأنهم كانوا ينزلون ويتسافلون في دركات استبدال الشر بالخير في أقوالهم ومعتقداتهم وسلوكياتهم وأخلاقياتهم.

وهناك حقل رابع يمكن أن نستفيده وإن لم يذكر صراحة في القرآن

الحقل الرابع: استبدال في الولاية الاجتماعية.

وهو يُعدُّ أكبر استبدال يُدّمر المجتمع والبيئة والأمم. فإذا ما أبُعد أهل الخير والصلاح والعدل والمؤهلين لإدارة الحكم، عن دفة الحكم والقيادة الاجتماعية، ونُصِّب مكانهم شدّاد الآفاق، منافقي الأمة والطلقاء، فإن ذلك يترتب عليه مفاسد كثيرة جدًا لا تحصى، وأبعاده كثيرة وأساسية؛ لأنه استبدال في الولاية الاجتماعية التي تؤثر في كل شيء، و في كل مجالات الحياة؛ فتُحِدث تغييرات أساسية وجانبية كثيرة.

 وهذه حقيقة ما حدث حينما أصبح معاوية ملكًا على الأمة الإسلامية، حتى أقدم على قتل الإمام الحسن (ع) عبر إقناعه لزوجة الإمام (ع) باستبدال الإمام الحسن (ع) بيزيد.

ربما لا نجد في التاريخ منذ أن خلق الله تعالى البشر أن زوجة تستبدل أحدًا مثل الإمام الحسن بواحدٍ مثل يزيد، وتقتل زوجها الذي له هذا المقام كما حدث للإمام الحسن (ع).

إن الدراسات العلمية في فلسفة السياسة وعلم الاجتماع تؤكد أن السلطة التي تريد أن تثبّت نفسها، لا بد أن تجعل ضمن سياستها الاستبدال في الولاية الاجتماعية؛ وذلك حتى تقوم بعدة أمور من أهمها الاستبدال الكامل، فتجعل الناس يستبدلون الفطرة والاستقامة، والاخلاق والسلوكيات الحسنة، وتقوم بهدم كل وجود متماسك سواءً كان ذلك الوجود (أسرة أو مؤسسة أو حزب) فتستبدل ذلك الكيان والوجود القائم ومن يقوم على حمايته، ولنأخذ على ذلك مثلًا الأسرة.

  • مخططات الاستبدال ودور المرأة في حماية الأسرة.

من أهم الوسائل المؤثرة جدًا في صناعة البيئة الصالحة وجود المرأة الصالحة التي تقوم بحماية ورعاية أسرتها فترفض الظلم والاستبداد والانحراف، ولذلك تعمد هذه السلطات المنحرفة إلى تفتيت هذه الأسرة بإشغال الحامي والراعي والمربي لهذه الأسرة وهي دائمًا المرأة.

يذكر في علم الاجتماع الإسلامي أن هناك تفاوت كبير بين الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية، فالحضارة الغربية قائمة على سلب قرار أي مكون اجتماعي سواءً أكان حزبي، أو أسري، أو أغيره، لا يتفق مع أهدافها الفاسدة؛ ولهذا دائمًا ما تكون مسألة المرأة والأسرة حلقة أساسية مهمة من حلقات الاستبدال، وجعدة هي مثالٌ على ذلك كما سنرى

  • بين جعدة ومعاوية.. وعدٌ وغدر

 لقد كانت أسرة جعدة بنت الأشعث زوجة الإمام الحسن (ع)، بنسائها ورجالها، في موقع قريب من القيادات، سواء مع الأمير (ع) أو مع معاوية، ولكن الذي سانخها هو الحاكم الفاسد معاوية؛ ولهذا فقد استطاع من خلالها أن يصل إلى غاياته وأغراضه ويسم الإمام الحسن (ع).

 إن الحضارة الغربية -وكما تقدم- قائمة على سلب قرار أي مكون اجتماعي عبر التأثير والإشغال للحامي والراعي لهذه الأسرة، وفي المقابل فإن الحضارة الإسلامية والقيادة الإسلامية، إنما تتحقق بوجود أسرة كاملة صالحة، هم أهل بيت النبوة -عليهم السلام- الذين هم باب حطّة، حط الخطايا والتطهير من الجهل، ومن النقص والعجز، ومن كل رذيلة؛ ولربما لذلك دائمًا ما يستشهد الأئمة -صلوات الله عليهم- في موارد إثبات أحقيتهم بالخلافة بأسرتهم، ويقيمون مقارنة بين سلامة أسرتهم وطهارتها، وفساد آل بيت أمية وانحرافهم، وذلك كان في ظرف المواجهة السياسية.

