ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 بين يدي كريم ١

تقدم القراءة:

بين يدي كريم ١

الأحد 5 صفر 1435مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)
يختلف الكرم عن الأخلاق والفضائل، فليس هو سجية أو خلق، بل هو منشأ كل الفضائل، وكل الفضائل يمكن أن ننسبها للكرم. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله – إن صحت الرواية – أنه قال: (إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق) فكل الفضائل تعود للكرم.
والكرم بمفهومه الحقيقي لا ينطبق إلا على أربعة عشر معصوماً فهم (أصول الكرم) [الزيارة الجامعة] وقد ظهر الكرم في أجلى صوره في الإمام الحسن عليه السلام.
ولكي نثبت هذا المدعى لابدّ أن نتحدث حول مفهوم الكرم  ونحلّله.
ماهو الكرم؟
لكي نطلق على فعل أو موقف وصف (الكرم) لابدّ أن يتحقّق فيه شرطان:
  1. أن تكون العطية بلا مسألة.
  2. أن تكون العطية بلا مقابل.
ونحن ندّعي أنّ تحقّق هذين الشرطين من غير الأئمة المعصومين متعسّر إن لم يكن متعذّراً .
ودليل المدّعى سيتبيّن بتحليل شرطيّ الكرم:
أن تكون العطية بلا مسألة:
لكي ينعت المعطي والباذل بالكرم لابدّ أن لا تكون عطيته بعد سؤال وطلب من قبل الطرف الآخر، لأن نفس السؤال والطلب فيه تحريك للباذل لكي يبذل ويعطي. فحين يبذل الباذل بعد السؤال فهو لا يعد كريما بالمعنى الحقيقي. بل إن لعلّ السائل هو الباذل هنا. روي عن الإمام الحسن عليه السلام وقد جاءه رجل في حاجة فقال له: «اُكتب حاجتك في رقعة وادفعها إلينا فكتبها ذلك الشخص ورفعها اليه، فأمر (عليه السلام) بضعفها له، قال بعض الحاضرين: ما كان أعظم بركة هذه الرقعة عليه يابن رسول الله؟!، فأجابه (عليه السلام): «بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلاً، أما علمت أنّ المعروف ما كان ابتداءً من غير مسألة، فأمّا من أعطيته بعد مسألة فإنّما أعطيته بما بذل لك من وجهه، وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء، لا يعلم بما يرجع من حاجته، أبكآبة أم بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد، وقلبه خائف يخفق، فإن قضيت له حاجته فيما بذلك من وجهه فإنّ ذلك أعظم ممّا نال من معروفك».
 أما من يعطي بلا مسألة فهو الكريم. يروى أنه جاء أعرابي سائلا فقال الإمام الحسن (ع): “أعطوه ما في الخزانة، وكان فيها عشرة آلاف درهم فقال له الأعرابي: يا سيدي هلا تركتني أبوح بحاجتي، وأنشر مدحي؟ فأجابه الإمام:
نحن أنـاس نوالنـا خضـل     يـرتع فيـه الرجــاء والأمــل
تجود قبل السؤال أنفسنا     خوفا على ماء وجه من يسلُ
لو علم البحر فضل نائلنـا     لغاص من بعد فيضه خجـلُ
لاحظوا قول الإمام: تجود قبل السؤال أنفسنا، فهم فقط من يجودون بلا مسألة صلوات الله عليهم.
أن تكون العطية بلا مقابل:
لا يعد المعطي كريماً إلا إذا لم يبتغ مقابلا وراء بذله. وهذا نادر بل ربما مستحيل.
سنوضح ذلك بأمثلة:
العربي كريم، و يفتخر بصفة الكرم ويفاخر بها إلا أنها مثل كثير من المفاهيم التي يفهمها وفق منظومة القيم عنده. فكرمه لأجل دفع العار والعيب لأنّ البخل يبقى عاراً اجتماعيا يلحقه، أو لطمع في الزّعامة والوجاهة كما يفعل بعض الأحزاب وهذا عطاء عدمه خير منه، وشرّه أكثر من نفعه لأن البذل والعطاء والإنفاق من أجل التفاخر والوجاهة وغيرها فهو في الحقيقة خطر يهدد المجتمع. ولا شك أن المزايدة في الأخلاق والفضائل هي ظاهرة غير صحيّة اجتماعياً إذ تؤدي إلى الطبقية التي هي داء اجتماعي خطر.
وقد يكون مقابل العطاء محموداً وباعثه أخروياً، وهذا وإن كان في حد نفسه ممدوحا ومطلوبا ولكنه ليس كرما واقعيا، لأنه بمقابل. وكذلك حين يكون باعث العطاء والبذل الترويض الروحي وطلب الفضيلة والتخلص من رذيلة البخل، فهو كقبله مطلوب في حد نفسه لكنه ليس كرما، لأن مقابله التزكية والتطهير ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم[التوبة: 103].
