ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 وجدتك كلي ٣

تقدم القراءة:

وجدتك كلي ٣

الأحد 7 صفر 1433صباحًاالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)
قسمنا الخطبة فيما سبق إلى أقسام أربعة، تحدّثنا عن القسمين الأوليّين في الحديث السابق وهما علاقة الموصي وهو الأمير بالموصى إليه وهو الإمام الحسن عليه السلام، وسوف نتناول الآن القسم الثالث والرابع وهما:
  • تحديد الهدف وطبيعته وموقع هذه الحياة لتحديد البرنامج الصحيح للتربية السليمة.
  • المنهج التربوي السلوكي وفق منهاج السعادة الواقعيّة لنيلها في الدنيا والآخرة.
نبدأ بالحديث عن المحور الثالث في الوصية وهو توضيح طبيعة هذه الحياة لوضع منهج سليم. ومن الطبيعي أنه ما لم يدرك الإنسان المكان الذي يعيش فيه والمناخ الذي يحيط به لا يمكن أن يضع منهجًا.
والسؤال هنا: ما أهمية أن يكتب الإمام علي عليه السلام مثل هذه الوصية المليئة بالإرشادات التربوية وهو عائد من حرب صفين، والحال أنه حين يخرج الزعماء والقادة من معارك أو أوضاع سياسية معقدة فإن حديثهم يكون حول الوضع السياسي، خصوصا وهو القائد الذي أعد كل الإمكانات لحرب معاوية معبّرا عن ذلك بقوله: (وسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ اَلْأَرْضَ مِنْ هَذَااَلشَّخْصِ اَلْمَعْكُوسِ وَاَلْجِسْمِ اَلْمَرْكُوسِ)(1) .. قائد عائد من حرب، ويكتب وصية يبسط فيها النظريّة التربويّة الإسلاميّة! شيء يدعو للتوقّف.
لكن إذا عرفنا المناخ الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والروحي والفكري الذي كتب فيه الإمام هذا الكتاب سيلقي ذلك الضوء على الكتاب وتصبح أغلب مقاطعه واضحة وبيّنة. ثم إذا قرأنا ظروف حرب صفّين سندرك أهمية مشروع الثورة الثقافيّة وبرنامج الحركة التعليميّة والتربويّة الذي تحتاجه الأمّة.
ولكن قبل كل ذلك يجب أن نؤسس أصلا ثابتا تعتمد عليه كل الرسائل السماوية خصوصا رسالة الإسلام وهو:
أن أساس بناء الدولة الكريمة هو بناء إنسان صحيح سليم المعتقد عميق الإيمان والأخلاق. وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كاشفة عن هذا الأصل.
فقد بعث رسول الله في مكة ولمدّة ثلاثة عشر سنة، تعرّض خلالها المسلمون لأشكال من التنكيل والتعذيب والتوهين والتحقير والحصار والضغط من قبل المشركين، ورغم طلبهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأذن لهم بالرد على المشركين والدفاع عن أنفسهم إلا أنه كان ينهاهم عن ذلك، والسّرّ أنه (ص) يريد أن يبني البذرة والنواة الأولى للمجتمع الإسلامي التي يمثلها هؤلاء، وبناء إنسان كامل المعتقد والعلم والمعرفة يحتاج إلى نَفَس طويل وتدرّج في البناء، لأن ثقافة الإسلام ليست ثقافة تعبويّة تحريكيّة تهييجيّة، بل هي ثقافة التزكية والوعي والبناء الفكري والروحي ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ(2) هذا التدرج في بناء الفرد المسلم يجعله يتبنّى هذا الدين عن وعي وإرادة واختيار ثم يبذل في سبيله المال والنفس.
لذلك نجد رفض النبي صلى الله عليه وآله مواجهة المشركين في بداية الدعوة. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل حتى حين أذن الرسول لألف امرأة وألف رجل بالهجرة إلى الحبشة لم يكن ذلك الإذن مطلقا بل كان انتقائيّا من قبله صلى الله عليه وآله، فلم يرشّح للهجرة إلا أكثرهم فهماً للدين ووعيًا بالإسلام، وأقدرهم على بيان الحجّة، وهم الذين تربّوا في أحضان المفاهيم القرآنيّة ونضجوا في معرفة الآيات بتعليم وهداية ورعاية من رسول الله صلى الله عليه وآله، هذه الرعاية الهادئة، وذات النفس الطويل هي ما يملأ الصدور بالعقيدة العميقة التي تجعل الإنسان يتبنّى هذا الدين، وإلا لا معنى لأن يسلم الإنسان إسلامًا قشريًّا وينتظر منه أن يشكّل النواة الأساسية لبناء الدولة الدينية.