فبعد أن استتب الأمر لمعاوية، دخل الكوفة، فأقام بها أيامًا، فلما استتمت له البيعة من أهلها، صعد المنبر وخطب في الناس، وذكر أمير المؤمنين (ع) ونال منه ومن الحسن ومن الحسين أيضًا، وكان الحسن والحسين -عليهما السلام- حاضرين، فقام الحسين (ع) ليرد عليه، فأخذ بيده الإمام الحسن (ع) فأجلسه ثم قام فقال: (أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرًا وألأمنا حسبًا وشرنا قدمًا وأقدمنا كفرًا ونفاقًا)(4)

إن الإمام الحسن (ع) قد امتدح أباه وأمه وجده و جدته وكأنه أراد أن يقول: إن هذه هي الأسرة الصالحة التي تستطيع أن تؤسس مجتمع صالح، وإذا لم تستبدل فبها، وبنسائها ورجالها وبناتها وجداتها، تتحقق الحضارة الاجتماعية الإسلامية، ولو عقدنا مقارنة مع أسرتك يا معاوية، فهل يمكن أن يرضى المسلمون بأن يكونوا على دفة الحكم، وكيف يمكن أن يكون واقع الأمة حينها؟!  فمن نسائهم الفاسدات لا يمكن أن يخرج إلا النكد، و لذلك فإن كل من في المسجد من طوائف المسلمين قالوا: آمين، آمين.

ثقافة الاستهلاك وسلب راحة البال سياسة مدروسة

وهناك شواهد مختلفة تؤكد أن السلطات المنحرفة تبدأ دائما من هذا المكان، فإذا قرأنا في عالم السياسة وفلسفة المجتمع نرى أن التغييرات التي تأتي من جانب المرأة والأسرة تعمل على هدم المجتمع، وهو ما نلحظه في ظل ما نعايشه حاليًا من تحديات كثيرة لا تتوقف، ليس فقط على مستوى التغيير في المظهر، بل على كل المستويات، فتنميط الحياة بنمط غربي -وكما يعبر السيد القائد- واستبدال النمط الإسلامي في الحياة بحيث قلبها رأسا على عقب، وأصبح كل شيء في المجتمع يراد استبداله، وسادت ثقافة الاستهلاك، وثقافة الراحة التي تولد عدم الشعور بالمسؤولية، وعدم الميل للعمل الجاد؛ وأصحاب تلك الثقافة هم من يصنع هذا الواقع المنحرف، بجعل الناس في النمط الاستهلاكي وفي حال تبدل واستبدال دائم؛ فيكون الفرد في حال مستمر ورغبة مستمرة لتوسعة بيته، وتبديل لأثاثه و لهاتفه الجوال، وسيارته، وهكذا هو الحال….

ولا شك أن لهذا أذرع كثيرة فاسدة، تجعل الناس تتنافس على مواضيع تافهة، وذلك لا يكون ولا يبدأ إلا بهدم الأسرة؛ وإشغال الأم عن مراقبة الأبناء والمحافظة عليهم؛ وتحديدًا يبدأ عندما تُفتح شهية الأم بالذات، للذي هو أدنى، من لذة المال، ولذة التبديل؛ وهذا يتم عبر سياسات مدروسة؛ فأولًا يعطون الشعوب إمكانيات وحوافز ليستهلكوا و يفتح لهم مجال للاسترخاء ولو بسيطًا بالطبع، ثم يأخذون منهم هذه الإمكانيات بعد أن خلقوا حاجة وهمية لها؛ فالحاجة الوهمية باقية والإمكانيات مفقودة؛ وبهذه السياسة والكيفية خلقوا بيئة مهيأة للتأثر والقبول ببعض الشعارات، كشعار تحقيق الذات والتنمية البشرية؛ فأنتِ أيتها المرأة، لا بد لك من الاعتماد على نفسكِ، والمشاركة في التنمية البشرية، وهذه الشعارات والمصطلحات الرائجة لم تظهر ولم يروجوا لها ويشغلوا الناس بها إعلاميًا، إلا بعد أن سلبوا الإمكانيات من الناس.

المرأة مقود استبدال مشروع صناعة الصلحاء

انطلاقًا من تلك المخططات وترويجًا لتلك الشعارات الموهومة ظهر منذ عدة سنوات موضوع تمكين المرأة اقتصاديًّا، وأصبح هو المقود في كل أنحاء العالم، وبالخصوص في بعض المناطق ومنها منطقتنا، حيث جعلوا المرأة تتصور أن معدل التنمية البشرية المنخفض سببه عدم مشاركة المرأة في العمل؛ ولذا فقد دفعوا المرأة لأي عمل وبكل طريقة باتجاه السوق،  وليتم لهم ذلك فهم بداية عملوا على أن تتحرك المرأة بقناعاتها الشهوانية أو فلنقل بالاعتماد على الظنيات والموهومات التي تعتقدها فهي من جهة ترى تردي الوضع الاقتصادي حيث اعتادت على أمور كثيرة، ومن جهة أخرى فتحوا لها قوانين ومجالات لتنزل وتعمل في كل مكان.

 بل هناك ما هو أخطر من هذه الأمور بكثير وهو إعراض المرأة عن تكوين أسرة، وتربية أبناء؛ فبعد أن اعتادت على ساعات العمل الطويلة تعود وهي متعبة، وبالتالي فلا ترغب ولا تريد أن تنجب إلا ولدين أو ثلاثة لتديرهم؛ إذ ليس لديها مجال لأكثر من ذلك، ثم بعد ذلك حتى علاقتها بزوجها تضعف، وليكن الحديث بصورة واقعية عن هذه المسألة وبالتأمل في مناشيء هذه الظواهر وأسباب هذه المشاكل ومكامن هذه الإدعاءات فإن الذي يحدث هو ليس بتغيير إنما هو استبدال ، وهو ليس من باب الخطأ في التطبيق، أي ليست هي نظرية صحيحة والناس يطبقونها بشكل خاطيء وإنما النظرية أساسًا خاطئة؛ فليس لدى أولئك الذين يتبنون هذه الادعاءات خلفية عقائدية صحيحة لها مبرر، وإنما هناك عبثية و رغبة في التنويع، وفي التذوق، وفي المزاج، فالمرأة قبل تبني هذه النظريات الخاطئة والهادمة، كانت تتبنى مشروع صناعة صلحاء -كما يعبر السيد الإمام قدس سره- وكان لديها طموح كبير لتربية وإعداد أبناء مؤمنين متدينين وصالحين ومتفوقين، ولكن ذلك قد تبدل، فبدلت الأمومة وأصبحت المرأة تريد أن تكّون نفسها-حسب تعبيراتهم- بأن يكون لديها وظيفة جيدة، و بتبديل الأمومة تبدلت الذاتيات؛ فبُدّل احترام الزوج باحترام رب العمل، فأصبحت تتقبل من رب العمل ما لا تتقبله من الزوج، فتبدل الحياء بالجرأة، بحيث أصبحوا يصيغون معاني لا قيمة لها، ثم يلبسونها أمور قيمية؛  فعنوان (رفع الحاجة) تم العبث به واستبدل مكانه بموضع آخر لا صلة له به بالرغم من أنه يفترض وينبغي للإنسان أن ينتفع برفع حاجته، فالحاجة شعور وإحساس؛ ولكن المفسدين قاموا بالعبث بهذا الشعور.

 لقد ركز القرآن على معنى دقيق جدًا وهو يصف المؤمنين؛ فتحدث عن راحة بالهم؛ وذلك لأن العبث بالمشاعر يحدث اضطرابًا أساسيًا بالمشاعر، وبالتالي يعمل اضطرابًا في نمط الحياة، ولذا نجد أن القران يمتدح المؤمنين في دولة رسول الله (ص) فيقول: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) محمد: 2 البال هو الحال، والشأن، والقلب، وإن الله تعالى بهذه القيادة الحكيمة وهو رسول الله (ص) يصلح بالهم، وحالهم في الحياة الدنيا والآخرة، في الدنيا لأن الدين الحق هو مايوافق الحاجة والفطرة الواقعية لا الحاجات الوهمية، والفطرة طبيعة لا تقتضي إلا سعادة الإنسان وراحة باله، وفي الإيمان بما أنزل الله من دين الفطرة والعمل الصالح؛ يكون إصلاح لحال المؤمنين في مجتمعهم الدنيوي و حتى لحالهم الأخروي؛ لأن العاقبة هي للتقوى؛ لذلك فمن غير الصحيح استبدال راحة البال المطلوبة والواقعية بأخرى موهومة ومزعومة، ولذا يقول الأمير (ع) في رسالة له للإمام الحسن (ع): “لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة”(5)

فراحة البال أمر مطلوب، ولكن الآن أصبح استبدل راحة البال الممدوحة بما سواها هو المطلوب؛ وما يحدث من ترويج اجتماعي حتى بتنا نرى كل يوم صور ومناظر وأعمال جديدة يطلقون عليها فنون وجماليات، وهي حتما تسلب راحة البال وتشغل القلب عن حاجاته الواقعية(6)، وعلى كلٍ فليست هناك مشكلة بأن تعمل المرأة ويكون لديها مكنة مادية وأموال، ولكن أن يكون ذلك بوضع كل شيء في مكانه، وهو مما ينفع الأمة، ولكن المشكلة عندما تستبدل هذه الذهنية وهذه الرؤية -كما يعبر السيد القائد- برؤية الاستهلاك، فسوف تخلق حالة الذوقية الحادة، وحينها يمل الذوق سريعًا كما هو من طبعه فيشعر بحاجة لجديد ثاني، ثم لثالث ورابع وهكذا.

ولنا أن نقول إننا إذا حللنا وفككنا ونقبنا في حياة الإنسان فسنجد أن أكبر خطأ يقع فيه الإنسان سواءً في حياته الفردية أو الاجتماعية إذا تعود استبدال الخير الذي يدعو له الله  تعالى و الأنبياء والأئمة بالشر، أو بالذي هو أدنى، وليس شرطًا أن يكون بالشر، بل أي شيء سطحي، حينها سيرضى ويعتاد الإنسان على ما هو سطحي بالرغم من كونه لا يقبل أن تنسب له السطحية؛ ولكن الأمر كذلك رضي أو لم يرضَ.

 وهذه كلها تديرها سياسات عالمية؛ لذا فإن أسوء شيء هو استبدال من يدبر هذه الأمة بمن يجعلها تترك وتتخلى عن دورها الحقيقي، فترفض المعصوم وتستبدل به مثل يزيد بن معاوية؛ حينها تنزل هذه الأمة إلى أسوء الدرجات، لذلك يجب أن نتوقف في ليلة شهادة الإمام الحسن (ع) وندقق:

كيف أستطاع معاوية أن ينفذ عبر امرأة وهي زوجة الإمام  ويقنعها بقتل  زوجها الإمام (ع)؟

لو نقبنا في التاريخ عن هذه المرأة  لرأينا أنه ليس لجعدة  وجود قبل قتل الإمام (ع) وليس لها وجود بعده، هي قتلت الإمام الحسن (ع) وذهبت، لكنها من أسرة متدنية أبوها أخوها …؛ لذلك فقد أستطاع معاوية أن يقنعها بقتل الإمام، ولنا أن ندّعي ونقول إنه لم يقع استبدالًا حتى من بني إسرائيل كهذا الاستبدال، نعم فزوجات الأنبياء ربما كانت لهم أخطاء كبيرة قد ذكرها القرآن الكريم ونقلتها المرويات، فكان مسيرهن قد لا يتماشى مع مسيرة الأنبياء الرسالية، والبعض منهن قد يفتن على الأنبياء عند الطغاة، ومع ذلك لم يحدث أن امرأة متزوجة من مثل الإمام الحسن (ع) قامت بما قامت به جعدة؛ فالزواج قائم أساسًا على المودة والرحمة، و بالذات من طرف المرأة؛ لذا فلا يُتوقع منها البتة أن تقتل زوجها؛ فهذه المرأة -والعياذ بالله- قد تسافلت وهبطت إلى أدون وأسفل مرحلة من الاستبدال، وهو أمر مخيف ومرعب ولا يتوقف عند حد؛ لذا لا بد أن نتأمل في مظلومية الإمام الحسن (ع)، ويجب أن نقرأ هذه القساوة والشدة والصلافة والعنف والجفاء والسماجة في مكانها؛ فينبغي أن نتأمل كيف تسافلت هذه المرأة فبلغت هذه  الشراسة والعنف والفضاضة على سبط النبي وحبيبه، بأي شئ استبدلت الإمام الحسن (ع) وماذا أخذت في المقابل؟!

 فكم هو موجع أن يقتل الإمام الحسن (ع) الصابر، الحليم، من داخل داره، ومن زوجته التي لا بد أن يكون الإمام (ع) وهب لها الرحمة والرأفة، فاستبدلت ذلك بأخشن وأشد ما يمكن أن يُتصور.