والبعض الآخر يبذل وينفق لا لشيء إلا لأنه يسرف في الإنفاق على نفسه فلكي لا يشعر بتأنيب الضمير ويشتري راحته النفسية في الواقع! فيتصوّر أنه بهذا الانفاق يمكن أن يعادل الكفتين ويعيش مرتاح البال. هذا النوع من الإنفاق يعود على صاحبه بهذا الشعور بالراحة.
من هنا نرى أن غايات البذل وبواعثه مختلفةk ومهما علت الغايات وتسامت البواعث  يبقى الباذل ينتظر مقابلا. من جزاء أو تربية أو خلافه مما يعد ترميم نقص في الباذلk وغالبا ما يكون المقابل أعظم قدرا ًمن البذل.
الكريم هو وجه الله فقط:
الكرم  الحقيقي لا يصدر إلا عن كائن كامل ليس فيه نقص وليس لديه حاجة، لذا فالكريم هو الله سبحانه، جاء في دعاء عرفة: (هَا أَنَا أَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ، وَكَيْفَ لاَ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِمَا هُوَ مَحَالٌ أَنْ يَصِلَ اِلَيْكَ) فالكرم مقام خاص لا يصدر إلا عن الله أو عن مخلوق هو (وجه الله).
ووجه الله (المعصوم) هو معبر فيض الله فإذا أعطى فلأن منعه يعني صرف وجه الناس عنه وفي صرف وجه الناس عنه هلاكهم لأنه إذا منع الناس انقطع الفيض الإلهي عنهم، وهذا برأي العرفاء يفترض التعطيل المحال. فالمعصوم يعطي لوجه الله لا لمقابل ولا غاية بل لكي يشرق نور الله على الناس. فكأنه يفتح نافذة للرحمة الإلهية وهذا هو دوره عليه السلام.
التفتوا لهذه الرواية: قيل ذات مرّة للإمام الحسن عليه السلام: لأيِّ شيء لا نراك تردُّ سائلاً؟ فقال (عليه السلام): (إنِّي للهِ سائل، وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً، وأَرُدُّ سائلاً، وإنَّ الله عَوَّدني عادة، أن يفيض نعمه عليّ، وعَوَّدتُه أن أفيض نِعَمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة). الإمام يعني أنه (ع) معبر فيض الله فإذا أعطى فليس لكي يأخذ مقابلا، بل لتبقي الناس تعيش الأمان الروحي والمعرفة بالله، يعطي ويبذل لأنه إذا منعهم فهو يغلق عنهم باب المعرفة. فهو عليه السلام كمن يتوجه لله ويقلد الله في أفعاله، فكما أن الله يعطي بلا مقابل فهو كذلك يعطي بلا مقابل.
سؤال:
أثبتنا أن الكرم محال أن يصدر عن غير آل محمد عليهم السلام،  ولكن قد يرد على هذا المدعى أيضا إشكال مفاده: أن الإنسان كريم من أصل الخلقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: 70] فكيف يصمد مدّعى أن الكرم صفة خاصة بآل محمد عليهم السلام؟
ونجيب عن هذا السؤال بما يلي:
الآية تتكلم عن نحوين من الكرامة :
  • الأولى: الكرامه الظاهرية: وهي للبدن ولا يستثنى منها إنسان، فكرامة بدن الإنسان في نحو تركيبه وهيأته ومن كرامته  أن لا يحمل بل يحمَل، ويأكل الطيبات دون الخبائث.
  • الثانية: الكرامة الروحية: وهي الأصل، وتعبّر عنها الآية بـ ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً فهناك تفاوت في الكرامة الروحية بين بني البشر.
أما معيار الكرامة بين الناس وتفضيل بعضهم على بعض فتبينه الآية التي تليها مباشرة ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: 71].
فعلّة كرامة غير المعصوم هي اتباع المعصوم، وبمقدار ما يتبع الإنسان إمامه يكون كريماً. (… فَاَسْأَلُ اللهَ الَّذي أكْرَمَني بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ اَوْلِيائِكُمْ) [زيارة عاشوراء] وعليه: فالله كريم بالذات والإمام كريم بولاية الله والمأموم كريم بالاتباع.
والحمدلله رب العالمين.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬828 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.