رسول الله بعث لكي يخلق أناسا أولي بصيرة وأولي ألباب، فعكف ولمدة ثلاثة عشر سنة ينمّي تلك النواة / الإنسان، ويغذّي في الأرواح شجرة التوحيد ويسقيها بالقرآن، فكان نظم نزول الآيات هو نظم بناء إنسان، وهو نظم زراعة التوحيد بذرة عميقة لتتفرع كلمة طيبة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(3) هذا هو الأصل والأساس الديني الإسلامي.
الذي حدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله أن تولى الأمر غير أهل القرآن، ونُحّي أهل بيت الوحي ليحلّ محلّهم من لم يكن جديرا بالاضطلاع بأخطر مهمّة في الكون وهي بناء العمق الإنساني. وعندما تصدّى أمثال أولئك للشأن الإسلامي، وتولّوا المنصب الأساس في الدولة الإسلامية وحدث التوسّع الإقليمي، وقاد أولئك الفتوحات الإسلامية كان التوسّع الذي حصل – للأسف – ليس إلا اتساعا جغرافيّا وضمّاً لأعداد كبيرة من بني البشر مع طرح إسلام قشريّ بعيد كل البعد عن عمق الرسالة التوحيديّة.
 هذا التوسّع الإقليمي الذي لم يصاحبه أي نوع من البناء الروحي والفكري والعقائدي أنتج مسلمين قشريّين لا يشكّل الإسلام لهم سوى المسجد والصلاة والصوم والوضوء والطهارة والنجاسة لا أكثر والسبب – كما ذكرنا – هو أن المتصدّين لنشر الإسلام لا يملكون برنامجا تربويّا لبناء الفرد المسلم بل لا يملكون إمكانيّة تزكية الناس وتعليمهم الكتاب والحكمة.
هذا المجموع البشريّ الذي دخل في الإسلام بعد الفتوحات دون بناء عقائديّ سليم أصبح عالة على من يحمل همّ هذا الدين وهذه الدولة الفتيّة، وتسبّبوا في أكبر المشاكل للأمير سلام الله عليه والحسن من بعده، بل شكّلوا عقبة في قبال المشروع الإسلاميّ الأصيل برمّته على امتداد التاريخ الإسلامي.
المشكلة الأساسيّة كان يدركها أمير المؤمنين تماما، لذا فقد خرج من حرب صفّين، تلك الحرب التي انطلت فيها خدعة رفع المصاحف على من كان محسوبا على الإمام عليّ من أولئك القشريّين .. خرج ليكتب كتابا تربويّا يبني إنسانا مسلما واعيا يتبنّى المشروع الإسلامي انطلاقا من قوّة العقيدة وثبات الإيمان. فالمشكلة الأساس لم تكن في العدد أو العدّة، إن مشكلة العالم الإسلامي التي رآها عليّ كانت مشكلة بناء الإنسان المسلم.
تلك المشكلة الأساس أنتجت أولئك الأفراد الذين تشكّل منهم أغلب جيش الأمير في صفّين، الجيش الذي يشكّك في استقامة الأمير ويطلب منه التّوبة مع ما رأى من استبساله وصدقه وتنمّره في ذات الله وظهور علو مقامه ومكانته وحسن تدبيره ومبدئيّته هذا الجيش كيف لا يشكّك في الإمام الحسن ويتّهمه بالجبن والإدغال والميل للدّعة وضعف النّفس بسبب قراره عدم دخول الحرب مع معاوية؟!
لم تكن (وجدتك كلي) إلا تزكية وإشادة صريحة بما سيصدر عن الإمام الحسن من مواقف، لأن موقف الحسن نوع حرب وجهاد يتمّ به دوراً بدأ به الأمير بجهاده وتحمّله ومقارعته، يتمّه بصبره وحلمه وحكمته وتدبيره.
تدبير الحسن الذي أحكم الخناق على معاوية وشاهِدهُ موقف معاوية بعد إتمام الصلح وبعد أن فطن أنه وقع في فخ عظيم بموافقته على شروط الإمام الحسن عليه السلام فقال: وإن كل شيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به.
هذا هو الحسن بن عليّ، الأشبه بأبيه .. كشّاف شبهات، دفّاع معضلات، دليل فلوات، لا يخفى عليه وجه الصّواب والحكمة وإن لم يكتشفها غيره إلا بعد فوات الأوان.
إن قوما ابتلي بهم عليّ والحسن من بعده  ليسوا إلا حصيلة البناء الأرضي الخاطئ والتوّسع الجغرافي للدولة الإسلامية بدون بناء لنفس المسلمين.
