تقدم القراءة:

أثمان الجنان ١

الأربعاء 26 نوفمبر 2014صباحًاالأربعاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)
ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قوله: (لو تمثل العقل رجلا لكان ابني الحسن).
كما كان رسول الله يغرق الإمام الحسن عليه السلام بمحبته، ويهطل عليه من سحاب عطفه وحنانه، فهو أيضا كان يمطر على هذه الأمّة الهداية والتعليم والإرشاد، ولا يدع فرصة مواتية للأخذ بيدها نحو مراسي الأمن والأمان إلا واستثمرها، ولا بابا لتحصينها من الزيغ والأهواء إلا أمّنه، ولا مظنة لمنفعتها إلا وقصدها. فهو كما وصفه القرآن ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [ التوبة: 128]
 ومن حرصه على هذه الأمة نراه بمثابة الأب الشفيق الرفيق يستشرف مستقبلها، وينظر فيما سيحل بها من عاقبة، ويذكّرها بين الحين والآخر بما ستواجه من أخطار. ومن رحمته بها -وجريا على قاعدة ألطافه- فهو يتصدّى لإرشادها إلى ما فيه نجاتها. وهذه المقولة منه صلوات الله عليه وآله (لو تمثل العقل رجلا لكان ابني الحسن) ليست إلا حلقة ضمن سلسلة سلوكه في تأمين أمته وتحصينها وتعيين سبيل الرشاد الذي لا يخطئ سالكوه. فهي ليست مدائح للإمام الحسن بل هي طموحات وأهداف يصبّها النبي في هذه الكلمات فهو الذي لا ينطق عن الهوى.
 هذه الرواية تشبه -وإلى حد بعيد- قول الله للمشركين حينما طلبوا منه أن ينزل عليهم ملائكة من السماء يخالطونهم ويمتزجون بهم في حياتهم الاجتماعية: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ[الأنعام-9] فهو أمر لا يمكن أن يتحقق عقلا لأن الملك مجرد , ولا يمكن أن ينزل في عالم المادة، ولو افترضنا – بحسب الآية – نزول الملك رسولا فلابد أن يتجسد في رجل , و حينها سيصلون إلى نفس النتيجة وسيلتبس عليهم أمره! يقول الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ.
لاشك أن الإنسان يعشق وصْل المجرّدات كالملائكة والعقل والجَنّة، ولكن هذا لا يتحقق إلا بتجرّد الإنسان نفسه. هذه الرغبة  بنفسها كاشفة عن إمكانية تجرّد الإنسان وليس مادية الملك والعقل. على نفس هذا النسق يمثّل النبي للعقل موجودا بشريّا متجسّدا وهو الإمام الحسن عليه السلام، ويقول أنه لو أريد للعقل أن يتمثّل في موقع جدير به لكان الإمام الحسن عليه السلام .
ماهي قيمة العقل؟
حين يعتبر النبي الإمام الحسن عقلا متجسّدا في هذا العالم فلابدّ أن نعرف موقعية العقل ومكانته ليمكننا فهم المقام الذي أراد النبي (ص) أن يثبته للإمام الحسن عليه السلام، لذا سنتناول قيمة العقل -أوّلا- من الناحيتين الفلسفية والدينية:
موقع العقل  في الفلسفة الإنسانية:
هناك سؤل قديم جداً وجديد دائما، وهو يراود الذهن البشري ويبحث عن إجابة يقول: هل يملك الإنسان مرجعية ذاتية مأمونة من الزلل؟
وقد اتّفقت المدارس الفلسفية واتّحد رأي جميع عقلاء العالم -ما خلا السفسطائيّين- على أن العقل يصلح أن يكون معيارا متجرّدا لمعرفة الحق والباطل، معترفين به كمرجع يرجع إليه الجميع، وبدون هذا المعيار لا يمكن أن يُتوصّل إلى أي حقيقة من الحقائق، وبدون معايير العقل لا يمكن وضع حجر على حجر.
وخصائص للعقل التي اتفق عليها العقلاء هي:
  1. العصمة: العقل معصوم وعنده قابلية تمييز الحق من الباطل، وهو مرآة لا تغش، كما أنه غير موجّه أي غير منحاز إلا للحق، وله قدرة عجيبة على اكتشاف أخطائه وإصلاحها.
  2. السعة: فلديه القدرة على أن يحتفظ بكل الفرضيات التي تعتبر أساس كل العلوم يجمعها ويحدس ليستنتج بعصمة، ولأن العقل فعّال دائما لأنه ليس ماديّا فإنه لا يضيق عن أي احتمال.
  3. الثبات: حقائق العقل ثابتة، فهو من عالم مجرد بعيد عن التغيّر والتبدّل الذي هو من خصائص عالم المادة. وهذا كاشف عن أن نفس الإنسان لها من الشرف والرفعة بحيث حوت هذا الميزان، وهو دليل على تجرّد الروح وثباتها، لأن كل موجود مادي يتغيّر ويتبدّل بسبب عوامل وشرائط معينه.
موقع العقل من الدين:
في علم الكلام الجديد هناك بحث مهم جدا حول ارتباط العقل بالدّين مفاده أن أفضل مُعين للدين هو العقل، ولذا نجد أبحاثا مهمّة في الفكر الإسلامي تحت عناوين مثل:(العقل والايمان) (العقل والشريعة) (العقل والنص).