وكتب التاريخ تؤكد بأن التي نفذت وباشرت بقتل الإمام الحسن الزكي (ع) هي زوجته جعدة، وأن الذي خطط لقتل الإمام (ع) وأمر بذلك وأعطى الوعود والجوائز على قتله هو معاوية، ولكن ما الذي أخذته مقابل هذا الاستبدال؟ فهي بدلت مَن بمَن؟

 لقد جاء عن يحيى ابن الحسين ابن جعفر أن الحسن ابن علي (ع) سقي السم، وأن معاوية بعث إلى امرأته جعدة بنت الأشعث بن القيس مائة الف درهم (7)

ففي كتب التاريخ يروى أنه: “فلما حضرت الإمام الحسن (ع) الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه، هذا الرجل -يعني الإمام الحسن (ع)- قد قطع السم امعاءه، فقال الحسين (ع): يا أبا محمد (8) أخبرني من سقاك؟  قال: ولم يا أخي ، قال اقتله والله قبل أدفنك! وإن لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه، فقال: يا أخي إنما هذه الدنيا ليالٍ فانية، دعه حتى التقي أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميه”(9)

 فهل هذه الغلظة والقساوة فقط على الإمام الحسن (ع)، أم هي قساوة على رسول الله (ص) وعلى أمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء (ع)؟!

أمَا كان من حق رسول الله (ص) والصديقة الزهراء أن تُحفظ في نفسها وأولادها، وهي القائلة (ع) في خطبتها الفدكية بعد وفاة رسول الله (ص): ” أما كان  قال رسول الله _ص_ المرء يُحفظ في ولده”(10)

فعندما قتلت الزهراء كمدًا ألم يكن هناك حقًا لها أن تُحفظ في أبنائها، وأن تُكرم، لا أن يُوزع أبناؤها في كل بلد ويُشردون ويُطاردون.

إن قتل الإمام الحسن (ع) هو قتل ثانٍ للزهراء (ع) وقتل ثانٍ لرسول الله (ص) فهي لم تكرم (ع) لا في نفسها ولم تُحفظ عليها السلام في أبنائها.. ألا لعنة الله على الظالمين.


  1. لقد عبرت السيدة الزهراء (ع) في خطبتها  في نساء المهاجرين والأنصار في مرضها بنفس هذا المعنى فقالت: فما بالهم بأي سند استندوا، أم بآية عروة تمسكوا (لَبِئْسَ الْمَوْلى ولَبِئْسَ الْعَشِيرُ)، (وبئس للظالمين بدلًا). استبدلوا الذنابى بالقوادم، والحرون بالقادم، والعجز بالكاهل، فتعسًا لقوم (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.. يمكن مراجعة  امالي الطوسي –375، شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ١٦ – الصفحة ٢٣٤
  2. من منظومة الأنوار القدسية للفقية والحكيم الفيلسوف والشاعر محمد حسين الأصفهاني وحديثه عن التسليم والرضا للإمام الحسن (ع) صفحة ٥٠.
  3. كنز العمال:1/267 /1343
  4. [الإرشاد – الشيخ المفيد – 2 / 15]،  [بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٤٤ – الصفحة ٤٩]. فلما استتمت الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنخيلة، وكان ذلك يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له. ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياما فلما استتمت البيعة له من أهلها صعد المنبر، فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ونال منه، ونال من الحسن عليه السلام ما نال، وكان الحسن والحسين عليهما السلام حاضرين، فقام الحسين عليه السلام ليرد عليه، فأخذ بيده الحسن عليه السلام فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا، فقالت طوائف من أهل المسجد: آمين آمين.
  5. الشيخ الكليني- الكافي – ج5- الصفحة510.
  6. مثال على ذلك بعض ما ينشر في وسائل التواصل من تفنن في صناعة الأكل بأشكال فنية وفي الواقع تكون فقط للاستمتاع بالنظر إليها على أنها فن وصانعها فنان وهي غير صالحة للأكل، وما ذلك واقعًا إلا من السفه. 
  7. شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار ص123. 
  8. إن الامام الحسين (ع) لم يقل يا أخي وكأنه من باب التوسل والتحبب وتعظيمًا ناداه يا أبا محمد. 
  9. البداية والنهاية – ابن كثير – ج ٨ – الصفحة ٤٧.
  10. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٢٨ – الصفحة ٣٠٢.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 75٬036 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (1)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 0 (0)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١١ 2 (1)

ليست أن زينب ﴿؏﴾ كانت شُجاعة، بل هي (الشَّجاعة)! وليست هي القاهرة لعدوها، بل هي (قهر العدو)، وليست هي غاضبة لله ﷻ، بل هي (الغضب الإلهي)! وليست هي ناقمة لله ﷻ، بل هي (النقمة الدامغة)؛ نحن نقول ونحن نزور أمير المؤمنين ﴿؏﴾ فنقول: “السَّلامُ عَلى حُجَّةِ الله البالِغَةِ وَنِعْمَتِهِ السَّابِغَةِ ونِقْمَتِهِ الدَّامِغَةِ”