لقد عزم عليّ – وقد لمس الدّاء – أن يبدأ بالدّواء، فلابدّ لتلك الثّقافة السّطحيّة السّائدة والمنهج القشريّ في فهم الدّين لابدّ أن يتغيّر، ولا يكون ذلك إلا بزرع نواة جديدة لأن البناء الذي عمل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله خلال ثلاثة عشر عاما في مكّة لم يعد مؤثرا، ويحتاج الأمير أن يبدأ بناءا جديدا. من هنا كتب أمير المؤمنين كتابه هذا طارحا نظريّة تربويّة رائعة لا يستغني عنها أي مربّ ولا متربٍّ. ومن حكمة الأمير (ع) أنه جعل الحسن مرآة ومعبراً، وإلا لم يكن الإمام الحسن مقصودا بهذه الوصايا فهو أعلى شأنا وأرفع مقاما لكن الأمير باعتباره في مقام الأبوّة في مقام المهذّب والمعلّم والموجّه الذي يهدف لبناء إنسان جديد فهو يتكلّم قاصدا كل من سوف يصل له هذا الكتاب، ومخاطبته للحسن ليست إلا لتمرير تلك الوصيّة فحسب، لأن الحسن قطع كل تلك المسافات.
 (أمّا بعد، فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدنيا عنّي، وجموح الدهر عليّ، وإقبال الآخرة إليّ، ما يزعني عن ذكر من سواي، والاهتمام بما ورائي، غير أنّي حيث تفرّد بي دون همّ الناس همّ نفسي، فصدّفني رأيي وصرفني عن هواي، وصرح لي محض أمري، فأفضى بي إلى جِدّ لا يرى معه لعب، وصدق لا يشوبه كذب..)(4) هذا هو المقطع الأوّل الذي بدأ به الأمير هو بيان الجو والمكان والمناخ الواقعي الذي يعيش فيه كل إنسان، لأن الإنسان إذا أدرك في أي مرحلة هو، ولماذا وجد، وما الذي حوله، وعرف المساقط والمهاوي وشخّص طريق الاستقامة حينها يمكن له أن يضع برنامجا متقنا لذلك.
قد يرد على الذهن هذه الاستفهام: إذا كان الإمام يتطلع لبناء دولة، فما علاقة المجال التربوي والأسري والعلاقات والروابط الاجتماعية والشباب بذلك؟
الجواب: إن للصّفات والأخلاق دور كبير في بناء الدولة وصنع التاريخ، وطبيعة الناس الأخلاقية هي الحاكمة في الواقع الخارجي، الأخلاق أسست لكيانات ودول بل – كما يعبّر السيّد القائد حفظه الله  – أسّست للمسيرة التاريخيّة الطويلة، فكم من أحداث شنيعة تسبّب بها أناس كانوا يحملون بين جوانحهم حقدا وحسدا، وكانت أفعالهم مقدمات لمآسي مستمرة .. وما حال البقيع اليوم والجرأة على هدمه إلا نتيجة لجرأة الأوّلين على الإمام الحسن، أولئك الذين شوّهوا سيرته وحرقوا شخصيّته. هم أسّسوا ذلك، وأسّس عليّ وأبناء عليّ لدولة عميقة وعريقة بثقافتها بتعقّلها بمعاييرها بموازينها.
هناك رواية في تحف العقول يسأل فيها الإمام الحسن عن القيم والفضائل والأخلاق ويجيب أجوبة تأسيسية. يسأل الإمام صلوات الله عليه: ما هو الصبر؟
كل الفلاسفة يقولون الصبر هو حبس النفس، فالذي يستطيع حبس النفس عن ردة الفعل حين تتعرض لضيق وشدة يسمى صابرا، أما الإمام الحسن فيعرِّف الصبر بأنه (التجرّع للغصّة)(5) وحبس النفس إنما هو مرحلة من مراحل الصبر. الصبر عند الحسن عليه السلام هو أن تمر هذه الأمة لساحل النجاة عبر غصص يتجرّعها هو!، الصبر أن يشرب  الإمام السم وهو يعلم أنه سم  في سبيل أن ينكشف لهذه الأمّة الواقع وتصل إلى نجاتها.
فالسلام على الحسن المجتبى، الذي كان عليّا كل عليّ، وصراطا مستقيما يهدي إلى الحق، ومعبرا لنجاة أمّة جدّه، سلاما متّصلا متواليا عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.

1. نهج البلاغة – خطب الإمام علي ج3ص73
2. ال عمران:  164
3. إبراهيم 24
4. تحف العقول لابن شعبة الحراني ص69
5. معاني الأخبار للشيخ الصدوق

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬825 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.