هناك ثلاثة اتجاهات مختلفة في التعاطي مع العقل والدين هي:
  1. الإفراط في الإلهيات وتغييب العقل: هذا الاتجاه يفرط في بحث الإلهيات والأمور الروحية، وقد برز في الديانة المسيحية، حيث ظاهرة التركيز على البعد الوحياني والنتاج الديني، وأصحاب هذا الاتجاه يعتقدون أن الوحي هو حديث الله معنا وهو عطاء الله لنا وقد جاء أصلا ليلغي دور كل طرق المعارف البشرية الأخرى، فالإنسان – بحسب هذا الاتجاه – لا يحتاج للتفكير الفلسفي والعقلي.
  2. الاعتقاد بأصالة العقل: هناك من يعتقد بأصالة العقل، فيرى أن الإنسان يستطيع بنور العقل أن يصل إلى كل ما يحتاجه، وأن وجود العقل يلغي الحاجة إلى الشريعة، أما الدين فلا يجذب إلا البسطاء والسذج، وكلما ضعف عقل الإنسان لجأ إلى العبادة والمقولات الدينية.
  3. الاعتقاد بأن العقل والدين صوتان لمعنى واحد، لكن لكل منها أثر خاص في سعادة الإنسان. أحدهما نوريّ والآخر محرك. الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى النور الذي يضيئ الطريق وهو (العقل) كما يحتاج إلى محرك ودافع  باتجاه الحقيقة وهو (الدين والوحي) ولا يمكن لأحدهما أن يأخذ مكان الآخر. لأن الوحي يطلب من الإنسان أن يعمل بما يعقل، ولا يصل الإنسان إلى تحقيق حياته الكمالية إلا بقبول نتاج هذين الأمرين.
يقول السيّد الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [ يونس: 31] ما نصّه: “وقد تبين أن الحياة المخصوصة بالإنسان هو كونه ذا نعمة العقل والدين … فالمراد بإخراج الحي من الميت وبالعكس – والله أعلم – إخراج الإنسان الحي بالسعادة الإنسانية من الإنسان الميت الذي لا سعادة له وبالعكس”  فإخراج الحي من الميت هو أن يخرج إنسان متوفرا على نعمتي العقل والدين من إنسان فاقد لهما.
العقل والدين في القرآن:
القران يتحدث عن أشكال ثلاثة في التعاطي مع الوحي  نتج عنها:
  1. الملحدون: الذين يعتقدون أن الوحي أساطير وخيالات وقصص ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: 5] ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ [ هود: 91] أي كلامك لا قيمة له، وغير قابل للفهم.. كما يقول لك شخص مستخفا بكلامك (لا أفهم ما تقول). ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا [الأنفال: 31] يعني ليس هناك كلام مهم، لو أردنا لقلنا مثله، في إشارة لإنكارهم الغيبيّة في الوحي لأنهم ينكرون ارتباط الأنبياء بالغيب، ويرون أن وسائلهم للمعرفة ما هي إلا نفس الوسائل التي عند سائر البشر.
  2. أتباع الهوى﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [ البقرة: 87] وهم الذين يأخذون من الدين ما يخدم مصالحهم.
  3. أولو الألباب﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [ الزمر: 18] هؤلاء هم من يقولون بطرق العقل، وهو يمدحهم لقبولهم بالوحي بالعقل. يقول الشهيد المطهري: لا يوجد في ديانة من الديانات حتى الإلهي منها هذا الربط الوثيق – الموجود في الإسلام -بين العقل والدين، اسألوا علماء كل دين: ما هو ارتباط العقل بالدين؟ سيقولون لكم: لا يوجد رابط.
إذن حيثما كان العقل كان الدين، ولو تمثّل العقل رجلا لكان الحسن وكان مقترنا بالدين لا يفارقه.
وهذا يجر لسؤال عكسي:
لو قدّر للحسن أن يخلع بدنه ويتجرد لأولي الألباب فأين يمكن أن يكون؟
سيكون أحسن ما يدركون ويعون ويتبعون، وسيكون أروع ما سكن الألباب وأخذ بها.
لاحظوا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ فهم أوّلاً يستمعون القول، أي كلام الوحي والعقل، وكل كلام يستحق الإصغاء والاستماع إليه بعنايه وفيه سيجدون ضالتهم، فيتبعون أحسنه. وهناك يتجرد الحسن فيكون إمام أولي الألباب.
ثم يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ بالوحي ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب اللّب والبعيدون عن القشريّة والسطحيّة لا يعبّئهم إلا مصداق العقل الحسن، وفي عالم الألباب لا ينفك سماع الوحي عن اتباع الحسن.
حين قال النبي: “لو تمثل العقل رجلا لكان ابني الحسن” جعل العقل يدور مدار الحسن، وهذا من جهة تصحيح لكل ما يصدر عن الإمام الحسن، فهو إن حارب عقل، وإن هادن عقل، إن صمت عقل، وإن تكلم عقل، وإن قام فهو إمام العقول وإن قعد فهو إمام العقلاء، وهو من جهة أخرى تأمين للأمّة من دعاوى التعقّل التي يدّعيها معاوية.
الإمام الحسن كان هو المعيار ولا يمكن أن يقاس به غيره عليه السلام، ومن يدّعي أنه يتّخذ موقف الإمام الحسن في الصلح والهدنة، فلابدّ أن يكون قد وعى فعلا على دور الإمام الحسن عليه السلام وقرأ موقفه في ظل معايير العقل السليم.
لقد عاش الإمام الحسن عليه السلام ذلك العقل المتجسّد في رجل في أمّة من السطحيّة والقشريّة والجرأة بحيث جمعت عليه كل جنود الجهل من تهمة وافتراء ومكر وحاربته بها، وإذا كان الإمام الحسين عليه السلام قد واجه ثلاثين ألفا في ميدان القتال فقد واجه الإمام الحسن بعقله جيوشا من جنود الجهل.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬121 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها