ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 بين يدي كريم ٢

تقدم القراءة:

بين يدي كريم ٢

الأثنين 6 صفر 1435مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)
كرامة الإنسان ظاهرية وباطنية:
تقدم أن الكرامة الإلهية للإنسان على نحوين، وهما: الكرامة الظاهرية، والكرامة الروحية.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا * يَوْم نَدْعُوا كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابهمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء: ٧٠-٧١].
قلنا أن هذه الآيات مترابطة مع ما قبلها وما بعدها في منظومة واحدة وأنها تتحدث عن نوعين من الكرامة للإنسان: ظاهرية يشترك فيها جميع بني البشر. وروحية انتخابية اختيارية، وتظهر فيما يمتاز به الإنسان من الفكر والإرادة، ومعيارها مدى الاتباع للكريم المعصوم.
سنتوسع في الحديث عن هذين النحوين من الكرامة من خلال الالتفات إلى الآيات في سورة الانفطار: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تفْعلُون [الانفطار 6-12] والتي هي تلألؤ ومقابلة لآية سورة الإسراء. فكلاهما في مقام العتب على الإنسان الذي هو في حال تلقٍّ للكرم الإلهي. ما سنشير إليه أنه اذا دققنا في الآيتين ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ و ﴿أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ نجد أنها تتحدث عن نحو معين من الكرامة وهي الكرامة الظاهرية، فالحديث فيها هو عن تسوية الإنسان من حيث وضعه الخلقي الظاهري، ولاشك هذا البعد يتساوى فيه الناس ويتميزون به عن سائر المخلوقات.
الملائكة الكرام مظهر من مظاهر كرامة الله للإنسان:
أما الآية الثانية ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا التي قلنا أنها تتحدث عن الكرامة الروحية، تقابلها ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تفْعلُون و هو إعطاء أمر بالقوة، واستعداد لكرامة اختيارية ثانية للإنسان يحصل عليها بعمله، لأن هوية الإنسان لا تنحصر في ظاهره وبدنه، بل إن هويته هي روحه وفكره وعمله. هذا الجانب الذي هو هوية الإنسان الباطنية يدار من قبل الله وملائكته على نحو الكرامة ويُتلقى منه بكرامة. الآية هنا تتحدث عن الملائكة الموكلين بهذا الجانب الباطني من الإنسان وتصفهم بوصفين هما: أنهم كرام، وعلماء.
ولنقف على نحو تكريم الإنسان من خلال مميزات الملائكة الموكلين بأعماله:
  1. (كراما كاتبين): الكريم لا يسجل عليك كل نقائصك ولا يحصي كل عيوبك. الكريم يكتب نواياك الحسنة بمجرد أن تنويها، وينتظر لتتوب من أعمالك الخبيثة قبل أن يثبتها، وهناك روايات مستفيضة في هذه المعاني، حيث ورد أن الملائكة الموكلين بكتابة الأعمال يمهلون صاحب السيئة وقتا قبل تدوينها وكتابتها لعلّه يتوب، كما أنهم يسجلون النوايا الحسنة والخواطر الخيّرة، ويجعلونها في سجل حسنات الإنسان هذا التعاطي الكريم من الملائكة هو مظهر كرامة الله لهذا الإنسان.
  2. (يعلمون ما تفعلون): الكريم لا يكتب ولا يشهد إلا بعلم، ذلك أن الجاهل يحكم بحسب الظاهر. والجهل مدعاة للعجلة وللغضب والنزق وسبب كل حكم تعسفي. هذه كرامة من الله للإنسان حيث أن من يدون أعماله ومن يشرف على باطنه ملائكة كرام علماء، والعالم لا يمكن أن يحكم عليك إلا بعد أن يعرف مبررات فعلك وبواعثه ودواعيه.
المعيار في كرامة الإنسان هو اتباع الإمام:
الشاهد في الآية أنها تطابق آية سورة الاسراء ﴿يَوْم نَدْعُوا كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابهمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا. فالمعيار في قيمة أي إنسان هو الاتباع. ودعوة الناس بإمامهم هي الأصل.
الاتباع هو الذي يشكل هوية الإنسان الواقعية، لذا فهو الباقي في عالم الآخرة. وهو السمة التي ينادى بها الإنسان. ﴿يَوْم نَدْعُوا كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ إمامهم: أي من بنى أفكارهم وأرواحهم وخطّهم وتوجههم. وأصل خروج الإنسان من قبره هو سماعه لهذه الدعوة. فكل إنسان يقوم من قبره عندما يسمع اسم إمامه. ورد عندنا في الرواية أنه ينادى يوم القيامة أين العلويون؟ أين الفاطميون؟ أين الحسنيون … الخ. فالإمام هو الذي يصنف الناس لا انتسابهم للآباء والأمهات.
بعض العلماء يستفيد من هذه الآية امتداد الإمامة، فيرى أن في كل جيل أئمة يستحقون أن يكونوا قادة في الفكر والسياسة والاجتماع. وهذا يتوافق مع ما يقوله علماء الاجتماع. حيث يقسم علماء الاجتماع أفراد المجتمع الإنساني إلى منتج ومستهلك. في كل الشؤون الفكرية والاقتصادية والاجتماعية يوجد مبدع مؤسس أو قولوا إمام، والآخر مستهلك مقلّد مقتد أي مأموم. ولا يمكن أن يخرج أحد عن هذه الدائرة، فكل إنسان لابدّ أن يكون منتجاً أو مستهلكا.
نحن نعتقد أن لدينا في هذا الزمن علماء منتجون في مجال الفكر والعقيدة، وأول سمات المجتمع الواعي، والذي يملك هوية هو أن يعرف قادته وأئمته. ومسؤولية كل فرد منا أن يعرف إمامه في الفكر، و ويدري بأي إمام سيدعى يوم القيامة. أما إذا لم يستطع الجيل أن يحدد أين إمامه فهو لا يعرف كرامته ولن تبقى له كرامة ﴿يَوْم نَدْعُوا كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابهمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا فالذي يؤتيه الله كتابه بيمينه هو من كان يملك البصيرة في الحياة الدنيا، والبصيرة بلا إمامة مستحيلة. إلا أن يكون الإنسان بذاته معصوما. البصيرة يملكها اثنان فقط: المعصوم، ومن ارتبط بالمعصوم. لذا نحن نقول في الزيارة (الحمد لله الذي أكرمني بمعرفتكم ومعرفة أوليائكم).
إذن فالكرامة إنما هي بالإتباع، وهو ما سينادى به الإنسان يوم القيامة، وسيكون واسمه الأبدي. لأن هذا الاسم الذي سينادى به أي إنسان – كما يقول المفسرون – يبدأ من خروج الناس من الأجداث ويمتد بامتداد الخلود.
هذه الآيات القرآنية تحكي لنا منظومة الكرامة الكاملة، لنعرف من هو الكريم الذي يهبك الكرامة، ونميّز بها من ديدنهم انتزاع كرامة الإنسان. ونعرف من يغدقون على الناس العطايا ويسلبون منهم مقابل ذلك علمهم ومعرفتهم. هذا المنهج الذي كان ديدن معاوية، والذي مارسه بسلاحيّ الترهيب والتخويف، والترغيب وإغداق العطايا والهبات والمكرمات، مقابل سلب العقيدة والولاء، بل سلب القدرة على تشخيص الحق والباطل! فقد امتلك معاوية جهازا إعلاميا قويا سلب من المسلمين القدرة على التفكير والتمييز، بحيث أن الناس كأنها لم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)!
إن شخصا يستسلم للجهاز الأموي ويسلمه فكره ووعيه هو في الحقيقة قد اتخذه إماما! وسيبقى هذا الخط والتوجه هو سمته الأبدية. ويوم يدعى كل أناس بإمامهم سيدعى هؤلاء بـ أين الأمويون؟
الإمام الحسن ينقذ الأمة من أن ينادوا بإمامة الأمويين:
إن الذي كان يرى تلك النهاية لهذه الأمّة المنساقة لمعاوية بعين بصيرته، هو الإمام الحسن عليه السلام. فكان يرى أن بني أمية جعلوا الناس في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج المؤمن يده لم يكد يراها. وأن هذه الأمة لو بقيت هكذا فسوف تدعى يوم القيامة بهؤلاء الأئمة، فلابدّ من إنقاذها. ولابد من شخص يخرج هذه الأمة من الانتساب لهؤلاء الأئمة إلى الانتساب إلى أئمتهم الواقعيين. لذا كان يعيش الألم الشديد لكي يكشف للمسلمين- الذين ضل حتى عقلائهم وكبرائهم عن الجادة- وجه الحقيقة.
إذا أدركنا الوضع الذي كانت تعيشه الأمة في ظل معاوية فسندرك أبعاد دور الإنقاذ الذي قام به الإمام الحسن عليه السلام. لقد أراد كشف واقع الأمويين لكي يعيد الناس إلى كرامتهم، لكي لا يدعوا يوم القيامة بإمامة أعداء الله. وإذا وعينا ذلك رأينا أن عطايا الإمام الحسن للأمة أكبر من أن تباع وتشترى، بل ليس لها مقابل فقد نزع لباس الذل والمهانة والاستكانة والانخداع ببني أمية!! وما أقبح بعاقل يثق في اللئام، ومدرك يستسيغ الطعام في حين لا يفرق ابن آدم بين النور والظلام! ما اقبح الدهر حين يقول علي عليه السلام: “أنزلني الدهر حتى قيل معاوية وعلي”!!
أراد الإمام أن يكشف للأمة وجه الواقع ليُعيدهم إلى الكرامة، فلا يُدعَوا يوم القيامة بإمامة أعداء الله. كان السبيل الوحيد لكي ترى الأمة وجه معاوية هو أن يُسقط الإمام كل المستمسكات التي قد يتمكن معاوية من استغلالها والاستفادة منها في إضلال الأمة.
أحد الأوراق الأساسية التي كانت في يد معاوية هي موقف الأمير (ع) في حرب صفين إذ هادن معاوية بعد انخداع جيشه. وكان يمكن أن يستغل ذلك فيما لو حاربه الإمام الحسن، فيحتج عليه بموقف أبيه ليقول: إن أباك هادن وصالح وأنت تحارب! فلابدّ أن يكون أحدكما مخطئا. وبهذا النوع من الخبث يُسقط العصمة! فاختار الإمام أن يسلك مسلك الأمير، فيبقي العصمة محميّةً من مغالطات معاوية، ويمنعه من أن ينسب الخطأ إلى موقف معصوم.
وأما الأمر الثاني فكانت خيانة كبار قادة جيشه له عليه السلام. وكانت الأقبح لأنها صادرةٌ عن القيادة، إذ تعهدوا لمعاوية قائلين “إذا دخلتَ مع الحسن في حرب سلمناه لك”. فاختار عليه السلام أن يضحي هو بنفسه وبسمعته وبموقعه إذ كان عليه السلام مُدركاً لما سيحدث لو مال إلى الحرب “والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، فوالله لإن أسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يَمُن عليَّ فتكون سُبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت”.
هذا الإنقاذ الذي مارسه الإمام الكريم لكي تستعيد الأمة كرامتها كان باهض الثمن، و كان ثمن شفاء الأمة من مرضها أن تحترق كبد الإمام الحسن عليه السلام بالسّم الزعاف!
 ألا لعنةُ الله على الظالمين.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬825 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.